
لم يكن دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الانتخابات الإسرائيلية، وإعلانه دعم بنيامين نتنياهو لولاية جديدة، وليدَ مصادفة في التوقيت؛ فترامب نفسه قال إنه اختار الوقت المناسب لإعلان موقفه.
وجاء إعلان الرئيس الأميركي دعم نتنياهو في انتخابات الكنيست، عبر بيان مطوّل نشره على صفحته قبل تسعة أيام من موعد الاقتراع، رغم امتناع ترامب أربع مرات خلال الأسابيع الأخيرة عن الإجابة عن أسئلة وُجّهت إليه بشأن دعمه لنتنياهو، قبل أن يقرر أن هذا هو “التوقيت المناسب” لإعلان موقفه.
وبصرف النظر عن دوافع اختيار الموعد، فإن الخطوة تخرق نهجاً درج عليه رؤساء أميركيون سابقون، تجنّبوا إعلان دعم علني لأي طرف سياسي إسرائيلي خلال الانتخابات، تفادياً للظهور بمظهر المتدخل في الشأن الداخلي الإسرائيلي. أما ترامب، فيبدو أنه لا يرى في هذه القاعدة ما يلزمه، كما في محطات كثيرة من علاقته بإسرائيل.
التوقيت منسّق.. بأكثر من دافع
وتباينت القراءات الإعلامية والسياسية في إسرائيل بشأن دلالات توقيت بيان ترامب ومضمونه. فمحرر الشؤون السياسية في إذاعة “مكان” العبرية شمعون آران، أشار إلى معطيات لا تستبعد فرضية التنسيق بين ترامب ونتنياهو لموعد إعلان الدعم، مرجّحاً أن يكون اختيار التوقيت مرتبطاً بالرغبة في تعظيم تأثيره في مزاج الناخب الإسرائيلي قبل فترة وجيزة من الاقتراع.
في المقابل، أشارت الإذاعة العبرية العامة إلى أن دعم ترامب جاء في وقت تتحدث فيه أروقة نتنياهو الداخلية عن قلقه من الانتخابات، وسط استطلاعات رأي تُظهر تارة تقدّم معسكر المعارضة بمقعد واحد، وتارة أخرى منافسة محتدمة بين المعسكرين. وبموجب هذه القراءة، شكّل القلق من نتائج الاقتراع دافعاً إضافياً لإعلان ترامب دعمه لنتنياهو.
ورأى محللون وصحافيون محسوبون على المعارضة، أن إعلان الرئيس الأميركي يعكس توظيف كل الأوراق لمحاولة منع خسارة نتنياهو، معتبرين أن البيان يمثل تدخلاً أميركياً لدعم بقاء حكمه. في حين رأى آخرون أن الموقف يمثّل رد فعل من ترامب على رفض زعيم حزب “يشار” غادي آيزنكوت، مطالب أميركية طُرحت خلف الكواليس، تدعوه إلى المشاركة في حكومة وحدة مع نتنياهو بعد الانتخابات.
محاولات المعارضة لتقليل الضرر
ويبدو أن المعارضة الإسرائيلية استشعرت مسبقاً احتمال تدخل واشنطن للتأثير في انتخابات الكنيست، وهو ما عكسته رسائل بعثت بها إلى البيت الأبيض في وقت سابق، طالبته فيها بالتزام الحياد وعدم التدخل في الانتخابات، وسط مخاوف خصوم نتنياهو من أن يمنحه دعم الرئيس الأميركي دفعة سياسية وانتخابية يوم الاقتراع.
وفيما تبرز تساؤلات بشأن مدى انعكاس إعلان ترامب على خيارات الناخبين يوم التصويت، يحاول معسكر المعارضة التقليل من تداعيات البيان المنحاز لنتنياهو، عبر تقديمه دليلاً على ضعف الأخير وخضوعه لتأثير الرئيس الأميركي. وفي هذا السياق، أطلقت مصادر من المعارضة تصريحات عدّت إعلان الدعم “تعويضاً سياسياً” لنتنياهو بعد رفضه شن هجوم استباقي على إيران. ومع ذلك، اتفقت أحزاب المعارضة على تجنّب التصريحات التي قد توتر العلاقة مع رجل البيت الأبيض.
إدارة ترامب منقسمة بشأن نتنياهو
لكن محاولات المعارضة الإسرائيلية التقليل من أثر بيان ترامب لا تحجب تباين المواقف داخل الإدارة الأميركية نفسها بشأن بقاء نتنياهو في الحكم. إذ تشير تقارير وإفادات عبرية إلى وجود تيار يتقدمه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، يتحفّظ على استمرار نتنياهو في السلطة، ويرى أن تغيير القيادة في إسرائيل قد يخدم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط بصورة أفضل. غير أن ترامب مضى في إعلان دعمه لنتنياهو، متجاوزاً تحفظات هذا التيار.
في المقابل، ضغط تيار آخر داخل الإدارة الأميركية باتجاه تقديم دعم علني لنتنياهو، باعتباره الأكثر انسجاماً مع رؤية أميركا سياسياً وعسكرياً للمنطقة، رغم التباينات بينهما في ملفات متعددة. كما ينطلق هذا التوجه من إمكانية التعويل على نتنياهو في مواصلة التصعيد واستكمال ما تعتبره واشنطن مهمتها في إيران والمنطقة، لا سيما إذا أسفرت الانتخابات النصفية الأميركية المرتقبة في أوائل الشهر المقبل عن نتائج تقيّد هامش حركة ترامب وقدرته على اتخاذ قرار الحرب.
وبرز هذا البعد في عبارة لافتة وردت في بيان ترامب، وجّه فيها حديثه إلى الجمهور الإسرائيلي قائلاً: “إذا انتُخب رئيس وزراء آخر لإسرائيل، فستضطر أميركا إلى إنجاز المهمة بنفسها، وأنا لا أميل إلى القيام بذلك”.
وبين التيارين، حسم ترامب قراره بدعم نتنياهو علناً، ربما تعبيراً أيضاً عن رغبته الدائمة في بسط سطوة اليمين على الحكم في الدول الحليفة والعالم الغربي، إلى جانب مخاوف في البيت الأبيض، كشفت عنها تسريبات في تل أبيب، من أن تؤثر خسارة اليمين الإسرائيلي سلباً على الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية التي تجري بعد أيام قليلة من انتخابات الكنيست، وكأن اليمينين الأميركي والإسرائيلي في خندق انتخابي واحد!
نتنياهو يستخدم ورقة إيران.. لبقاء حكمه
بموازاة ذلك، صعّد نتنياهو تصريحاته بشأن التهديدات الأمنية، واضعاً إيران في صدارتها.. لكن أقلاماً عبرية أكدت أن هذه التصريحات لا تعكس مستجداً أمنياً بقدر ارتباطها بالعدّ التنازلي للانتخابات. ووصف محرر الشؤون السياسية في إذاعة “مكان” العبرية، حديث نتنياهو عن استعداد تل أبيب لضرب طهران استباقياً من دون أميركا، بأنه “غير واقعي”، مستذكراً التنسيق “الوطيد” بين واشنطن وتل أبيب خلال الحرب على إيران، كما أكد أن التوجه لضرب إيران بشكل أحادي، لم يحظَ بمصادقة الكابينت.
من جهة ثانية، يحاول نتنياهو تحسين شعبيته عبر تصعيد ادعاءاته بشأن “المخاطر الأمنية” من إيران وجبهات أخرى. وفي هذا السياق، رصدت “المدن” مداخلة إذاعية للمراسل العسكري لهيئة البث العبرية، قال فيها إنه رغم حشد القوات العسكرية على مختلف الجبهات ورفع مستوى التأهب مع اقتراب الانتخابات، فإن التقديرات الاستخباراتية لم تتغير، ولم ترد إنذارات طارئة بشأن عمليات وشيكة مخطط لها. لكنه ربط ارتفاع التأهب بحساسية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تجاه مختلف التطورات عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأشار المراسل العسكري إلى “علامات استفهام خطيرة” بشأن مدى قدرة القيادة العسكرية على منع نتنياهو من افتعال تصعيد متعمّد للتأثير في الانتخابات.