.منى ظاهر..ضفة ثالثة
ترصد رواية “حلّاق بيكاسو” للكاتبتين النمساويّتين مونيكا تشيرنين ومِليسا مولر، – ترجمة د. معتز المغاوري، عن دار العربيّ 2025- العلاقة بين الرسّام الإسباني بابلو بيكاسو وحلّاقه وصديقه أوخينيو أرياس.
يرتكز هذا العمل السرديّ التوثيقيّ على كشف جوانب خفيّة من شخصية بيكاسو من خلال مقابلة الكاتبتين لحلّاقه والحوار معه والاستماع لذكرياته وأسراره، بعد أن أوعز لهما الفنان النمساوي متعدّد المجالات أندريه هيلر بالفكرة إثر لقائه بأرياس مصادفة في “فالوريس” عام 1999.
والحلّاق نفسه هو صديق بيكاسو ورفيقه في الغربة والمنفى، حيث التقيا في فرنسا في أواخر الأربعينيّات من القرن الماضي، في صالون حلاقته الذي يضمّ مكتبة صغيرة في بلدة “فالوريس” جنوب فرنسا، وكان يرفض أن يتقاضى أجرًا مقابل حلاقة شعره ولحيته، فكان الرسّام يكافئه بأن يهديه بعض لوحاته الفنيّة التي يرسمها بنفسه ويوقّع عليها، وقد أهداه بداية سيّارة كي يأتي لزيارته في بيته بدل تحمّل عناء المشي.
استمرّت صداقتهما حتى وفاة بيكاسو عام 1973، إذ إنّه الإسبانيّ الوحيد الذي ودّعه، وأوّل مَن وقفَ أمامه كمَن فقد أمّه، بكاه، لفّ جثمانَه بعباءة سوداء حيكت خصّيصًا له، بطلب من زوجته الثانية جاكلين، من شركة “كاسّا سيسينيا” الشّهيرة في مدريد، هذه العباءة هي رمز لإسبانيا، وكأنّ الوطن كلّه يحتضنه. يصرّح لاحقًا: “ماذا أقولُ؟ ألن يعيش إلى الأبد؟ في لوحاته وتماثيله، في المتاحف التي شُيّدت لتخليد فنّه؟ لقد كان النزاع بين أفراد أسرته على الميراث في السنوات التالية لوفاته نوعًا من الإهانة. لكنّ كل هذا انتهى. وتبقّت فقط ذكرى رجل عبقريّ، وصديق فريد من نوعه، وقدوة عظيمة” (ص 222).
أرياس نفسه وُلد في قرية “بويتراغو” شمال مدريد في عام 1905 لأب خياط، وأم راعية أغنام، أرغِم في سنّ الحادية عشرة على ترك دراسته بسبب الأحوال الاقتصاديّة الصّعبة، رغم ذكائه ونشاطه وفطنته، تدرّب عند عمه الذي كان يمتلك محلًّا للحلاقة، مدّة أربع سنوات، لينهل منه الصّنعة وحبّ القراءة والثّقافة. ومحلّه الذي أورثه إليه لاحقًا أنشأ فيه أوخينيو وهو شاب مكتبة صغيرة للاستعارة، “بعض الكتب كانت هديّة من معلّم القرية، أو من القسّ أو من الطبيب، وبعضها اشتراه أوخينيو بنفسه، وقرأ جميع الكتب. لم يطلب رسومًا مقابل الاستعارة. يجب أن يتاح التعليم للجميع، هذا ما تمنّاه أوخينيو الصغير لنفسه” (ص 94).
قرأ كتب اليسار، وأسّس إثرها أوّل مجموعة للحزب الشيوعي في بلدته في عام 1931، وتعامل مع الكثيرين من القادة العسكريين في فترة الحرب في إسبانيا، وحارب من أجل انتصار الجمهوريين، وأصيب في قدمه، ما جعله يعاني من العرج طيلة أيامه. بعد الملاحقات، هرب إلى فرنسا، وانضمّ فورًا إلى المقاومة وشارك في كلّ اجتماعاتها، وفي تولوز كُرّم كأهمّ الإسبان الذين قاتلوا النازيين. تزوّج من زميلته المقاوِمة سيمونا فرانكوال في عام 1950 وقد كان بيكاسو وجاكلين شاهدين على زواجهما، أنجبا لاحقًا ابنيهما بيير ولُويس.
يقع هذا العمل في 232 صفحة، وهو يضمّ لوحات صغيرة الحجم، تشكّل أيقونات بالحبْر الأسود لعدد من أعمال بيكاسو، في خمسة فصول، هي: مصارعة الثيران، لقاء في تولوز، الفتى والمَلِك، نسَخ الحُبّ، الحرب والسلام، في مواجهة الموت.
بين طيّات الصفحات المغايرة عمّا نُشر من مطبوعات حول بيكاسو، تتكشّف صورة الفنّان الاستثنائي الذي غيّر تاريخ الفنّ وابتكر الحركة التشكيليّة التّكعيبيّة، ليس من خلال لوحاته فحسب، بل في لحظات يوميّاته العاديّة، بعيدًا عن جدران مرسمه، وعن عبقريّة أعماله، وعن أسطورة ألوانه، إذ أنّه الإنسان خفيف الظّلّ، يمزح، ويتحدّث بشغف عن مباريات مصارعة الثيران، تعتمل في داخله التناقضات والشهوات والأوجاع:
“كان بيكاسو يقول دائمًا: ‘الناس لا تعرف ما أعاني‘، وكان على حقّ. ماذا كانوا يعرفون عن معاناته. بالنسبة إليّ، كان أسوأ شيء هو عدم السماح بعودتي إلى وطني، لا، لم تكن اللغة هي ما افتقدتُه بشدّة، ولا حتّى التقاليد والثقافة. اشتقت طبعًا طوال تلك السنوات إلى بويتراغو، فانفصالي عن أسرتي هو أسوأ ما حدث. كان بيكاسو لديه شعور مشابه. ولهذا كان بيكاسو أسرتي في الغربة وأبي الرّوحي. اعتاد أن يقول لي حينما يأتي ليأخذني إلى مصارعة الثيران: ‘تعال يا أرياس، مصارعة الثيران هي الشيء الوحيد الباقي لنا‘. هكذا هي الحياة، دائمًا ما تكون مؤلمة. لكني لم أكن قطّ مكتئبًا. لا فائدة من النظر إلى الوراء. لا يمكنك أن تبدأ شيئًا بالماضي، يمكنك أن تبدأ فقط بالمستقبل” (ص 183).
إضافة إلى أنّه كان متطرّفًا ومهووسًا ومُعْتدًّا بنفسه، يكسر كلّ ما هو مألوف من عادات وأعراف، وينتابه الخوف من التقدّم في العمر، لذلك مع مرور الوقت كان يزيد من الوقت المخصّص للرسم، “كأنّه يستطيع بهذا طرد الموت، مثلما يطرد الأرواح الشريرة” (ص 202)، كونه عانى منذ طفولته من فقدان أخته الحبيبة التي تصغره بستّ سنوات جرّاء مرض الدفتيريا، وأقسم ألّا يرسم مجدّدًا لو شفيت أخته. وعانى وهو في عمر العشرين من وفاة صديقه المقرّب كارلس كاساجيماس، وبعد أربعة عشر عامًا توفّيت مارسيل سبورت، ثاني أكبر حُبّ في حياته بعد فرناندي أوليفييه بسبب السّلّ في الغالب، ثمّ فقد ثاني أقرب صديق له، الشاعر الإسباني جويلايما أبولينيار، بعد عودته من الحرب العالميّة الأولى وهو مصاب بجرح في رأسه، وتوفّي بالإنفلونزا الإسبانيّة بعد أن ضعف جسده (ص 201).
وفوق ذلك كان كثير القلق من فقدان قدرته الجسدية عند الممارسة الحميميّة، و”يبدو أنّه كان يخشى من أنّ مَن يمتلك شَعره أو ما قصّه من أظفار أصابعه، يمكنه أن يسيطِرَ عليه… حتّى إنّه اعتبر كلّ شيء فيه، شَعره وأظفار أصابعه وملابسه مقدّسة ومتشبّعة بقوّته الإبداعيّة. لذلك كان يعتني بشعره وأظفاره ويحتفظ بما قصّه منهما دائمًا في أوراق حريريّة ملفوفة أو في عُلب صغيرة. لذلك أيضًا منَع إعطاء سراويله وقمصانه القديمة إلى المحتاجين، بل حرقها” (ص 83).
هو الذي يشيّد صداقة حقيقيّة مبنيّة على الثقة بينه وحلّاقه، إذ هما مهاجران في فرنسا، تجمعهما خلفيّة سياسيّة مشتركة، وأفكار اشتراكيّة، مناهِضة لحُكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو المدعوم من ألمانيا النازيّة وإيطاليا الفاشيّة آنذاك، وكثيرة هي مواقفهما تجاه الحرب الأهليّة والنّزاع بين الجمهوريّين والقوميّين، والثّورة والمقاومة لصالح هويّتهما، والانتماء للحزب الشّيوعيّ الإسبانيّ ولاحقًا الفرنسيّ، والمواظبة على حضور مباريات مصارعة الثيران. يحكيان في الأدب والفنّ، والحُبّ والنّساء، والثّورة والسياسة وإسبانيا، واللاجئين الإسبان في فرنسا. وبصدد الشيوعيّة في فرنسا، يؤكّد بيكاسو في أحد حواراته لصحيفة الحزب “لُومانِيتيه” (أي الإنسانيّة): “يُعدّ انضمامي إلى الحزب الشيوعي نتيجة منطقية لحياتي كلّها ولمجمل أعمالي. لم أنظر قطّ إلى الرسم كوسيلة للتسلية الخالصة وتمضية الوقت، لكني أردتُ أن أستخدم سلاحيّ؛ الرسم والألوان للتعمّق في التعرّف على العالم والبشر، لكي تحرِّرنا جميعًا تلك المعرفة يومًا بعد يوم. نعم أدرِكُ أنّني حاربتُ بلوحاتي مثل ثوْريٍّ حقيقيّ… وجدتُ وطنًا من جديد، ولم أعُد منفيًّا. وحتّى يأتي اليوم الذي سترحّب بي إسبانيا مجدّدًا، فالحزب الشيوعيّ الفرنسي قد فتح لي ذراعيه ليمنحني وطنًا” (ص 77- 78).
عبر ذاكرة أرياس وشهادته الشفويّة، وما تركه له من لوحات وتُحف وخزفيّات، يتّصل القارئ بعالم بيكاسو وسيرته الشّخصيّة، بما فيها من سُلطة وسيطرة وشُهرة، وفنّ وصور وحياة، وحكايات طفولة، وقصص غرام ونساء وشهوة، وأماكن إقامات متعدّدة… تتوهج اللوحات الستّون، والقطع المعدنيّة الأربعون المرسومة، والأعمال الخزفية العشرون، كلّها التي يتبرّع بها الحلّاق لصالح متحف بيكاسو- مجموعة أرياس الذي افتُتح في عام 1985، في مسقط رأس أرياس نفسه في قرية بويتراغو ديل لوزويا، باعتبارها شاهدًا ماديًا على هذه الصداقة الممتدّة إلى أكثر من رُبع قرن، لتتحوّل القرية الصغيرة هذه إلى مَعلم فنّي وسياحيّ في إسبانيا. كذلك يتمّ تسليط الضّوء على أرياس كشخصيّة من الشخصيّات الاستثنائيّة البارزة والمخلصة والنبيلة في حياة بيكاسو، هو عرّابه وحارس ذاكرته والذي قضى في عام 2008، يصرّح في خاتمة الكتاب التي كتبها هو بنفسه: “كم سيكون بيكاسو سعيدًا لو استطاع رؤية لوحاته في قلب إسبانيا. فقد قال لي ذات مرّة: ‘سنكون سعداء حقًّا إذا عادت لوحة غرنيكا إلى الوطن‘. لقد رأيتها في إسبانيا يا بابلو، وشعرتُ بسعادة غامرة. هذا الشّعور هو واحد من تلك المشاعر التي حَمّلتني الواجب والمسؤوليّة، وما دمتُ أتنفّس فسأحاول أن أحقّق له ما أراد” (ص227).
| بيكاسو كان متطرّفًا ومهووسًا ومُعْتدًّا بنفسه، يكسر كلّ ما هو مألوف من عادات وأعراف، وينتابه الخوف من التقدّم في العمر… |
بعد وفاة فرانكو في عام 1975، وصل أرياس إلى بلدته فقيرًا مثلما غادرها، غنيًا بتجربته النضالية وبتجربة صداقته مع بيكاسو، تحدّث عن فترة انتماء بيكاسو للحزب الشيوعي، وعن تاريخ رسم الـ”غرنيكا” التي بيّن فيها موقفه من كل النازيين في العالم، وعن مؤتمر السلام الذي دعا إليه بيكاسو، والذي كان سببًا في رسم لوحة “الحرب والسلام”. وتوقّف عند علاقة بيكاسو بأصدقائه، مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وإخلاصه لهما، وتطرّق لشغف بيكاسو الهائل بفنّه، أكثر من كلّ علاقاته، بما فيها الزوجة والأبناء. ها هو يؤكّد في إحدى ذكرياته “سألني بيكاسو ذات مرّة: أرياس، كيف تفكّر في عملك؟ قلتُ له: حين أقصّ شعر أحدهم، فإنّي دائمًا ما أنظرُ إلى الأخطاء فقط. عندها احتضنني بيكاسو تلقائيًّا وقال لي ‘أنت فنّان يا أرياس‘، هذا ما أفعله بالضبط؛ حين أنتهي من رسم لوحة دائمًا ما أنظر إلى الأخطاء” (ص 163).
وبصدد نساء بيكاسو، فإنّ علاقاته لم تدم طويلًا وفق ما تذكره المراجع وما يحكيه صديقه: “فعادة ما كان يغيّر نساءه، ويغيّر معهنّ المكان الذي يعيش فيه، ودائرة أصدقائه التي تحبّه وتقدّره، كان يتغيّر كلّ شيء حوله بداية من الشاعر الذي يُعَدّ محفّزًا له، وحتى الكلب والخدم وقائمة طعامه. تأثّر إنتاجه الفنّيّ بصفة خاصّة بتغيير نسائه: اللوحات التي رسمها بيكاسو عن النساء القريبات منه كانت تؤثّر كلّ مرّة في نمطه الفنيّ” (ص 112).
نقرأ مثلًا عن فرناندي أوليفييه؛ رفيقته في بدايات القرن العشرين في مُونْمارت في باريس، ارتبط اسمها بمرحلة التّكعيبيّة المبكرة على وجه الخصوص. أمّا إيفا غويل فكانت حبيبته في مرحلة التّكعيبيّة التركيبيّة، وكان يناديها بـ”حُلوتي”، وتوفّيت إثر مرض السرطان. في حين أنّ أولغا خوخولفا، راقصة الباليه الروسيّة، كانت زوجته الأولى، تزوّجها في عام 1918، أنجبت له ابنه باوْلو، أرْياس كان من جيل باوْلو، يكبره ببضع سنوات. ماري- تيريز فالتِر، بعمر السابعة عشرة، كانت مصدرًا مهمًا لكثير من أعماله في الثلاثينيّات من القرن الماضي، أثّرت في أسلوبه في رسم أجساد النساء، انتحرت عند وفاته، بعد أن أنجبت له ابنته مايا. أمّا دُورا مار، الفنّانة والمصوّرة الفوتوغرافيّة فقد ارتبطت به في النصف الثاني من الثلاثينيّات، وكانت حاضرة لتوثيق مراحل إنجاز لوحته “غرنيكا”. بينما فرانسواز جِيلُو، الفنّانة والكاتبة، عاشت معه وهو بعمر السبعين بضع سنوات، وكانت تصغره بأربعين عامًا، أنجبت له كْلود وبالُوما، وهي الوحيدة الّتي هجرته لتبني حياتها المستقلّة، وقد صرّحت بسرّها: “صرتُ أكبر سنَّا بجوار بيكاسو. وهو يصبح دائمًا أصغر سنًّا بجانبي، لكنّه يعتبرني أسمَن ممّا أنا عليه. تيّار الهواء قادني إلى هنا، وتيّار الهواء يأخذني بعيدًا. قرّرتُ أن أذهب كيْلا تنتهي سبع سنوات كاملة بمشاهد وخسائر مزيّفة” (ص 127). وأخيرًا كانت جاكلين روك؛ التقاها في فالورين وتزوّجها وهو بعمر الثمانين. ورغم ما قيل، في مراجع عن سيرته، بأنّه كان زير نساء ماجنًا، فإنه يخاف في الواقع من النساء، في البداية من أمّه، ثم شريكاته وعشيقاته وبنات عمّه وحتّى من الخادمات في منزله… ولذلك كان رجلًا لا يستطيع أن يقدّر علاقاته بالنساء. لا يعرف سوى الإشباع الجنسيّ المؤقّت. يغوي النساء بطريقة نرجسيّة ويأخذ منهنّ أكثر ممّا هو مستعدّ ليعطيهنّ. لا يجد غضاضة في التخلّص من النساء بعد استغلالهن (ص 118)، إلّا أنّ أرياس يلخص بقوله: “كُتب وقيل الكثير عن بيكاسو. كنتُ مقتنعًا أنّه يحبّ عشيقاته حتّى إنْ لم يعاملهنّ دائمًا بطريقة جيّدة. كانت فرانسواز شابّة وخدعته، وكانت جاكلين أيضًا شابّة، لكنّها ذات طابع مختلف” (ص 141).
في المحصّلة، “حلّاق بيكاسو” هو كتاب سردي تسجيلي يضيء مَحكيّه الوجه الآخَر لهذا الفنّان الكبيرّ عبر المجهر الإنسانيّ، بالنّظر إلى مفاهيم العيْش والتّنقّل والصداقة، والفنّ والعمل والشغف، والشهوة والحُبّ والزواج، والصّمت والحكي والمزاح، والمنفى والذاكرة والشيخوخة، وبالوقوف عند قضايا الوطن وإسبانيا والمقاوَمة، واللّجوء والهويّة وفرنسا، والإبداع والهوَس، والتّحرّر والحياة.