ملخص
تدخل الحرب الهجينة الروسية ضد الغرب مرحلة أكثر خطورة، مع تصاعد الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب وانتهاكات الأجواء الأوروبية، وفي ظل عجز “الناتو” عن فرض ردع فعلي على موسكو. وبينما يستغل فلاديمير بوتين تردد الحلف وانقساماته، تبدو الحاجة ملحة إلى إستراتيجية جماعية تفرض كلفاً حقيقية على روسيا، وتحدد خطوطاً حمراء واضحة، وتعزز الدعم الغربي لأوكرانيا قبل أن تتحول الاستفزازات المتصاعدة إلى كارثة بشرية.
في السنوات الأولى من الحرب في أوكرانيا، بقيت هجمات الحرب الهجينة الروسية في أوروبا دون العتبة التي قد تستدعي رداً جماعياً من الحلفاء. وخلال عملي مندوبة دائمة للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بين عامي 2021 و2024، تابعت من كثب تطور هذه الحملة: كابلات بحرية مقطوعة، وعبوات حارقة أخفيت داخل شحنات نقل، وعمليات تخريب استهدفت مصانع ومستودعات أسلحة في أنحاء أوروبا. ورداً على ذلك، عززت الدول الأعضاء حماية البنى التحتية الحيوية، وكثفت دورياتها في بحر البلطيق، ووسعت تبادل المعلومات الاستخباراتية، لكن مقاربة “الناتو” ظلت في معظمها دفاعية، إذ بدت تلك الهجمات متفرقة ومحدودة النطاق، فيما وفرت درجة الغموض المحيطة بها لموسكو هامشاً كافياً للتنصل من المسؤولية.
أما اليوم، فلم يعد الوضع على هذا النحو. ففي أواخر يوليو (تموز)، سقط صاروخ كروز روسي داخل الأراضي البولندية. وبعد أيام، عثر على ثلاث طائرات مسيرة محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ الألماني ومحيطه. وبعد أسبوعين فحسب، أقلعت مقاتلات “إف-16” رومانية لاعتراض ثلاث مسيرات روسية اخترقت المجال الجوي الروماني، بينما أسقطت طائرة إسبانية مسيرة رابعة قرب الحدود المولدوفية. ولو أن أحداً وصف قبل عامين هذا المشهد بوصفه واقعاً سيبلغه “الناتو” لاحقاً، مسيرات روسية تحلق فوق أجواء دول الحلف، وصاروخ روسي يسقط في بولندا، ومتفجرات تكتشف في مطار ألماني، من دون أي رد جماعي ذي شأن من الحلف، لبدت الصورة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
ولا يكتنف الغموض كثيراً أهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من هذه التحركات. فالغاية هي إحداث شروخ داخل صفوف الحلف، واختبار صلابة التزام أعضائه بالمادة الخامسة التي تنص على أن الاعتداء على دولة عضو يعد اعتداءً على الجميع، فضلاً عن رفع كلفة الدعم الغربي لأوكرانيا، لكن ما كان أقل توقعاً هو السرعة التي انتقلت بها هذه الحملة من منطقة الإنكار والالتباس إلى وقائع يصعب تجاهلها أو التشكيك فيها.
لم يغض “الناتو” الطرف عن هذه الأحداث. فالحلف يرصد هذه الحوادث ويحقق فيها، ويقوم في بعض الأحيان باعتراض الهجمات، لكن الرد على أساس كل حادثة على حدة لن يشكل رادعاً، وبوتين يدرك الفرق. وما دام كل استفزاز لا يكلف موسكو أكثر من فقدان طائرة مسيرة، فلا شيء يمنع بوتين من مواصلة التصعيد. ومع كل تصعيد، تتزايد أخطار تحول إحدى هذه الحوادث إلى خسارة كارثية في الأرواح. إن حشد العمل جماعي بغية إيقاع خسائر كبيرة هو أفضل فرصة يمتلكها الحلف لمنع مثل هذا السيناريو.
سقوط الأقنعة
ليست أساليب الحرب الهجينة بالجديدة على روسيا. فمنذ عشرينيات القرن الماضي وحتى فترة الحرب الباردة، اعتمد السوفيات على عمليات التأثير السرية المعروفة باسم “الإجراءات النشطة”: أي استخدام وكلاء محليين ومنظمات وهمية وقوات غير نظامية لتحقيق أهداف سياسية. واليوم، يتبع بوتين نفس النموذج بصورة أساسية، ساعياً إلى تقويض ثقة الحلفاء في المادة الخامسة من معاهدة حلف “الناتو” من خلال الاعتماد على تكتيكات لا ترقى إلى حد الحرب التقليدية، مما يجعل الدول الأعضاء غير المتضررة تتردد في الرد. وكانت قابلية الإنكار دائماً عنصراً أساساً في هذا النوع من العمليات. أياً كانت طريقة الهجوم، سواء كانت قطع كابلات الألياف الضوئية البحرية في بحر البلطيق أو شن هجوم إلكتروني منسق أو تفجير مصنع في أوروبا الشرقية ينتج قذائف مدفعية لأوكرانيا، فإن روسيا تسارع إلى إنكار تورطها المباشر فيه. وغالباً ما تعمد إلى قلب الرواية رأساً على عقب، متهمة دول “الناتو” بـ”معاداة روسيا”، ومحملة المسؤولية لأوكرانيا أو لجهات مارقة.
ولم يكن هذا الأسلوب غريباً على أعضاء الحلف. فمعظم الدول الأوروبية اختبرت أشكالاً متعددة من الحرب الهجينة الروسية خلال العقدين الماضيين، لكن منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 طرأ تحولان مهمان على الإستراتيجية الروسية.
أولهما الزيادة الكبيرة في وتيرة الهجمات. فبحسب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، تضاعف عدد العمليات الروسية داخل أوروبا أربع مرات خلال السنة الأولى من الحرب. أما التحول الثاني فتمثل في تنويع الأدوات المستخدمة. فإلى جانب حملات التضليل الإعلامي، وانتهاكات المجال الجوي، والهجمات السيبرانية المعهودة، لجأت جهات مرتبطة بموسكو إلى تخريب خطوط السكك الحديد، وزرع طرود حارقة على متن طائرات الشحن، والاستعانة بشبكات إجرامية داخل أوروبا لإحراق مستودعات الأسلحة.
بحلول أوائل عام 2023، ولمواجهة لهذه التطورات، رفع حلف “الناتو” من مستوى الجدية والإلحاح في مناقشاته المتعلقة بالأنشطة الهجينة الروسية. وجاء في البيان الصادر عن قمة “الناتو” لعام 2023، الذي حدد المواقف والأولويات المشتركة للحلف، أن روسيا قد “كثفت” هجماتها ضد الحلفاء، كما أشار البيان للمرة الأولى إلى استخدام روسيا للوكلاء، وأطلق الحلف مجموعة من المبادرات الجديدة لمواجهة الأنشطة الهجينة: فقد اعتمد رؤساء الدول أهدافاً جديدة لحماية البنية التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد من الصدمات الإستراتيجية في جميع مناطق الحلف. واتفقوا أيضاً على إنشاء “المركز البحري لحلف (الناتو) لأمن البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر” و”القدرة الافتراضية لدعم الحوادث السيبرانية”، وهي منصة تنسيق لمساعدة الدول الأعضاء على التصدي للهجمات السيبرانية، لكن غاب عن هذه المبادرات اتخاذ أي إجراء يفرض كلفاً على روسيا. وعلى رغم أن “الناتو” دان حرب موسكو الهجينة، إلا أنه لم يكن مستعداً للتحدث صراحة عن عواقبها، مثل فرض عقوبات محددة الهدف، أو اتخاذ إجراءات صارمة في حق أسطول الظل الروسي (السفن التي لا تحمل علامات مميزة وتستخدمها روسيا للتحايل على العقوبات)، أو شن هجمات إلكترونية، أو عمليات إعلامية.
وجزء من المشكلة يعود لطبيعة “الناتو” نفسه. فقد أسس الحلف عام 1949 ليكون إطاراً للدفاع الجماعي في مواجهة الهجمات العسكرية الواضحة المنسوبة إلى جهة محددة. ولم يصمم للتعامل مع أعمال يمكن لمرتكبيها إنكار مسؤوليتهم عنها. وبوصفه تحالفاً عسكرياً دفاعياً، لا يملك “الناتو” صلاحية فرض عقوبات أو طرد العملاء الروس من أراضي الدول الأعضاء، فهذه السلطات تبقى بيد الحكومات الوطنية والاتحاد الأوروبي.
ومنذ قمة عام 2014، أكد الحلف أن الهجمات السيبرانية أو الهجينة قد تفضي إلى تفعيل المادة الخامسة، لكن ذلك يظل رهناً بتقييم كل حال على حدة. ومع ذلك، لم يحدد “الناتو” قط الخط الفاصل الذي يستوجب مثل هذا التحرك. وحتى في الحالات التي يمكن فيها للحلف أن يتصرف بصورة جماعية، كتنفيذ عمليات سيبرانية هجومية، فإن الأمر يتطلب توافقاً بين 32 دولة تختلف في تجاربها التاريخية وحساباتها السياسية الداخلية ومستويات استعدادها للمخاطرة.
وفي العام التالي لقمة “الناتو” لعام 2023، واصلت روسيا التصعيد، فضاعفت هجماتها الهجينة في أوروبا ثلاث مرات واختبرت طرقاً جديدة لاستهداف أراضي “الناتو”، من قبيل التشويش على أنظمة السكك الحديد الأوروبية. ونتيجة لذلك، عزز الحلف قدراته في مجالات الكشف والتحليل الجنائي وخيارات الرد. وتبادل أعضاء “الناتو” أفضل الممارسات، وشاركوا في تمارين محاكاة مصممة لاختبار تلك الخيارات، ووضعوا إستراتيجية جديدة لمكافحة التضليل الإعلامي. قامت عديد من الدول، مثل إستونيا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، بفتح تحقيقات بصورة مستقلة ضد دبلوماسيين روس وضباط استخبارات مشتبه فيهم، وقامت بملاحقتهم قانونياً وطردهم. كانت هذه الخطوات مهمة، لكن غير كافية لردع روسيا.
في العام 2025، انحسرت الآمال في اتخاذ حلف “الناتو” أي إجراءات إضافية. فعندما عاد الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، كان متمسكاً بشدة بحث أعضاء حلف “الناتو” على زيادة الإنفاق الدفاعي، لدرجة أن كل لقاء تقريباً مع الحلفاء كان يركز على هذه المسألة وحدها من بدايته إلى نهايته. وأسفرت هذه الأولوية الصارمة عن نتائج مبهرة. ففي قمة حلف “الناتو” التي عقدت في لاهاي عام 2025، التزم جميع الحلفاء بإنفاق خمسة في المئة من ناتجهم المحلي الإجمال على الدفاع بحلول عام 2035، ولكن بدلاً من الاستفادة من هذا الإنجاز وتوجيه انتباه الحلف مرة أخرى نحو الحرب الهجينة التي تشنها روسيا، واصلت الإدارة الأميركية الضغط على الحلفاء لكي ينفقوا المزيد وبصورة أسرع. وعندما زرت مقر حلف “الناتو” في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وسألت زملائي السابقين كيف يقضون وقتهم، أجابني الممثل الدائم لإحدى الدول “نقضي معظم وقتنا في التعامل معكم”. ووسط هذه الاضطرابات، تباطأ زخم العمل في الحلف في شأن الحرب الهجينة إلى حد كبير. وعلى رغم اتفاق الحلفاء عام 2024 على إعداد إستراتيجية جديدة لمواجهة روسيا في قمة عام 2025 في لاهاي، إلا أن ذلك لم يتحقق أبداً. ولم يأتِ إعلان القمة حتى على ذكر الحرب الهجينة التي تشنها روسيا.
التصعيد التدريجي
بدا أن صيف عام 2025 عزز ثقة بوتين بنفسه إلى أقصى حد. فإضافة إلى تراجع اهتمام حلف “الناتو” بالأنشطة الهجينة، لاحت تباشير نجاح الهجوم الروسي الصيفي على أوكرانيا، فيما كان الحلفاء في “الناتو” مختلفين حول الرسوم الجمركية وما إذا كانت أوروبا تواجه ما سماه نائب الرئيس جي دي فانس “الانتحار الحضاري”، بينما أخذ ترمب يتودد إلى بوتين، وهو ما بان جلياً في القمة الأميركية – الروسية التي عقدت في ألاسكا في أغسطس (آب).
وبحلول سبتمبر (أيلول) 2025، لم يعد بوتين يبدو مكترثاً بالإنكار المعقول، وازدادت جرأة الحملة الحربية الهجينة الروسية. في ذلك الشهر، دخلت نحو 20 طائرة مسيرة روسية المجال الجوي البولندي، وعبرت ثلاث طائرات مقاتلة روسية المجال الجوي الإستوني.
وعقب كل من هذه الحوادث، عقد الحلف مشاورات بموجب المادة الرابعة من ميثاقه، التي تفعل عندما ترى دولة عضو أن “سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها مهدد”. كذلك أطلق “الناتو” عملية حملت اسم “الحارس الشرقي” Eastern Sentry، وهي مبادرة مفتوحة المدة تهدف إلى تعزيز الجهوزية العسكرية على الجبهة الشرقية للحلف. وبموجبها، وضعت قدرات إضافية من الدفاع الجوي وأنظمة مكافحة المسيرات تحت قيادة “الناتو” لتعزيز شبكة الدفاع الجوي والصاروخي القائمة بالفعل على طول تلك الحدود، لكن هذه الخطوة، على رغم أهميتها وضرورتها، لم تنجح هي الأخرى في ردع روسيا.
في أواخر عام 2025، بينما أخذ زخم روسيا في ساحة المعركة يتراجع في وقت كثفت فيه أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيرة والصواريخ ضد البنية التحتية النفطية الروسية، صعد بوتين من وتيرة حربه الهجينة. في ديسمبر (كانون الأول) ومع انخفاض درجات الحرارة، نشر قراصنة مدعومون من روسيا برمجيات خبيثة من نوع “وايبر” (wiper)، مصممة لتدمير البيانات وتعطيل أنظمة التشغيل في 30 منشأة طاقة في بولندا. وفي الربيع الماضي، رصدت غواصات روسية قرب الأرخبيل النرويجي سفالبارد، وهي تختبر أسلحة جديدة مصممة لتعطيل الكابلات البحرية بصورة تسمح بعدم اكتشافها. وفي مايو (أيار)، ضربت طائرة مسيرة روسية مبنى سكنياً في رومانيا، وكانت المرة الأولى التي يؤدي فيها هجوم من هذا النوع إلى إصابة مدنيين.
وتسارعت وتيرة هذه العمليات خلال أشهر الصيف. ففي أغسطس، شنت جماعات مرتبطة بروسيا بصورة شبه مؤكدة سلسلة من هجمات الحرق العمد في بلغاريا وإستونيا وإيطاليا وبولندا، والتي يبدو أنها تهدف جميعها إلى إبطاء تدفق المساعدات إلى أوكرانيا. وكانت إحدى أكثر الحوادث جرأة هي الهجوم على مطار لايبزيغ في أوائل أغسطس: حيث عثر على مسيرة تحمل متفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية. وفي سبتمبر، أطلقت فرقاطة روسية قبالة سواحل الدنمارك قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية عسكرية دنماركية، كادت إحداهما تصيب الطائرة.
كان من المتوقع أن تؤدي سلسلة الأحداث هذه إلى رد جماعي وعاجل من حلف الناتو، لكن تصعيد روسيا التدريجي لهذه الهجمات سمح لها بفعل مزيد من الأعمال الخطرة من دون أن تدفع ثمناً يذكر. وقد أجرى الحلفاء مراجعة لهذه الحوادث، وناقشوا كل منها وردوا عليها بصورة أو بآخر، لكنهم استمروا في اتباع منهج التعامل مع كل حال على حدة الذي وضع في العام 2014. وعلى رغم أن الغرض من هذا الشرط كان الحفاظ على مرونة الحلف، فإنه منع أعضاء الناتو، بدلاً من ذلك، من تناول هذه الهجمات بصورة إجمالية والدعوة إلى اتخاذ إجراءات جماعية.
حشد الحلفاء
لا شك في أنه على “الناتو” الرد بقوة أكبر على تصعيد موسكو. غير أنه من الضروري أن تنطلق أي إستراتيجية جديدة من أقوى عضو في التحالف: الولايات المتحدة، لكن إدارة ترمب أدلت بتصريحات متضاربة في شأن هذه الهجمات، إذ تجاهلتها حيناً، وقبلت أعذار روسيا العلنية أحياناً، ودعت في أحيان أخرى إلى اتخاذ إجراءات رداً عليها تشمل استخدام القوة.
فعقب اختراق المسيرات الروسية المجال الجوي البولندي في سبتمبر (أيلول) 2025، قال ترمب إن ما حدث “قد يكون خطأً غير مقصود”، وهو توصيف رفضته الحكومة البولندية بصورة قاطعة. وبعد ذلك بأيام، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قال ترمب إنه يعتقد أنه يجب على الحلفاء إسقاط الطائرات الروسية التي تدخل مجالهم الجوي، لكن عندما سئل عن اكتشاف الطائرة من دون طيار في لايبزيغ، رد ترمب بأن “بوتين لا يسعى إلى مهاجمة أراضي حلف (الناتو)”. مثل هذه الرسائل المتضاربة تقوض قدرة الحلف على ردع روسيا. فإقناع بوتين بوقف حربه الهجينة سيتطلب إشارة واضحة من أقوى عضو في حلف “الناتو” بأن أي هجمات مستقبلية ستترتب عليها عواقب.
ينبغي على الولايات المتحدة التعاطي مع الحرب الهجينة الروسية بنفس الحزم الذي عالجت به التهديد الروسي باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في خريف عام 2022. ففي ذلك الوقت، وجهت واشنطن إلى موسكو تحذيراً مباشراً وعلنياً في شأن “العواقب الكارثية” التي ستترتب على مثل هذه الخطوة. وتشير بعض التقارير إلى أن غرض زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى موسكو في أغسطس 2026 هو التصدي للهجمات الهجينة، لكن البيت الأبيض قلل من أهمية الزيارة ووصفها بأنها “شبه روتينية”. وحتى لو جاء راتكليف بتحذير نهائي، فمن المرجح ألا يأخذ بوتين مثل هذا التهديد على محمل الجد إلا إذا صدر عن ترمب نفسه.
لكن إظهار الحزم ليس سوى نصف المعادلة. فالحلفاء في حاجة أيضاً إلى تحويل كلفة التصعيد الروسي إلى واقع ملموس.
ويمكن الاستفادة من بعض النماذج القائمة في هذا المجال. فقد صادرت النرويج سفينة روسية قرب أرخبيل سفالبارد في سبتمبر، عقاباً لموسكو على امتناعها عن دفع تعويضات لشركة طاقة أوكرانية استولت على أصولها في شبه جزيرة القرم، ونفذت فرنسا مراراً عمليات تفتيش لناقلات روسية خاضعة للعقوبات. وهذه أمثلة ينبغي للبقية أن تحتذي بها.
وبإمكان الولايات المتحدة، مثلاً، أن تعلن استئناف التخطيط لعمليات سيبرانية وهجمات تأثير معلوماتي ضد روسيا، وهي أنشطة كان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد أوقفها في مارس (آذار) 2025. كذلك يستطيع “الناتو” توحيد جهود مراقبة “أسطول الظل” الروسي في قاعدة بيانات مشتركة تتضمن السفن التي ترفع أعلاماً مضللة، أو تفتقر إلى التأمين، أو يشتبه في ارتباطها بحوادث تخريب الكابلات البحرية. وبعد ذلك يمكن للحلف مشاركة هذه المعلومات مع حكومات الدول الأعضاء والاتحاد الأوروبي بما يتيح فرض عقوبات أكثر فاعلية.
وفي الوقت ذاته، يتعين على حلفاء واشنطن مواصلة تعزيز قدراتهم الدفاعية، ومواصلة فضح الأنشطة الروسية، لكن عليهم التوقف عن التعامل مع كل هجوم هجين باعتباره حادثة منفصلة. فالأولوية ينبغي أن تكون لرصد نمط السلوك الروسي ككل، وتحديد الخطوط التي تستوجب رداً جماعياً من الحلف.
وينبغي توسيع الصلاحيات الاستباقية الممنوحة للقائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، وهو المسؤول عن قيادة العمليات العسكرية للناتو. وقد مددت صلاحياته أخيراً لتشمل الإشراف على حماية المجال الجوي لدول البلطيق، لكن ينبغي أن تمتد أيضاً إلى المجال البحري، حيث آخذة روسيا في تصعيد أنشطتها. فموسكو تحتفظ بدوريات دائمة من السفن المسلحة في خليج فنلندا لمرافقة ناقلات “أسطول الظل”، مما يعني أن أي محاولة من دولة عضو لاعتراض ناقلة مشتبه فيها قد تتحول سريعاً إلى مواجهة مباشرة مع البحرية الروسية.
وأخيراً، يجب أن يقود كل هجوم روسي جديد إلى زيادة الدعم المقدم لأوكرانيا. فمنذ عام 2022، استخدم بوتين تقريباً كل وسيلة متاحة لعرقلة تدفق المساعدات إلى كييف. وعلى رغم أن الدعم العسكري والاقتصادي الغربي لم ينقطع، فإنه تراجع بصورة ملموسة مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب.
والعودة لهذا الجهد الجماعي ستبعث برسالة واضحة إلى بوتين مفادها أن إحراق المستودعات أو استهداف مصانع الطائرات المسيرة لن يؤدي إلى إضعاف عزيمة “الناتو” أو تقويض دعمه لأوكرانيا.
لقد حالف الحلف قدر من الحظ حتى الآن، إذ لم تُؤدِّ أي من الهجمات الهجينة الروسية إلى كارثة بشرية واسعة النطاق، لكن مع استمرار ارتفاع مستوى المخاطرة الذي يبدو بوتين مستعداً لتحمله، ليس من الصعب تصور أن هذا الحظ قد ينفد في نهاية المطاف.
جوليان سميث هي زميلة متميزة غير مقيمة في شؤون الدفاع والأمن في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. وقد شغلت منصب الممثلة الدائمة للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بين عامي 2021 و2024، ومنصب نائب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن بين عامي 2012 و2013.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2026
