
خلال مظاهرة حول ظروف التعليم في باريس، 22 أكتوبر 2026 (أ ف ب)
ملخص
تركزت ردود الفعل الرسمية بالإجمال على مسائل النظام العام، ففرضت فرنسا حظر تجول في بعض المناطق، فيما نشرت إيطاليا قوات عسكرية، وهو ما ندد به المتظاهرون، وعدّوا أنه يجعل الناحية الأمنية تحجب مطالبهم، وقد يتسبب بتفاقم الوضع.
بين احتلال مدارس في روما ونصب خيم في مدريد وخروج تظاهرات صاخبة في فرنسا، ينزل جيل كامل من الشبان إلى الشارع في أنحاء متفرقة من أوروبا للتعبير عن غضبه حيال طبقة سياسية يتهمها بعدم الاستماع إليه.
وإن كانت مطالب الشباب عدة، فإنهم متحدون في عزمهم على رفع أصواتهم المهمشة في غالب الأحيان، من غير أن يتردد بعضهم باستخدام وسائل راديكالية في وجه الشرطة.
لانتزاع مستقبلنا
قال داميانو فوسا (18 سنة) التلميذ في ثانوية كافور في روما، أول مدرسة احتلها تلاميذها في العاصمة الإيطالية قبل أن يتكرر الأمر في 10 مدارس أخرى، “سنبقى في الشارع لانتزاع مستقبلنا من الطبقات الحاكمة التي صادرته”.
وأكد لوكالة الصحافة الفرنسية “لا يمثلنا أحد”، منتقداً في آن واحد ائتلاف اليمين المتطرف بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني وحكومات وسط اليسار التي سبقته، للاقتطاعات التي أجرتها في قطاع التعليم، وعجزها عن تلبية حاجات الشباب.
وخرج مئات آلاف التلاميذ والطلاب إلى الشارع في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى خلال الأسابيع الأخيرة، في تظاهرات شهدت أحياناً تجاوزات وأعمال عنف.
وتركزت ردود الفعل الرسمية بالإجمال على مسائل النظام العام، ففرضت فرنسا حظر تجول في بعض المناطق، فيما نشرت إيطاليا قوات عسكرية، وهو ما ندد به المتظاهرون وعدّوا أنه يجعل الناحية الأمنية تحجب مطالبهم، وقد يتسبب بتفاقم الوضع.
وقال لويس ماركيس (16 سنة) الطالب في علم النفس في لشبونة “السياسيون يعمدون إلى ردود منفصلة تماماً عن الواقع، عبثية بالكامل”.
ويطالب التلاميذ الحكومات بمعالجة مشكلة الارتفاع الحاد بأسعار السكن في المدن، والحد من الإنفاق الدفاعي لحساب التعليم، وإيجاد مزيد من فرص العمل للشباب.
لكن الخبراء يشيرون كذلك إلى مشكلة أوسع نطاقاً، وهي أن قسماً كاملاً من الشعوب لا يشعر بأنه ممثل سياسياً، ويحركه غضب متزايد حيال تهميشه.
وقال رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، جيفري بلايرز “هؤلاء الشباب لا يشعرون أن لهم مكاناً في السياسة، بل أكثر من ذلك يشعرون أنّه لا يتم الاستماع إليهم إطلاقاً”.
وأوضح أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة لويس في روما، روزاريو فورلنتسا “إنها ثورة جيل كامل في أوروبا” انبثقت من أزمة اجتماعية واقتصادية، “لا تعرف الطبقة السياسية في الواقع كيف ترد عليها”.
وتابع “يمثل الشباب في كل أنحاء أوروبا أقلية بين السكان، شريحة تتضاءل بصورة متواصلة، لذا فإن وزنهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والانتخابي يفقد أهميته بصورة متزايدة”.
إلهام آخرين
ويتجلى غضب الشباب بصورة خاصة في فرنسا وإيطاليا حيث تنظم تظاهرات جديدة غداً السبت.
وقال إيدي، الطالب العشريني متحدثاً إلى الصحافة الفرنسية خلال تظاهرة في نهاية الأسبوع الماضي في مدينة بوردو الفرنسية “الناس غاضبون للغاية، لم يعد بوسعهم التحمل. يعملون طوال النهار دون أن يتمكنوا في نهاية المطاف من شراء حاجياتهم”.
وتابع “هل تحطيم كل شيء سيبدل الوضع؟ أعتقد أنه قد يكون بمثابة صدمة للسياسيين. لم نعد نعرف ما يمكننا القيام به لإسماع صوتنا. صناديق الاقتراع؟ لم نعد نؤمن بها”.
وتستلهم الحركات الاحتجاجية الوطنية في مختلف بلدان أوروبا بعضها بعضاً، وتتطلع إلى حركات شبابية في بلدان أبعد من القارة مثل بنغلاديش والهند والنيبال.
وفي إيطاليا، رفع شعار الأسبوع الماضي يحض الطلاب على أن “يفعلوا كما في فرنسا”. وتنتشر الرموز ذاتها بين المتظاهرين في مختلف الدول، ومن أبرزها علم القراصنة الذي تظهر عليه جمجمة وعظمتان متقاطعتان وغالباً ما يرفع في تظاهرات شبابية عبر العالم.
وأوضح ماركوس نافارو وهو فتى في الـ22 من العمر من سكان مدريد يعمل فنياً في مختبر، أن متظاهرين قادمين من أنحاء مختلفة من أوروبا يلتقون لتقاسم تجاربهم.
وقال الشاب الذي يقيم في خيمة منذ نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي على غرار مئات آخرين في ساحة “بويرتا ديل سول” في قلب مدريد احتجاجاً على غلاء الإيجارات وعمليات طرد مستأجرين، “جاؤوا ليسألونا: كيف فعلتم؟ كيف تنظمون صفوفكم؟”، مضيفاً “تقاسمنا أفكاراً”.
وأكدت عالمة الأنثروبولوجيا (26 سنة) التي تساعد في العيادة الطبية للمخيم آيلا هيريرو، أنه “من المحفّز لنا أن نعرف أننا نلهم آخرين، وأن الأمر لا يتوقف هنا”.
غير مقبول
وفي صلب هذه التحركات الشبابية القلق حيال ارتفاع النفقات العسكرية في أوروبا منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.
ورأى نيكوس مافروديس (17 سنة) التلميذ في حي إيكسارخيا في أثينا، أنه كان من الممكن استخدام هذه الأموال لترميم مبنى مدرسته الذي تتساقط فيه قطع من الأسمنت.
وقال “من غير المقبول أن تكون قاعات الصفوف خطرة”، وهو يحلم بأن يصبح طاهياً ويعتزم المغادرة للإقامة في مكان آخر من أوروبا، “في بلدان أخرى حيث الأوضاع أفضل من هنا”.
وفي ثانوية مورغاني في روما حيث أزيحت طاولات ووضعت خلف الأبواب لإبقائها مغلقة، يشير التلاميذ إلى ترهل البنى التحتية.
وقال شاب في الـ18 طلب عدم ذكر اسمه، إن وسائل الإعلام والمسؤولين السياسيين في إيطاليا يركزون على أعمال النهب والتخريب التي يرتكبها بعض المتظاهرين.
ورأى أن الهدف من ذلك “هو فقط توجيه النقمة على التلاميذ الذين هم ضحايا هذا النظام”.
وسئلت سابرينا بريتسولا (24 سنة)، منسقة اتحاد الطلاب الجامعيين الإيطاليين، عن أعمال العنف فقالت إنه يتعيّن على المنظمات على غرار اتحادها أن “تنظم وتوجه غضب الجيل هذا”.
وشددت على أن “المواضيع مشتركة” حتى لو أن الشباب في كل بلد يتظاهرون “بالوسائل التي يرونها مناسبة”.