أنقرة – أعلن حزب العمال الكردستاني، الخميس، سحب ما تبقى من قواته المسلحة من داخل تركيا ومن مناطق خارجها يمكن اعتبارها قريبة من الحدود التركية، في خطوة يقول إنها تستكمل تنفيذ قراره بإنهاء الكفاح المسلح، لكنها في الوقت نفسه تكشف اتساع الفجوة بينه وبين أنقرة بشأن المرحلة التالية من مسار السلام.
وقالت قيادة الحركة، في بيان نقلته وكالة أنباء الفرات ANF المرتبطة بها، إن القوات الموجودة داخل تركيا والتي لم تكن تشكل خطراً على اندلاع مواجهات سُحبت «قبل بضعة أيام»، كما أعلنت إخلاء أربعة أنفاق ومواقع عسكرية في منطقة متينا غرب الزاب في إقليم كردستان العراق. وبررت الخطوة بالرغبة في إزالة أي ذريعة قد تستخدمها تركيا للحديث عن وجود تهديد مسلح على حدودها.
ويأتي الإعلان بعد سلسلة خطوات بدأت منذ العام الماضي، عندما دعا عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون للحزب، في فبراير 2025 إلى إلقاء السلاح وحل التنظيم، قبل أن يعلن الحزب في مايو من العام نفسه حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح. وفي أكتوبر 2025 أعلن سحب مقاتليه من الأراضي التركية، ما يعني أن إعلان الخميس يمثل، وفق رواية الحركة، استكمالاً لانسحاب بدأ بالفعل وليس بداية المسار.
لكن الرسالة الأهم في إعلان الخميس لا تتعلق بالانسحاب وحده. فقيادة الحركة تقول إن تنفيذها ما تعتبره التزاماتها يزيل العقبات أمام انتقال أنقرة إلى الجانب السياسي من العملية، ولا سيما ما يتعلق بوضع أوجلان وإقرار مزيد من التشريعات الخاصة بالحريات والاندماج السياسي.
ونقلت ANF عن القيادة قولها إنه بعد سحب القوات من تركيا والمناطق الحدودية «لم يعد هناك سبب» لتأخير الخطوات المتعلقة بأوجلان وبالتشريعات التي تعتبرها الحركة ضرورية للمرحلة المقبلة.
كما تتقاطع هذه الرسالة مع انتقادات وجهها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM إلى الحكومة التركية خلال الأيام الماضية، إذ قال قياديون فيه إن الخطوات العملية في مسار السلام ما زالت بطيئة، وإن ظروف التواصل والعمل الخاصة بأوجلان لم تشهد تغييراً جوهرياً، مطالبين بتطبيق القانون الذي أقره البرلمان والانتقال إلى إجراءات قانونية وسياسية إضافية.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية: الحركة الكردية تعتبر أن إنهاء البنية المسلحة يجب أن يقابله انتقال سياسي متزامن، بينما تربط أنقرة الخطوات القانونية اللاحقة بالتحقق أولاً من اكتمال التفكيك ونزع السلاح.
أقر البرلمان التركي في أغسطس قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي»، في أول إطار تشريعي كبير ضمن المسار الجديد. وينص القانون على اتخاذ إجراءات تتعلق بتعليق بعض التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ بعض الأحكام بعد أن تتأكد المؤسسات الأمنية من أن PKK/KCK والتشكيلات المرتبطة به أنهت وجودها الفعلي وسلمت جميع الأسلحة والذخائر التي تسيطر عليها، على أن يؤكد مجلس الأمن القومي هذا التقييم وينشر القرار في الجريدة الرسمية.
وهذا الشرط هو أحد أبرز مصادر التباين الحالي. فإعلان الحزب انسحاب قواته لا يعني تلقائياً، من وجهة نظر المؤسسات التركية، أن عملية نزع السلاح والتفكيك اكتملت بالشكل الذي يتيح الانتقال إلى بقية الإجراءات.
المشكلة تكمن أيضاً في غياب اتفاق رسمي شامل بين تركيا والحزب يمكن من خلاله قياس التزامات كل طرف بصورة متفق عليها
وفي 30 سبتمبر، أكد مجلس الأمن القومي التركي استمرار العمل لتحقيق هدفي «تركيا خالية من الإرهاب» و«منطقة خالية من الإرهاب»، مشدداً على مواصلة الجهود الأمنية في الداخل والخارج. ولم يعلن المجلس في بيانه آنذاك عن اعتبار عملية التفكيك قد اكتملت نهائياً.
وهكذا يدخل المسار مرحلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه خلال فترة وقف إطلاق النار وإعلان التخلي عن العمل المسلح. فقد كان بالإمكان التعامل مع الخطوات السابقة باعتبارها إجراءات لوقف القتال، أما الآن فقد أصبحت المسألة مرتبطة بمستقبل آلاف المقاتلين ومصير القضايا القضائية ووضع أوجلان والحقوق السياسية والثقافية.
ويقول مراقبون للمسار إن المشكلة تكمن أيضاً في غياب اتفاق رسمي شامل بين تركيا والحركة يمكن من خلاله قياس التزامات كل طرف بصورة متفق عليها، إذ يعتمد المسار حتى الآن على سلسلة من البيانات والمواقف الأحادية الصادرة عن الحكومة وأوجلان وحزب DEM والحركة الكردية.
وهذا يفسر جزئياً لماذا يمكن لخطوة ينظر إليها أحد الأطراف باعتبارها استكمالاً لتعهد أساسي أن تُقرأ من الطرف الآخر باعتبارها غير كافية قبل التحقق من تنفيذ شروط محددة.
ويحمل سحب المواقع القريبة من الحدود التركية في شمال العراق دلالة إضافية. فوجود حزب العمال الكردستاني في العراق ظل أحد أبرز أسباب التوتر بين أنقرة وبغداد، كما أن تركيا بنت خلال السنوات الماضية وجوداً عسكرياً واسعاً في شمال العراق لملاحقة الحزب.
وتأتي خطوة الحزب بالتوازي مع تفاهم تركي-عراقي بشأن نقل السيطرة تدريجياً على قاعدة باشيقا-زليكان إلى الحكومة العراقية، في مؤشر على أن ترتيبات ما بعد الصراع الكردي قد تتقاطع مع إعادة تنظيم الوجود العسكري التركي في العراق.
لكن هذا لا يعني أن الملف العراقي أُغلق. فتركيا ما زالت تركز على تفكيك ما تعتبره امتدادات للحزب في المنطقة، بينما تتداخل القضية مع وضع القوى الكردية في سورية والعراق.
وتبدو المرحلة الحالية أكثر حساسية لأن الطرفين انتقلا من سؤال: هل يتوقف القتال؟ إلى سؤال أصعب: ماذا يأتي بعد توقفه؟
بالنسبة إلى القيادة الكردية، الانسحاب الأخير يهدف إلى إزالة المبررات الأمنية أمام خطوات سياسية أوسع، وعلى رأسها وضع أوجلان وإجراءات قانونية تتعلق بالمقاتلين والحقوق والحريات.
أما أنقرة فتضع الأولوية في مكان مختلف: التأكد من اختفاء البنية المسلحة ووجود السلاح والتشكيلات المرتبطة بالحزب، ثم الانتقال إلى الإجراءات التي يتيحها القانون.
ولهذا فإن إعلان الخميس، رغم أهميته، لا يعني أن عملية السلام دخلت مرحلتها النهائية. بل يكشف أن أصعب مراحلها ربما بدأت الآن، لأن الطرفين باتا يختلفان ليس على هدف إنهاء الصراع، وإنما على ترتيب الطريق الذي يقود إلى نهايته السياسية.
وقد يحدد مدى قدرة أنقرة والحركة الكردية على تجاوز هذه الفجوة ما إذا كانت عملية بدأها الطرفان قبل نحو عامين ستتحول إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، أم تبقى سلسلة من الخطوات المنفردة التي يسهل تعطيلها عند كل استحقاق.
فالانسحاب يزيل جزءاً مهماً من المعادلة الأمنية، لكنه لا يحسم وحده مستقبل السلام. الاختبار المقبل سيكون في قدرة الطرفين على تحويل نهاية السلاح إلى ترتيبات قانونية وسياسية متفق عليها، بدلاً من أن تصبح مسألة «من يقدم الخطوة التالية أولاً» عقبة جديدة أمام التسوية.