ساطع نورالدين… كاتب وباحث لبناني
المدينة التي تضج بالحياة، بعدما عاد أهلها جميعاً، ممن كانوا من المقيمين فيها صيف شتاء، تبدو وكأنها تتمرد على الحرب وتتحداها. لم ترفع ركام ابنيتها المدمرة، ولم تُبدل زجاج نوافذها، ولا سدّت حُفر القصف في شوارعها. لم تنقطع يوماً عن السباحة في البحر، وكأنها بذلك تمارس أقدم طقوس البقاء على هذه البقعة الضيقة من التاريخ.. التي ترتج بين الحين والآخر بدويِّ الغارات على بلدة المنصوري القريبة.
لم يكن النقاش مسجلاً أو منقولاً على الهواء مباشرة، لكنه يستحق التوثيق، تحت ذلك العنوان الذي إختاره “منتدى صور الثقافي”، المحافظ على عراقته وعلى توقه للخلاص، على الرغم من أن “لبنان في المتاهة، فهل من نهاية للحرب؟ هل من فرصة للتفاوض”. ومن هنا تبدأ سيرة غير متداولة كثيراً، عن أن “حزب الله” لم يذهب الى الحرب بكليّته، بل شاء من حرب الاسناد الأولى أن يلمّح الى أنه تفاهم مع إيران على أنه لن ينخرط في حرب “حماس” وبقيادة يحيى السنوار، لكنه يساندها من بعيد، وبأضعف الايمان. وظل لأشهر على هذه الحال، يخطىء في إستفزاز إسرائيل، وفي تفسير موقفه للداخل اللبناني، الذي سبقه في التحذير من المخاطرة الكارثية..حتى وقعت الواقعة وتوجهت حملة الإبادة الإسرائيلية لقطاع غزة، نحو تصفية وجود الحزب والطائفة الشيعية وتوسيع حدود إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية بعمق يزيد عن عشرة كيلومترات.
أما قصة الصواريخ الستة التي أطلقها الحزب على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، فهي تشبه الردود المتواضعة للحزب على إغتيال أمينه العام حسن نصر الله، أو على إغتيال 3400 مسؤول من كوادره.. بينما كان يُتوقع ان يطلق الحزب بعد كل واحد من هذه الاغتيالات المروعة، ستمائة إن لم يكن ستة آلاف صاروخ، او حتى ستين ألفاً.. إذا كان المخزون منها يتجاوز، كما شاع دائماً، مئات آلاف الصواريخ!!
وعليه يصبح الاستنتاج منطقياً بأن الحزب فقَد الأسلحة التي تؤهله لخوض أي مواجهة مع إسرائيل، أيا كان ميدانها.. وما عليه الآن سوى ان يستجيب للنداء (الذي يروجه كاتب هذا النص) بان يختفي ويعلن صراحة أنه لم يعد لديه تنظيم عسكري، حتى ولو كان يكذب او يمكر..علّ في ذلك ما يوقف عملية التصفية الإسرائيلية لمنطقة جبل عامل وأهلها، وما يفيد المفاوض اللبناني في توسله المتكرر لجر إسرائيل الى قاعة التفاوض، على أمل ان يخرج منها الاتفاق على بناء جدار إسمنتي مرتفع على الحدود الجنوبية يفصل بين الدولتين والجيشين والشعبين..
المفاوضات ما زالت منشودة من لبنان منبوذة من إسرائيل. ونتائجها غير مضمونة. لكن أهم ما فيها حتى الآن، أنها ما زالت محصورة بالجانب العسكري، ولا دليل حتى الآن على أن العدو يود أن يكرر تجربة غزو العام 1982، عندما أرسل نصف جيشه الى لبنان تحت عنوان تغيير النظام اللبناني وتشكيل نظام بديل! وهي قراءة لا يمكن دحضها في هذه المرحلة من الحرب، التي ليس في الأفق ما يرجح نهايتها قريباً أو يضمن عودة الأرض اللبنانية المحتلة الى الوطن.
السؤال عن مصير القرى الجنوبية المسيحية، يفتح الباب داخل المنتدى، عما يمثله صمود سكان تلك القرى ومقاومتهم للاحتلال ورفضهم المس بهوية الأرض ووطنيتها اللبنانية التي لا جدال فيها، لكنه لا يوقف الهمس الذي يتسلل الآن داخل المدن والقرى الشيعية خاصة حول السلام والتطبيع مع العدو، وما إذا كان هذا الثمن المرتفع لازماً أو كافياً لاسترداد بنت جبيل او الخيام او غيرها.
سلوك إسرائيل الحالي لا يوحي بأنها تريد السلام او حتى التفاوض السياسي. لكن الحرب لم تنته، وأصعب ما فيها أن أحداً لا يعرف متى وكيف تنتهي.
(مقتطفات من ندوة نظّمها منتدى صور الثقافي)
بيروت في 3 / 10 / 2026