
درويش خليفة. المدن
إذا صحّ هذا الطرح، فنحن أمام مشهد جيوسياسي واستراتيجي بالغ الأهمية، ليس فقط على مستوى الحرب في اليمن، وإنما أيضاً على مستوى إعادة صياغة توازنات المنطقة، في ظل التصعيد الإقليمي والمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استحقاقات سياسية مهمة تنتظر المنطقة.
ففي إسرائيل تقترب الانتخابات التشريعية، فيما تدخل الولايات المتحدة مرحلة الانتخابات النصفية للكونغرس. ومن لحظة إعلان نتائج الانتخابات وحتى بداية الدورة الجديدة للكونغرس، قد تتوافر أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب مساحة أوسع لاتخاذ قرارات حاسمة تجاه الملفات الإقليمية، ولا سيما في المناطق التي ما تزال تشهد جبهات مفتوحة.
معضلة القرار العسكري
لكن المعضلة الحقيقية بالنسبة إلى سوريا لا تكمن فقط في طبيعة القرار الأميركي أو المصالح الأميركية في المنطقة، وإنما في الطرف الذي سيُطلب منه تنفيذ هذا الدور العسكري.
فهل تستطيع سوريا إرسال قوات لم تتدرب على طبيعة الجغرافيا اليمنية، ولا تملك خبرة كافية في التعامل مع بيئة قتالية مختلفة، فضلاً عن منظومات تسليح غربية تستخدمها القوات السعودية والقوات اليمنية الشرعية؟
وفي المقابل، هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو طبيعة العلاقة التي نشأت بين المملكة العربية السعودية وسوريا الجديدة. فقد لعب ولي العهد السعودي دوراً مهماً في دعم السلطة السورية الجديدة، وكان من أبرز الأطراف التي ساهمت في فتح الطريق أمام إعادة دمج سوريا في البيئة الإقليمية والدولية، وصولاً إلى رفع العقوبات عنها وتهيئة الظروف أمام الاقتصاد السوري لاستعادة أنفاسه والبدء في استقطاب الاستثمارات.
ومن هنا تبرز معضلة “رد الدين”. فهل تستطيع سوريا، في ظل ظروفها الاقتصادية والأمنية الهشة، أن تستجيب لطلب سعودي بهذا الحجم؟ وهل يمكن اعتبار إرسال آلاف المقاتلين إلى جبهة خارج الحدود خطوة محسوبة، أم مغامرة قد تدفع البلاد ثمنها سياسياً وأمنياً واقتصادياً؟
حسابات الداخل
هناك أيضاً معضلة داخلية تتعلق بطبيعة القوات التي يمكن أن تشارك في مثل هذه المهمة. فإذا كان المقصود إشراك تشكيلات تضم مقاتلين أجانب أو عناصر ذات خلفية سلفية جهادية، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيداً: هل ستقبل هذه العناصر بالقتال في اليمن إلى جانب القوات الشرعية، وضد جماعة تنتمي في النهاية إلى البيئة الإسلامية نفسها، بصرف النظر عن الخلاف المذهبي والسياسي؟
وهذا يقود إلى سؤال آخر أكثر حساسية: هل دخول سوريا في حرب خارج حدودها يتوافق أصلاً مع أولويات المرحلة الانتقالية؟ وهل من الحكمة أن تخوض السلطة الجديدة مغامرة عسكرية خارجية في وقت لم تستكمل فيه بعد بناء مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة قواتها المسلحة، وتحقيق الاستقرار الداخلي؟
سوريا سبق أن واجهت ضغوطاً إقليمية ودولية مرتبطة بالتدخلات العسكرية خارج حدودها. واليوم تجد نفسها أمام اختبار مختلف، لكنه لا يقل خطورة.
تركيا ومخاطر التصعيد الإقليمي
كما أن الموقف التركي لا يمكن تجاهله. فتركيا، باعتبارها أحد أهم الحلفاء الإقليميين لسوريا الجديدة، قد لا تكون راغبة في انخراط دمشق في مغامرة عسكرية خارجية، خصوصاً إذا كان ذلك قد يفتح الباب أمام رد فعل إيراني يستهدف السلطة السورية أو الأراضي السورية.
وفي هذه الحالة، قد تجد دمشق نفسها تحت مرمى نيران أكثر من طرف، سواء إسرائيل أو إيران، بما يهدد بإعادة إدخال سوريا في دائرة الصراع الإقليمي، في وقت تحاول فيه الخروج منها.
وأي تصعيد من هذا النوع ستكون له انعكاسات مباشرة على حياة السوريين واقتصادهم. فسوريا أصلاً تعاني من هشاشة اقتصادية شديدة، فيما تتأثر المنطقة بأكملها بالاضطرابات في الممرات والمضائق المائية، وبالتوترات الأمنية التي تضغط على حركة التجارة والطاقة والاستثمار.
لذلك، فإن المسألة بالنسبة إلى دمشق ليست مجرد استجابة لطلب حليف إقليمي، وإنما قرار استراتيجي قد يعيد رسم موقع سوريا في الصراع الإقليمي لسنوات مقبلة.
ومن هنا أعتقد أن مثل هذا القرار، إذا كان مطروحاً فعلاً، يحتاج إلى نقاش مؤسساتي واسع، وربما إلى عرضه على مجلس الشعب، بحيث لا يتحمل الرئيس أحمد الشرع وحده تبعات قرار بهذا الحجم، بل يتحمل ممثلو الشعب مسؤولية مناقشته واتخاذ الموقف منه.
أما الخيار الآخر الذي قد يكون مطروحاً، فهو أن تتولى دول أخرى، وفي مقدمتها تركيا، أدواراً دفاعية في إطار تفاهماتها مع السعودية وباكستان، بما في ذلك حماية المنشآت الحيوية السعودية، وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري، من دون دفع سوريا إلى الانخراط المباشر في الحرب اليمنية.
وفي المقابل، يمكن أن يتركز الدور العسكري في دعم القوات اليمنية الشرعية وحماية الممرات البحرية والمناطق الساحلية، بما يحد من قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة الدولية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
في المحصلة، تبدو السلطات السورية أمام خيارات شديدة الصعوبة. فهي من جهة أمام علاقة استراتيجية مع السعودية ودعم إقليمي لا تستطيع تجاهله، ومن جهة أخرى أمام دولة ما تزال في طور إعادة بناء مؤسساتها وجيشها واقتصادها، ولا تحتمل الانخراط في حرب جديدة خارج حدودها.
ولهذا، فإن أي قرار بإرسال قوات سورية إلى اليمن يجب ألا يُنظر إليه باعتباره “ردّ دين” لحليف، بل باعتباره قراراً سيادياً واستراتيجياً قد تكون له كلفة طويلة الأمد على الدولة السورية وموقعها في المنطقة.
باختصار: دمشق أمام اختبار حقيقي، وأحلى الخيارات فيه قد يكون مُرّاً.