-
أنمار صالح….. الجمهورية .نت
-
-
-
يرى عالمُ الاجتماع كارل فيتفوغل، في نظريته المعروفة بـ«الاستبداد الهيدروليكي» أو «الاستبداد المائي»، أن التحكُّم في المياه ساهم تاريخياً في نشوء الدولة المركزية، خصوصاً في المناطق التي قامت حول الأنهار الكبرى. فحفرُ القنوات، وتجفيفُ المستنقعات، وبناءُ السدود، وتنظيمُ الريِّ، كلها مشاريع تتطلَّب جهداً جماعياً يتجاوز قدرة القبائل والمجتمعات المحلية الصغيرة.
ومع اتِّساع هذه المشاريع، ظهرت الحاجة إلى سلطة قادرة على إدارةِ آلاف العمال، وحلِّ النزاعات، وتوزيع المياه، وتوثيق الإنتاج وجمع الضرائب. ومن هنا نشأت، وفق فيتفوغل، طبقة إدارية متخصِّصة ضمّت الكتَبَة والمهندسين والمحاسبين والجباة. وفي كتابه «الاستبداد الشرقي»، ذهب أبعد من ذلك، إذ ربط بين احتكار الدولة للمياه واحتمال نشوءِ أنظمة شديدة المركزية والاستبداد.
تعرّضت نظرية فيتفُوغل، التي نُشِر كتابها عام 1957، لانتقادات واسعة بسبب تعميماتِها ونزعتها الحتمية، ولا سيما افتراض أن السيطرة على المياه تقود بالضرورة إلى الاستبداد. لكن بعد أقل من عام على نشر الكتاب، كانت منطقة أخرى من المشرق تختبر الوجه المختلف للسلطة المائية: فالدولةُ التي توسّعت في مشاريع الري والاستصلاح عجزت، في المقابل، عن حماية سكان سلمية وريفها من الجوع والقحط.
امتدت الأزمة تقريباً طوال سنوات الوحدة السورية المصرية، بين عامي (1958 و1961). وفي سلمية، حيث كان جمال عبد الناصر يحظى بشعبية واسعة أو باحترام كبير على أقلِّ تقدير، لجأ الأهالي إلى السخرية من مصابهم بقولهم: «وجه عبد الناصر كحت علينا»، أي أنه جلبَ النحس.
لم يوفّر الجوع بيتاً في المنطقة، وما من بيتٍ إلا رحل عنه فرد أو العائلة بأكملها أحياناً. وعلى مدى سنوات، بدأت موجاتٌ من السكان بالرحيل بحثاً عن العمل ومصادر العيش، في ما يُمكن قراءته بوصفه نزوحاً مبكراً مرتبطاً بالجفاف وتدهوُر الموارد المائية، أو ما يُمكن وصفه بـ«أول هجرة مناخية في تاريخ سوريا الحديث»، رغم أن ذلك يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقُّق. لكن المؤكد أن تلك الموجة لم تكن الأخيرة.
نحاول في هذا الريبورتاج تتبّع العوامل التي قادت إلى هذا الجوع والنزوح، وكيف التقت لتجعل البقاء في الأرض أصعب فأصعب.
ما قبل الكارثة
في الخمسينيات من القرن الماضي، كانت الجمهورية السورية الأولى تتنفّس عبق الاستقلال الجديد. في ريف حماة الشرقي، وتحديداً في سلمية وقُراها، كانت الدورة الزراعية تسير بإيقاعها الطبيعي. القمح والرمان وبعض أشجار الفواكه والخضروات تكفي أهل المنطقة قوتهم السنوي. كانت الأرض قادرةً على العطاء: المياه الجوفية حاضرة، والعيون والينابيع تفيض.
كانت المنطقة تتغذَّى من نظام ريٍّ يعود إلى الحقبة الرومانية، مع إضافات عربية وعثمانية لاحقة. ورِثت منطقة ريف حماة الشرقي، بحسب الرواية المحلية، نحو 360 قناةً مائيةً تعمل وفقَ مبدأ «الفقّارات»: تجرُّ المياه بفعل الجاذبية فقط، من نقاط التجمُّع في المرتفعات نحو الأراضي المنخفضة، عبر أنفاق وقنوات جوفية مُحكَمة البناء. لا مضخات، ولا وقود، ولا كهرباء. كان الماء يُوزَّع عبر نظامِ «المقاسم» أو «الوجبات»: لكلِّ عائلة حقٌّ مائي زمني محدّد، يومياً أو أسبوعياً، لا يمكن تجاوزه. هذا النظام، الذي تطوّر عبر أجيال، كان يحُول دون استنزاف أيِّ طرفٍ للخزان المشترك. وحين لا تستطيع أيُّ عائلة ضخَّ أكثر من حصتها نحو أراضيها، يبقى المنسوب الجوفي مستقراً.
كانت «قناة العاشق» المشهورة، بفروعها التي تمرُّ قرب الصبورة، تربط شرق حماة بغربها لتجرَّ المياه من سلمية وصولاً إلى أفاميا. المياهُ التي كانت تجري فيها كانت مياهاً سطحية نظيفة، لم تعرف الملوحة التي تُفرزها الآبار العميقة. والتربة التي يرويها ماءٌ كهذا تبقى صالحة للزراعة لعقود طويلة.
يوضِّح لنا الدكتور أحمد صالح، وهو من مواليد الصبورة 1943 ويحمل شهادة دكتوراه في الهندسة الزراعية، أن القنوات أيضاً كانت بحاجة إلى أعمال صيانة وتعزيل سنوية يتقاسمُها الأهالي كما يتقاسمون الماء وإلا توقفت عن العمل. يُضيف: «تعلّمت السباحة في عيون القرية التي كانت أحداها في أرضنا، أمّا اليوم، فحتى الآبار الارتوازية لم تعُد تحتوي على مياه. كان نظام القنوات بمثابة احتياطي مائي لسكان المنطقة، يضمن حداً سنوياً من المياه عادلاً للسكان وللأرض حتى في سنوات الجفاف والقحط، وبانهيارهِ أصبح الجوع والعطش، وبالتالي الهجرة، على بعد سنة جفاف أو سنتين».
كيف توقّفت القنوات الرومانية عن العمل؟
في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي بدأت تنتشر إعلانات مضخات المياه العاملة بالوقود، والقادرة على استجرار المياه الجوفية من الأعماق وبكميات كبيرة، وتزامن ذلك مع الأرباح الضخمة التي تدرُّها زراعة القطن «الذهب الأبيض»، والتي لَوّثَتْ عقول الفلاحين.
كانت الدولة تدعم زراعة القطن على المستوى الوطني، حيث أنشأت مكتب القطن بموجب المرسوم التشريعي رقم 99 لعام 1951 للإشراف والتنظيم والجودة. وبخُططٍ مدروسة وفّرت الحكومة بذاراً محسَّنةً ومكافحة مجانية للآفات، مع إتاحة قروض ميسَّرة عبر المصرف الزراعي لشراء المعدات والمضخات، والتي يمكنهم سداد ثمنها في سنتين أو سنة واحدة إنْ استبدلوا الكمية الكافية من زراعة أيِّ محصول لديهم بالقطن.
لم تكن زراعة القطن التي تستهلك أضعاف كميات المياه مجرَّد زراعة لأهالي سلمية، إنما عقدٌ ذهبي يذكُره سكان المنطقة ويروون عنه القصص، لكنهم في النهاية هم من دفع الثمن؛ فزراعة القطن جعلتهم يستبدلون المحاصيل الغذائية به ويستجرون كميات مضاعفة من المياه لسقايته عن طريق الآبار الطارئة التي حفروها وزوّدوها بمضخات الديزل، والتي تسبّبت في اختلال مستوى المياه الجوفية ممّا أدى إلى توقّف القنوات الرومانية وهجرها والتوقُّف عن تعزيلها من قبل الأهالي خلال سنوات قليلة، خصوصاً في غياب أيِّ رقابة على عملية ومكان وعمق الآبار المحفورة. ويضيف في هذا السياق الدكتور صالح: «القنوات الرومانية لا تتسامح مع هبوط المنسوب. إنها مصمَّمة لعالم تتوازن فيه الاستجرارات مع التغذية. حين جاءت المضخات وكسرت هذا التوازن، كان لذلك أثرٌ مضاعفٌ: حين توقّفت القنوات، انقطع الريُّ الذي كان يُغذي الطبقة السطحية من التربة، فازدادت هشاشة الأرض أمام موجات الجفاف، وتراجعت قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة».
بالتزامن مع ذلك..
كانت الدولة السورية الفتية تركِّز بشكل واضح على مشاريع ريِّ الأراضي واستصلاحها، خاصةً في مناطق الجزيرة السورية وحوضَي الفرات والعاصي، ولعلها كانت تحاول تحقيق «علّة وجودها» وفق نظرية «الاستبداد المائي»، ويكفي للتدليل على ذلك أن نمرَّ سريعاً على المشاريع التي أقرّها البرلمان السوري بعد الاستقلال خلال الخمسينيات: مشروع استصلاح وتجفيف سهل الغاب 1951، ومشروع ريِّ حوض نهر الخابور في الحسكة 1952، ومشروعُ ريِّ وتجفيف سهل الروج في إدلب 1952، كما جرت المصادقة على اتفاقية المعونة الفنية والاتفاق الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي لإنشاء سدِّ الفرات الكهرمائي والري 1957، وبموجبها منح البرلمان السوري إمكانية البدء الفعلي بالدراسات الجيولوجية والطبوغرافية وحفر قنوات ريِّ حوض الفرات. أخيراً تُوّج العقد بقانون الإصلاح الزراعي 1958، الذي «ملّك الأراضي لصغار الفلاحين وحررهم من السيطرة الإقطاعية».
مشاريع عملاقة ونتائج غير متوقعة
تخبرنا الأستاذة فرح الأسعد، مؤسِّسة منظمة رياديّو المناخ السوريون و«سفيرة الشرق الأوسط» لمنظمة بلوبيس التي تُعنى بالمياه في منطقتنا: «منذ سنوات ليست طويلة كان الكثير من المسؤولين وأصحاب القرار يجهلون آثار التغيّر المناخي. لم يكن من المنطقي آنذاك ربما أن نكون نحن البشر قادرين على تسخين الكوكب بالانبعاثات الكربونية التي تُطلِقها أنشطتنا المتنوعة، خصوصاً أن عملية التغيّر المناخي شمولية وتتعلق بملايين المتغيِّرات، وقبل التقدُّم التقني كان إنجاز الحسابات وبناء السيناريوهات المستقبلية شديد التعقيد. وبالطريقة نفسها كان هناك جهل بالكثير من النتائج البعيدة التي قد تؤدّي إليها المشاريع العملاقة التي كلّفتنا وستكلّفنا الكثير».
مشروع سهل الغاب: أرقام ونتائج
كما ذكرنا في السطور السابقة، في 13 كانون الثاني (يناير) 1951، أقرّ مجلس النواب السوري قانون تجفيف سهل الغاب، ضمن مقاربة رسمية ركَّزت على الاستصلاح والتنمية ومكافحة الملاريا، التي كانت تُمثّل تحدياً صحياً على مستوى الدولة. قبل تنفيذ المشروع، لم تكن هناك بحيرة منفردة تُعرف باسم «بحيرة الغاب»، بل منظومة مائية مستنقعية واسعة تتخلّلها بحيرات متصلة، أبرزها بحيرتا الحويز والقرّاط. وكانت المسطحات المائية والمستنقعات الدائمة والموسمية التي تغمُر قلب السهل تمتد على نحو 35 ألفَ هكتارٍ، أي ما يُعادل 350 كيلومتراً مربعاً، بحسب التقديرات المتاحة. ولكنها قد تصل إلى مساحات أكبر بكثير إن كانت كميات الهطول عالية، لكون مساحة البحيرة ترتبط بمنسوب نهر العاصي بشكل أساسي. وبفضل هذا الامتداد، صُنّف حوض الغاب بوصفه أكبر بحيرة ماء عذب في المشرق العربي. تشكّلت هذه المنظومة طبيعياً خلف العتبة البازلتية الصخرية عند قرية القرقور شمالي السهل، التي عملت كسدٍّ طبيعي يحجز مياه نهر العاصي وينابيعه، إلى جانب الينابيع المحلية والسيول الشتوية المنحدرة من الجبال المحيطة، ويحدّ من تصريفها السريع نحو البحر. كما جعلتها طبيعتها إحدى أهم الأراضي الرطبة في الشرق الأوسط، وملاذاً للطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا، وموطناً تاريخياً لتربية الجواميس وصيد الأسماك ونمو الغابات والقماميش (نبات القصب والبردي الكثيف الذي ينمو عمودياً في المياه الراكدة والمستنقعات).
في عام 1952، بدأت أعمال التجفيف فعلياً. حُفرت شبكة واسعة من القنوات والأنابيب، وأُقيمت السدود والسدّات لتنظيم جريان المياه، وأُحيط السهل بسواتر ترابية وقنوات تصريف. ووفقَ الرؤية الرسمية، كان المشروع يهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية، واستصلاح الأراضي، والتخلُّص من المستنقعات، ومكافحة الملاريا. وقد حقّق بعض هذه الأهداف على المدى القصير، إذ تحوَّلت مساحات واسعة إلى أراضٍ زراعية، وتراجعت الملاريا، واتَّسعت شبكة الري. لكن المشروع غيّر في الوقت نفسه نظاماً بيئياً ومائياً واسعاً، لم تُحسَب آثاره المحتملة بما يكفي. وعند اكتماله في ستينيات القرن الماضي، كان السهل قد تحوَّل إلى أراضٍ مروية مُقسّمة إلى حقول وقنوات، فيما ظهرت لاحقاً كلفة أخرى لم ترد في جداول المشروع.
يجزم الدكتور أحمد صالح بأن مشروع تجفيف سهل الغاب هو أحد العوامل الرئيسية التي تسبَّبت في الجفاف والجوع الذي حصل في قريته في نهاية الخمسينيات. وبالفعل، أشرف خلال تدريسه في كلية الهندسة الزراعية في جامعة حمص على دراسة بحثية حول تأثير تجفيف بحيرة الغاب في معدلات الهطول المطري في منطقة السلمية (محافظة حماة). تَفتَرض الدراسة أن سهل الغاب، بمسطحه المائي الضخم، كان يعمل كـ«مبخّر طبيعي» ضخم. كانت أشعة الشمس تُسخِّن الماء، فتتبخر كمياتٌ هائلةٌ منه يومياً، تتصاعَد إلى الغلاف الجوي، تُشكل سحباً، ثم تُمطر. هذه الدورة: التبخّر، التكثّف، الهطول، كانت تُغذّي مناطق واسعة من حماة وحمص وحلب والبادية السورية بالرطوبة والأمطار. حين اختفى هذا المُبخر الطبيعي، انخفضت كمية البخار المتصاعد، وبالتالي انخفضت كمية السحب، وبالتالي انخفضت معدلات الهطول.
وهدفت الدراسة في شقِّها العملي إلى مقارنة معدلات الهطول في السلمية قبل تجفيف الغاب وبعده، بالاعتماد على بيانات مطرية تمتد من عام 1946 حتى عام 2006، جُمعت من المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) ومؤسسة الآغا خان وبرنامج التنمية الريفية. وخلصت إلى «وجود فرق ذي دلالة إحصائية كبيرة بين الفترتين، وإلى انخفاض معنوي جداً (ذي دلالة إحصائية) في معدلات الهطول بعد تجفيف الغاب».
لا تجزم الدراسة بإسناد النتائج إلى سبب واحد محدَّدٍ: التغيّر المناخي الإقليمي عامل مستقل، وتراجع الغطاء النباتي عاملٌ آخر، واستنزاف المياه الجوفية عامل ثالثٌ. لكنها تُقِرّ بأن تجفيف الغاب أزال «مُلطّفاً هيدرولوجياً» أساسياً من المنظومة، وأن آثار ذلك لم تكن متوقعةً في حسابات مشروع التجفيف الأصلية.
الدكتور أحمد صالح يعرِف هذه النتائج ليس من الدراسات فقط، ولكن من ذاكرة الطفولة والمراهقة أيضاً. يتذكَّرُ كيف كانت الأرض خصبةً، والعيون تفيض، والينابيع تروي البساتين. يتذكّر كيف كانت الصبورة وما حولها «أكثر حياةً ووفرة». ثم يتذكّر كيف بدأ التراجعُ يطال كلَّ شيء.
تُضيف الأستاذة فرح الأسعد: «المشكلة أن مشاريع كبيرةً كتجفيفِ الغاب كانت تُدرَس بمعزل عن بعضها. كلُّ مشروع له دراسة جدوى خاصة، لكن لا أحد كان يدرس التفاعل بين المشاريع مجتمعةً. الغاب، وآبار سلمية، وسدود السيول، وزراعة القطن في أراضٍ غير مناسبة.. حين تجمّعت هذه العوامل، كان أثرها أكبر بكثير من أثر كلٍّ منها على حدة».
النتيجة كانت «كارثيةً» كما يصِف المختصان. في نهاية الخمسينيات، وصل الجفاف إلى ذروته، وموجةُ محاصيل صفرية جديدة أدَّت بالصبورة وأجزاء واسعة من ريف سلمية إلى ما يُشبه المجاعة. كانت الأرض قد فقدت قدرتها على العطاء، والمياه الجوفية قد شحّت، والفلاحون يواجهون خيارَين: إيجاد مصدر رزق جديد، أو الرحيل.
عين الزرقا – سلمية نزوح صامت بلا اسم: إلى أين؟ متى؟ كم؟
حصلت الهجرة كموجات من العائلات والأفراد الذين غادروا سلمية وريفها خلال سنوات القحط الثلاث (1958-1961) وما تلاها. يُقدِّر عبد الكريم الكسيبي، مديرُ الإرشادية الزراعية في سلمية لأكثر من 15 عاماً، ومنسقُ مبادرة مدرسة الخضار والزيتون، أن ما يُقارب نصف سكان المنطقة، الذين كان يُقدَّر عددهم ببضعة عشرات من الآلاف، غادروا خلال تلك الفترة. لم يكن هذا رحيلاً اختيارياً، ولم يكن «تجريباً للمدينة» أو «بحثاً عن حياةٍ أفضل». كان نزوحاً اضطرارياً، كانت الأرض قد طردت أهلها.
وجهات المغادرة كانت متعددةً:
– دمشق: لكونها العاصمة، ولاحتوائِها على فرص أكثر للعمل.
– الحسكة: وبالتحديد قرية «الزهيرية»، التي تأسَّست في معظمها من أبناء منطقة سلمية، وتلّ تمر وقرية 47.
– محيط مدينة الرقة: نزحت العائلات للعمل في الزراعة في تلك المناطق، وانتقل بعض الأهالي للعمل في ورشات بناء سد الفرات عند تشييده.
خريطة لمسار الهجرات ما يُميّز النزوح المناخي، وفقَ ما تحلِّله الأستاذة فرح الأسعد، هو طابعه التدريجي والصامت. هجرةُ الحروب تحدُث في الصحف وعلى الحواجز. هذا النزوحُ جرى على مدى سنوات، أسرةٌ تحزِم الحقائب وأخرى تتبعها، من دون إعلان ولا توثيق. «حين تنقطع شروط البقاء الاقتصادي، لا يُعلن الناس أنهم يفرّون من الجفاف. يقولون: ذهبنا نبحث عن فرصة». الفارق بين الروايتين ليس لغوياً فحسب؛ هو الذي يجعل هذا النوع من النزوح يغيب عن السجلات الرسمية ويظلُّ، في أحوال كثيرة، غير مُعترَف به إدارياً وسياسياً، خصوصاً أوان حدوثه.
الأستاذ ناصر هاشم عيد، الحاصل على ماجستير في هندسة الري والصرف، ولديه خبرة أكثر من عشر سنوات في العمل على مشاريع المياه والري والصرف مع عدة منظمات دولية، يربط بين تلك الموجة الأولى والتحوُّلات الاجتماعية التي تلتها في المدن المستقبِلة: «حين يصل إلى هامش المدينة آلاف الأسر التي كانت تزرع الأرض، لا يأتون بلا شيء ولا يأتون بكل شيء. يأتون بخبرة لا يحتاجها أحد في المدينة، وبحاجة اقتصادية يصعُب استيعابها دفعةً واحدةً. هذا جزءٌ من قصة توسّع العشوائيات في حمص ودمشق، خصوصاً في تلك العقود».
ناصر هاشم عيد الوضع الراهن
اليوم، في عام 2026، لم تتحسّن الأمور أبداً بعد ذلك الجفاف. يعرِض الدكتور أحمد صالح أراضيه «الزراعية» في الصبورة للبيع بمبالغ زهيدة. لم يزرعها هو أو أقرباؤه منذ أعوام، إذ انتقل وإخوته مع عائلاتهم إلى مدينة حمص. ليس لأنهم أرادوا المدينة، بل لأن «الريف لم يعد يستطيع احتضانهم» كما يقول.
في الواقع اليومي، صار الحصول على الماء معركةً صغيرةً. في بعض مناطق سلمية، لا تصل مياه الشرب إلا كل عشرة أيام ولمدة لا تتجاوز 20 دقيقة. في المدينة، قد تأتي المياه ساعة كل خمسة أيام. يضطر السكان إلى التعبئة في فترات الوصل القصيرة، ثم الاعتماد على الشراء أو على حلول فردية.
الآبار العميقة تُكلِّف ثمناً باهظاً. بحسب الأستاذ عيد، كان عدد الآبار المرصودة في سلمية يُقارب 7.000 بئرٍ عام 2003، ثم ارتفع إلى 10 آلاف، وفي بدايات الثورة السورية عام 2011 رُصد حفر نحو 20 ألفَ بئرٍ خلال عامين فقط. كل هذا الإجهاد المائي قد حصل في حوضٍ جوفيٍّ كان قد استُنزف أساساً منذ عقود.
الزراعة البعلية اليوم شبه معدومة، ونسبة مَن يعملون بالزراعة وحدها كمصدر رزق أساسي لا تتجاوز 30 بالمئة من عدد السكان. جزء كبير من السكان باتوا تحت خط الفقر، والمردود في بعض المناطق لم يتجاوز عشرات الدونمات في كامل المنطقة. الأرض التي كانت تُطعِم الأجيال، صارت تحتاج إلى إنفاقٍ مستمرٍ فقط كي يبقى صاحبها قادراً على البقاء فيها.
يقول السيد عبد الكريم الكسيبي، من سكان المنطقة: «إن نقل 25 برميلَ ماءٍ قد يُكلّف نحو 150 ألف ليرة، وهو مبلغ لا يكفي لِريِّ أكثر من 30 إلى 40 متراً مربعاً. شراءُ المياه للسقايةِ أصبح غير مجدٍ اقتصادياً». ويُضيف: «الزراعة، التي كانت مصدر قوةٍ، تحوّلت إلى عبءٍ».
عام 2025، كان مميزاً بالجفاف، حتى إنّ مياه الهطولات كانت بتوزيع غير مجدٍ، مما أدى إلى ناتج زراعي معدوم تقريباً، وانخفاضٍ كبيرٍ في ناتج الزراعة المروية. المُزارع والغنَّام في المنطقة يُعانيان من خسائر مادية كبيرة، وعددٌ من السكان الذين لم يترُكوا المنطقة قاموا ببيع الأراضي والانتقال للعمل في مهنة أخرى.
عبد الكريم الكسيبي ماذا نفعل؟
بعد عقودٍ من الخسارة، لا تبدو الحلول الجزئية كافيةً لمعالجة أزمة المياه في سلمية وفي عموم سوريا. فالحفرُ الأعمق من دون ضوابط، وتوسيع الاستجرار من دون حماية الحوض، والاعتماد المفرِط على مصادر غير محلية، قد تؤجل الأزمة من دون حلّها. المطلوب إدارةٌ شاملةٌ للمياه باعتبارها قضيةَ بقاء اجتماعي، لا مجرد ملفٍّ خدميٍ. يطرح السيد عبد الكريم الكسيبي فكرة «الحفر الجماعي» بدعم وتنظيم من الدولة حلاً للجفاف في سلمية، بما يضمن «نظاماً مائياً مستداماً وإدارة عادلة ومستقرة للموارد».
كما تدعو الأستاذة الأسعد إلى الاعتراف بالهجرة المناخية مصطلحاً وواقعاً، معتبرةً أن ما حدث في سلمية خلال خمسينيات القرن الماضي لم يكن «هجرة اقتصادية» تقليدية، بل نزوحاً نتجَ عن اختلال العلاقة بين الإنسان ومورد حياته الأساسي. ومن شأن هذا التوصيف نقلُ التركيز من أعراض الأزمة، كالبطالة والفقر، إلى أسبابها، وفي مقدمتها انهيار البيئة.
ولا تعني إعادةُ التوازن إعادةَ سهل الغاب إلى ما كان عليه تماماً، بل إعادة تقييم كل مشروعٍ مائيٍ كبير وفق أثره في الرطوبة والمياه الجوفية والقرى المحيطة والمزارعين، فلا يكفي احتساب مساحات الأراضي المُستصلَحة. يقترح الأستاذ عيد استعادة جزءٍ من منظومات حصاد مياه الأمطار والسيول التي كانت قائمة قبل الخمسينيات، لكن بأدوات تقنية أكثر تطوراً، موضحاً: «الحكمة في هذه الفكرة ليست العودة إلى الماضي، بل الاستعانة بمنطق كان فعّالاً في التعامل مع شحِّ المياه، وتحديثه بأدوات اليوم».
في الصبورة، لا تزال آثارُ القنوات القديمة مرئيّةً تحت التراب. أمّا الماء الذي كان يصل إلى الحقول بالجاذبية، فقد صار يُنقل بالصهاريج، وبكلفةٍ لا يستطيع معظم المزارعين تحمّلها. وبين القناة المهجورة والبئر الأعمق، تبدو قصة سلمية أقلّ شبهاً بكارثة مفاجِئة، وأكثر شبهاً بقرارٍ طويل اتُّخذ على مراحل.
-