تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • حرية التعبير بين غرب «منافق» وشرق «قمعي»
  • مقالات رأي

حرية التعبير بين غرب «منافق» وشرق «قمعي»

المحرر Editor 5 يناير، 2026
د. ياسر عبد العزيز
د. ياسر عبد العزيز

في كل نقاش عن حرية التعبير، يبدو العالم كمن يرفع مرآة مكسورة أمام نفسه: يرى صورته، لكن في شظايا متناقضة. فالكلمة التي تُعد شجاعة في سياق، تصبح جريمة في سياق آخر، والموقف الذي يُكافأ أخلاقياً حين يستهدف «الآخر»، يُدان بلا رحمة إذا مسَّ «القريب». ليست المشكلة إذن في حرية التعبير بوصفها مبدأ، بل فيمن يملك حق تعريفها، وفي أي لحظة، ولأي غاية. فحرية الكلام، كما تُمارس لا كما تُعلن، ليست قيمة مطلقة، بل أداة نسبية، تُشد وتُرخى حسب الهوية، والمصلحة، وموازين القوة.

من هذا المدخل يمكن فهم كثير من التناقضات التي تبدو لأول وهلة أخلاقية أو قانونية، لكنها في جوهرها سياسية وثقافية. فحرية التعبير لا تُختبر حين تحمي الآراء الرائجة أو المقبولة، بل حين تتعلق بالخطاب الصادم، المستفز، أو حتى المكروه. وهنا، بالضبط، تسقط الأقنعة. فالمجتمعات، مثل الأفراد، تميل إلى تبجيل حرية الكلام ما دامت تعزز سردياتها، لكنها تضيق بها حين تهدد منظوماتها القيمية أو أمنها الرمزي. ومن ثم، يتحول المبدأ السامي إلى سلاح انتقائي، يُرفع في وجه الخصوم، ويُغمد عند الاقتراب من الذات.

قضية علاء عبد الفتاح تقدّم مثالاً واضحاً على هذا التناقض. فقد جرى تقديم هذا الناشط السياسي المصري البريطاني، لسنوات، من المنظور الغربي، بوصفه «أيقونة للحرية المسلوبة في مواجهة القمع». تبنته منظمات حقوقية، وضغطت عواصم غربية لإطلاق سراحه، حتى مُنح الجنسية البريطانية، في مشهد احتفالي يفيض بالمعاني الأخلاقية.

بدا الأمر كأنه انتصار خالص لحرية التعبير، وتأكيد على عالمية القيم الليبرالية. لكن هذا البناء الرمزي لم يصمد طويلاً؛ فما إن وصل الرجل، بعد إطلاق سراحه في مصر، إلى لندن، حتى بدأت طبقات أخرى من الحكاية تطفو إلى السطح… تدوينات قديمة، لغة عنيفة، تحريض مباشر، ومواقف عُدت في السياق البريطاني «معاداة للسامية»، وتحريضاً على العنف ضد البيض والبريطانيين. عندها، انقلبت الرواية؛ لم يعد علاء رمزاً، بل عبئاً. ولم تعد حرية التعبير مظلة حامية، بل سؤالاً محرجاً.

المفارقة الصارخة هنا أن الخطاب ذاته، أو ما يشبهه، لم يكن كافياً سابقاً لإسقاط صفة «سجين رأي» عنه حين كان يردده في مصر، ويستهدف به قيماً يُراد لها الحماية في البلد نفسه.

بل إن دعوات صريحة للعنف ضد مؤسسات وأفراد جرى تجاوزها أو تسويغها بوضعها في سياق «الغضب المشروع» أو «المقاومة الرمزية». أما حين لامست هذه اللغة حدود المجتمع الغربي نفسه، أو اصطدمت بمحرّماته التاريخية والأخلاقية، تغيّر الميزان فوراً. وهنا تتجلّى الازدواجية في أوضح صورها: ليست الكلمة هي المشكلة، بل اتجاهها؛ وليس العنف هو المرفوض، بل هوية من يُستهدف به.

هذه الازدواجية لا تخصّ الغرب وحده، ولا تنحصر في قضية واحدة. بل هي نمط عالمي كشفت عنه دراسات واستطلاعات للرأي أظهرت أن البشر، عبر الثقافات، يتفقون نظرياً على أهمية حرية التعبير، لكنهم يختلفون جذرياً حين تُترجم هذه الحرية إلى أمثلة ملموسة تمس الدين، والهوية، والرموز الوطنية، والمصالح بالطبع. فالتسامح مع خطاب معين في بلد ما قد يُعد انحلالاً أخلاقياً في بلد آخر، والعكس بالعكس. وما يُحمى قانونياً هنا قد يُجرَّم هناك. هذه التباينات لا تعكس فقط اختلاف القيم، بل تكشف عن حقيقة أعمق: الناس يريدون حرية التعبير لأنفسهم، وليست بالضرورة للآخرين.

من منظور فلسفي، تبدو هذه المفارقة امتداداً لصراع قديم بين المبدأ والمصلحة. فحرية التعبير، في صيغتها المثالية، تفترض إنساناً قادراً على تحمل ما يكره سماعه، وعلى الدفاع عن حق خصمه في الكلام كما يدافع عن حقه. لكن الواقع الاجتماعي والسياسي يعمل بمنطق آخر: منطق الحماية، والخوف، والذاكرة الجمعية المثقلة بالجراح. لذلك، لا تُدار حرية التعبير في الفراغ، بل داخل حقول ألغام تاريخية وثقافية. وكل مجتمع يرسم خطوطه الحمراء حيث يشعر بالتهديد الأكبر، ثم يطالب الآخرين باحترامها، حتى لو كان لا يحترم خطوطهم.

سياسياً، تتحول حرية التعبير إلى أداة ضغط وانتقاء. تُستخدم لإدانة خصوم استراتيجيين، وتُعلّق حين تفضح تناقضات الحلفاء أو الذات. أخلاقياً، يجري تكييفها بما يخدم السردية السائدة؛ فالكلمة التي تُربك الضمير الجمعي تُوصف بخطاب الكراهية، بينما الكلمة التي تُربك الآخر يُحتفى بها كجرأة وشجاعة.

وهكذا، لا تعود حرية التعبير معياراً ثابتاً، بل ساحة صراع على المعنى.

في المحصلة، لا تخبرنا قضية علاء عبد الفتاح أن الغرب منافق فحسب، ولا أن الشرق قمعي بطبعه، بل تكشف عن هشاشة الادعاء الإنساني العام بشأن حرية التعبير.

الشرق الاوسط

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: قمة فلوريدا… لبنان حاضر كأزمة لا كدولة
التالي: رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

قصص ذات صلة

osam-alisry2
  • مقالات رأي

العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
نظام-مير-محمدي،-كاتب-حقوقي-وخبير-في-الشأن-الإيراني
  • مقالات رأي

صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ترمب بعد الهزيمة الكارثية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • هل تحول أمين معلوف الروائي الى مفكر في مخاطر العصر؟
  • العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية
  • صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة
  • هل يتحكم الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ روايات عربية جديدة تناقش الظاهرة
  • ترمب بعد الهزيمة الكارثية

لربما فاتك

  • أدب وفن

هل تحول أمين معلوف الروائي الى مفكر في مخاطر العصر؟

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
osam-alisry2
  • مقالات رأي

العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
نظام-مير-محمدي،-كاتب-حقوقي-وخبير-في-الشأن-الإيراني
  • مقالات رأي

صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

هل يتحكم الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ روايات عربية جديدة تناقش الظاهرة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.