ملخص
يطرح معرض “12 تون” للفنان المصري حاتم شافعي في قاعة الباب – دار الأوبرا أسئلة حول آفاق تلقي النحت المعاصر في وسط تشكيلي يحتفي بما هو تقليدي وراسخ. فالمعرض يعكس بعض ما شهده النحت خلال السنوات الأخيرة من تحولات تجلت في أساليب عمل النحاتين وطرق الحوار مع الخامات، واختبار قدرتها على تمثيل الأفكار النظرية الخالصة.
يقدم حاتم شافعي تجربة ملهمة تشير إلى إمكان إحياء التراث البصري وإعادة تقديمه بطريقة عصرية تنتمي إلى ما يسمى “النحت التفكيكي” الذي يفسح المجال أمام استثمار الإرث النظري الذي تركه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930–2004) وأنصاره عبر الرهان على مفاهيم التجاور مع الأساليب والفنون الأخرى، فضلاً عن العمل بخامات متنوعة غير تقليدية.
وعلى رغم انتمائه إلى التقاليد الأكاديمية، بحيث يعمل أستاذاً للنحت في كلية التربية الفنية، فإن أعمال شافعي تبدو، مع صرامتها، متحررة تماماً من القواعد والمحددات الكلاسيكية للمادة والقيمة.
مدونة بصرية للموسيقى
ينطلق المعرض من بحث معمق في الهوية البصرية للمدونات الموسيقية (النوتات) كما قسمها الموسيقي النمساوي أرنولد شوينبيرغ (1874–1951)، الذي كان مرتبطاً بالتعبيرية الألمانية وعُرف على نطاق واسع في بداية حياته المهنية بسبب رهانه على عدم توافق الألحان.
استناداً إلى معارفه كرسام استطاع شوينبيرغ أن يطور تقنية الـ12 نغمة التي تظهر على سطح أصابع آلة البيانو وتجسد ما يسمى “السلم الكروماتيكي”، كما صاغ مصطلح التباين النامي، وتبنى تطوير الأفكار الرئيسة من دون اللجوء إلى هيمنة الفكرة اللحنية المركزية.
وجد شافعي في الثورة التي قادها شوينبيرغ على المقامات السبعة، والسلم الموسيقي التقليدي، مدخلاً لبناء مفهوم وإعادة تصور هوية بصرية جديدة للنوتات الموسيقية عبر العمل بالنقاط الـ12 التي حددها شوينبيرغ، وليس النقاط الـ7 القديمة. وأعاد تقسيم هذه النقاط في شكل جديد بواسطة الذكاء الاصطناعي، بحيث أصبح الرقم واحد في أهمية الرقم 12، وقام بتكرارها في أعمدة رأسية، لكن في كل مرة يبدأ من رقم مختلف في متتالية عددية من 1:12. بالتالي أصبحت الوحدات الرقمية كلها مفككة، لا يوجد فيها ما يسمى الأرقام السحرية ذات البعد غير المحدود.
وبالمثل لم يعد هناك أي رقم يلعب دور البطولة، فكل العناصر أصبحت أبطالاً، وكل الأرقام لها الحضور ذاته، لكن موقعها هو الذي يتغير.
جسد شافعي نوتات جديدة تعتمد على التشكيل من 1 إلى 12 ، وشكل منها بصرية تتكرر بطريقة لافتة، فكلما أغمض المتلقي عينيه وجد قدراً من الاختلافات في الشكل الذي يولد موجات لونية متلاحقة.
قيمة الظل
وتأكيداً لفكرة تجاور الفنون التي تعد سمة ما بعد حداثية واضحة، قام عازف الكمان محمود بيومي، عميد المعهد العالي للموسيقى في مصر (الكونسرفتوار) السابق، بكتابة النوتة الموسيقية بمداخل بديلة، تستلهم الطرح الذي قدمه شافعي، الذي أدخل النوتة البديلة على برامج الذكاء الاصطناعي، وحدد لها القيم اللونية المجسدة داخل المعرض، ثم قام الفنان بتلوينها، فجرى استبدال الأبيض والأسود بوحدات لونية تعكس النزعات التي أرادها الفنان. فكل وحدة لونية تبدو كمعادل لوحدة صوتية يعاد بناؤها بشكل تفكيكي.
إلى جانب القطع التي وضعها الفنان على الجدار في الضلع الأيمن من المعرض، وضع على الأرض وحدات مماثلة، لكنه زاد عليها وحدات تبرز قيمة الظل الذي يؤدي دور البطولة ويصبح عنصراً رئيساً كما هو الحال في فن التصوير.
يعزز معرض حاتم شافعي فكرة إلغاء الحواجز بين الأشكال الفنية، وهي مسألة رئيسة في الفن المعاصر بسماته عبر النوعية التي تفضل فكرة التفاعل البصري بين كافة الأشكال. وبفضل الخيارات الفنية التي أرادها حاتم شافعي، يقوم معرض “12 تون” بتفكيك قدسية الشكل والمادة، ويركز على تعظيم قيمة “الفكرة والكونسبت” مقابل التقليل من التفاخر بالقيمة المادية للخامة. فلا وجود للخامات التقليدية الباذخة الثمن مثل (البرونز أو الغرانيت أو النحاس)، ولكن البطولة لخامات الخشب والورق والجبس.
وكما هو معروف، فإن أحد تحديات النحت التفكيكي يأتي من إعادة الاعتبار للخامات البسيطة واستعمال الجبس والورق والخشب لإنتاج أعمال مفاهيمية معاصرة من دون الاستسلام للكلفة المالية الباهظة.
بطولة الأطباق النجمية
من جهة أخرى، تجسد مجموعة منحوتات الأطباق النجمية أحد المفاهيم الرئيسة في طموح الفنان حاتم شافعي لإعادة تفكيك الأشكال التراثية وتقديمها في قوالب بصرية جديدة. يعتمد العمل هنا على تفريغ الشكل التراثي القديم وأخذ “ظله” بدلاً من أصله، لإكسابه دلالة جديدة تتناسب مع الفن المعاصر. ويستلهم فيها الفنان الأطباق النجمية الموجودة في الهوية البصرية للفن الإسلامي، معتمداً على الأثر الذي تتيحه تقنيات التفريغ الهندسي.
ومعروف أن الطبق النجمي هو وحدات مفرغة ومثبتة هندسياً تنطلق من اللانهاية، مع تغيير الأرضيات وتثبيت التقطيع للخروج بوحدات متكررة في 12 قطعة.
في هذه المجموعة تبدو النقطة كافتراض بصري، فتصميم الطبق النجمي يبدأ من نقطة وهمية لا أبعاد لها، ولا تُدرك بالعين إلا عبر تجسدها في مركز أو أثر. ويعكس التصميم مفهوماً فلسفياً حول اللانهاية، وفيه تتداخل النقاط إلى الداخل والخارج بلا نهاية. وهو ما يرتبط بالمدلول الديني والدائري، مثل: حركة الطواف حول الكعبة المشرفة وطقوس الدرويش الصوفي في سعيه نحو اللانهاية عبر رقصة المولوية).
تنتج الشرائح المفرغة والمجهزة مسبقاً أشكالاً هندسية متداخلة يتم تسقيطها داخل إطارات فرعية، وتنعكس الأضواء ومعها ظلال حمراء وزرقاء وصفراء لتضفي أبعاداً روحانية على المواد المستعملة، ومعظمها من الورق، وتماثل فن طي الورق أو “الأُرِيغامي”.
في المقابل، تبدو مجموعة الجبس التي أنجزها الفنان خلال إقامة فنية في روسيا مغايرة لأجواء المعرض وخاماته إلى حد كبير؛ فبدلاً من الخشب والورق، يستعمل الفنان خامة الجبس، لكنه ينتج أشكالاً متنوعة للوصول إلى الدائرة كأم للأشكال الهندسية تجسيداً للسعي نحو اللانهائي أيضاً.
يؤكد شافعي أنه يريد أن يرى النظام في الفوضى، وأن يرى الجمال في النظام، كما خبرنا الشاعر صلاح عبدالصبور في قصيدته “مرثية رجل عظيم”، كركيزة للتفاعل مع العمل الفني، مؤكداً أن تلقي الجمهور لهذه النوعية من الأعمال النحتية يتطلب وعياً وثقافة بصرية عالية لدى المشاهد (فهم الخامات، الألوان، زوايا الإضاءة)، وهو ما يمثل تحدياً أمام ذائقة الجمهور المعتادة على المحفوظات البصرية التقليدية.
