
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره… جريدة الثورة السورية .دمشق
إن الغاية من البحث في التاريخ القديم هي بيان ما كان أو جرى في زمان ومكان معينين خلال مراحل موغلة في القدم، ومن ثم إضاءة طبيعة حياة الإنسان وتفكيره وتصوراته، ووصف أحداث عصره، وأساليب تفاعله معها، وفق منهج علمي موضوعي، بعيداً عن السعي إلى المفاضلة، وإسقاط أفكار حديثة على ماضٍ سحيق.
والوسيلة الوحيدة إلى معرفة ذلك هي الآثار التي خلّفها الإنسان في مواطن سكناه، وهي موجودة في المواقع والتلال التي نصفها بالأثرية، وتزخر أرجاء سورية بالمئات منها، والتنقيب فيها يكشف عن المادة العلمية الأساسية لكتابة التاريخ القديم، وهي متنوعة، تكون في إطارين أساسيين، هما:
أولاً: الآثار المادية كالشواهد العمرانية والفنية التي تعكس طبيعة التفكير الإنساني؛ إضافة إلى مخلفات زراعية كالبذور والقطع النباتية والخشبية المتفحمة، والعظام البشرية والحيوانية، وغير ذلك.
ثانياً: الآثار الكتابية المدونة على الطين أو الحجر، بلغات وأنماط من الأشكال الكتابية التي لم تعد مستخدمة.
يكشف المنقّب عن الآثار المادية، ويستعين بعلوم مساعدة في دراستها؛ كالعمارة، والفنون، والعلوم الطبيعية وما يرتبط بها من تحاليل مخبرية، ويدرسها ضمن سياقها التاريخي الزمني، ويقارنها مع مكتشفات أمكنة أخرى، ليخلص إلى استنتاج وظائفها ومميزاتها، وكل ما يمكن الاستناد إليه في وصف حياة الإنسان.
أما الآثار الكتابية فيتولى أمرها عالم اللغات القديمة، فينقلها ويقرؤها ويترجمها كي يستخلص منها معارف لغوية وتاريخية. وجهود كليهما متكاملة، لا تختلف من حيث الأهمية، والفارق بينهما هو أن الثانية تنقل إلينا المعلومة التاريخية بشكل مباشر، بينما تتطلب الأولى التحليل والاستفادة من التقنيات المعاصرة لفهمها بشكل دقيق.
أما المؤرخ فيستند إلى الجهود السابقة في تدوين التاريخ؛ لأنها المصادر الأساسية، ولذلك ثمة ترابط بين جهود الثلاثة؛ إذ يوفر الأثري واللغوي المادة العلمية، ويبني المؤرخ التشكيل المعرفي الذي ندعوه التاريخ.
لا كتابة تاريخية، علمية المنهج، من دون المصادر الأثرية المادية والكتابية، وهو أمر نفتقده في أعمال كثير من الهواة الذين باتوا يتسلون بكتابة التاريخ القديم، ويطرحون تصورات وأفكار لافتة للانتباه، شائقة مثيرة، ومضللة أحياناً، وقد باتت تنتشر بسرعة، وصار أصحابها مشاهير في الإعلام الذي يتحمل جزءاً من خطيئة تشويه المعرفة التاريخية في المجتمع.
إن كثيراً منهم يفتقر إلى الخبرة الأثرية والمعرفة باللغات القديمة، لا يعرف المصادر إلا من خلال ترجمات ضعيفة لمراجع، معظمها قديم تغيرت المعلومات الواردة فيها بمرور الزمن، والمعلوم أن هذا المجال المعرفي متبدل، يخضع لتصحيحات وتعديلات، تبعاً للمكتشفات التي تتجدد مع استمرار أعمال التنقيب والكشف، كما أن أعمال معظمهم تفتقر إلى أسس منهجية علمية.
والأنكى من ذلك كله هو أنهم لم ينتقلوا إلى كتابة التاريخ القديم من تخصص مقارب متداخل؛ بل من أبعد التخصصات عنه؛ كالاقتصاد، والتجارة، والمسرح، والبيطرة والشعر.
إن ضحية هذا التشويه هو المواطن المهتم، والطالب الجامعي، والسائر في درب التخصص، وهو أمر يتطلب البحث عن حلول، لعل أهمها هو تشجيع البحث العلمي الجاد في الجامعات، والاستفادة من تجارب جامعات العالم، والبدء بإنشاء مراكز بحثية دقيقة التخصصات تخدم المعرفة والمجتمع، يتفرغ فيها باحثون مؤهلون ينشرون أعمالاً علمية يمكن الركون إليها، في أوسع نطاق مجتمعي ممكن.
فهل من الصعب أن تكون لدينا خطط مستقبلية لإنشاء مراكز بحثية صغيرة في جامعاتنا للدراسات الإبلوية أو الأوغاريتية أو التدمرية، وغيرها؟ أو على الأقل مركزين لدراسات عن الشرق القديم وحضاراته عامة، في جامعتي دمشق وحلب؟ البحث العلمي في الجامعات هو الذي يرقى بمستواها ومكانتها وشهرتها، وليس العملية التعليمية التي تحولها إلى مجرد مراكز مكملة للمدارس الثانوية.