يحمل إعلان دمشق توقيف مجموعة تتّهمها بالارتباط بـ”الحزب” في حوض اليرموك رسالة مزدوجة. فهي تقول لإسرائيل إنّها قادرة على ضبط حدودها، وتؤكّد لـ”الحزب” أنّ الأراضي السوريّة لن تبقى متاحة لعمليّات خارج قرار الدولة. وبين نفي “الحزب” وما يوحي به بيان “أولي البأس” من تبنٍّ ضمنيّ للمعتقلين، يظهر خلاف على من يملك قرار التصعيد في الجنوب السوريّ. أمّا اختبار دمشق الأصعب فهو أن يتحوّل ضبط الحدود إلى حماية للأرض والسكّان من الاعتداءات الإسرائيليّة.
يوم الثلاثاء 29 أيلول، أعلنت قوى الأمن الداخليّ تنفيذ عمليّة مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامّة انتهت بتوقيف ثلاثة أشخاص اتّهمتهم بالانتماء إلى خليّة تابعة لـ”الحزب”، وتفكيك منصّات صاروخيّة في حوض اليرموك بريف درعا الغربيّ. وبحسب مصادر خاصّة، ينحدر الموقوفون من داعل وعين دكر في محافظة درعا. وتقول المصادر نفسها إنّ المداهمة والاعتقالات جرت يوم الجمعة في 25 أيلول المنصرم، وإنّ الإعلان تأخّر حتّى انتهاء التحقيقات الأوّليّة.
اكتفى الإعلان الرسميّ بالأحرف الأولى لأسماء الموقوفين، ولم يوضح طبيعة ارتباطهم بـ”الحزب” أو الأهداف التي كانت الصواريخ ستُوجَّه إليها. وهذه تفاصيل ضروريّة لإثبات الاتّهام. لكنّ نشر الخبر وتسمية “الحزب” يؤدّيان أيضاً وظيفة سياسيّة تتمثّل في إظهار قدرة الأجهزة السوريّة على اكتشاف نشاط مسلّح في منطقة حدوديّة حسّاسة، والتحرّك لمنعه قبل أن يفرض على الدولة تبعاته.
لمن الرّسالة؟
يمنح موقع حوض اليرموك الإعلان ثقله. فالمنطقة القريبة من الحدود الأردنيّة والجولان السوريّ المحتلّ تجعل تجهيز منصّات صاروخيّة مسألة تتجاوز الأمن المحلّيّ. ويمكن لتحرّك مجموعة صغيرة فيها أن يضع سوريا أمام مواجهة لم تختَرها، وأن يعرّض السكّان لضربات لا تستطيع المجموعة منعها أو تحمّل تبعاتها.
من هنا يمكن فهم الإعلان بوصفه رسالة إلى إسرائيل بأنّ دمشق تعمل على منع استخدام أراضيها لفتح جبهة خارج قرارها، وأنّ مؤسّساتها قادرة على تولّي هذه المهمّة. ويعزّز هذا التفسير تكرار إعلانات تفكيك خلايا تتّهمها السلطات بالارتباط بـ”الحزب”، بما فيها إعلانات سابقة عن ضبط صواريخ وقواعد إطلاق. فالتكرار يقدّم الملاحقات باعتبارها سياسة مستمرّة تتجاوز التعامل مع حادثة منفردة.
لم يحدّد البيان أهداف الصواريخ، ولذلك لا يمكن الجزم بأنّها كانت موجّهة إلى إسرائيل. لكنّ الرسالة السياسيّة للإعلان تبدو أوسع من تفاصيل العمليّة، إذ تريد دمشق منع أيّ مجموعة من جرّها إلى مواجهة خارج قرارها. ولا يعني ذلك تعهّداً سوريّاً مفتوحاً بضمان أمن إسرائيل، وإنّما تأكيد حقّ الدولة في تحديد كيفيّة التعامل مع الاعتداءات على أراضيها.
تستطيع دمشق استخدام هذه العمليّات لمواجهة المبرّرات الأمنيّة الإسرائيليّة. فإذا كانت أجهزتها تلاحق الشبكات المسلّحة وتفكّك قدراتها، فإنّها تضعف حجّة أنّ التدخّل الإسرائيليّ ضرورة لمنع الهجمات. غير أنّ هذا لا يضمن استجابة إسرائيل، التي قد تستخدم الإعلان نفسه عن وجود خلايا لتأكيد استمرار الخطر. لذلك يبقى نجاح العمليّة الأمنيّة مختلفاً عن القدرة على توظيفها لوقف التوغّلات والاعتداءات.
نفي “الحزب” والتّبنّي الضّمنيّ لـ”أولي البأس”
جاء ردّ “الحزب” يوم الأربعاء 30 أيلول لينفي علاقته بالخليّة وأيّ وجود أو نشاط أمنيّ وعسكريّ له داخل سوريا. ودعا السلطات إلى التحقّق من خلفيّات الاتّهامات، معتبراً إسرائيل المستفيد من توتير العلاقة السوريّة–اللبنانيّة.
ينقل هذا الردّ النقاش من مسؤوليّة “الحزب” إلى العلاقة بين دولتين. ويمكن فهمه بوصفه محاولة لمنع تحوّل الملفّ الأمنيّ إلى مصدر ضغط سياسيّ إضافيّ عليه. لكنّ العلاقة بين سوريا ولبنان لا تُختزل في علاقة دمشق بـ”الحزب”، كما أنّ استفادة إسرائيل من التوتّر لا تجيب عن الأسئلة المتعلّقة بهويّة الموقوفين وصلاتهم ومصدر سلاحهم.
يمنح موقع حوض اليرموك الإعلان ثقله. فالمنطقة القريبة من الحدود الأردنيّة والجولان السوريّ المحتلّ تجعل تجهيز منصّات صاروخيّة مسألة تتجاوز الأمن المحلّيّ
في المقابل، يوحي بيان “جبهة المقاومة الإسلاميّة في سورية ـ أولي البأس” بتبنٍّ غير رسميّ للموقوفين، كونه دافع عنهم بوصفهم “مقاومين من أبناء الأرض”، وتعهّد “بالوفاء لهم”، ولوّح “بمواجهة ملاحقتهم”. ورغم أنّه لا يسمّي الموقوفين الثلاثة في النصّ المتاح، فإنّ لغته تفتح احتمال انتمائهم إلى الجبهة. وهذا لا يحسم طبيعة صلتهم بـ”الحزب”، إن وُجدت.
الأهمّ سياسيّاً أنّ “الجبهة” تصف الاعتقالات بأنّها تقديم “أوراق اعتماد” لإسرائيل. فهي تقرأ الملاحقات باعتبارها رسالة تطمين على الحدود، وتستخدم هذه القراءة لاتّهام دمشق بالتخلّي عن “المقاومة”. ثمّ تنتقل من الدفاع عن الموقوفين إلى التلويح بمواجهة الأجهزة الأمنيّة لتكشف أنّ الخلاف يتناول أيضاً حقّ الدولة في ضبط الجماعات المسلّحة ومحاسبتها.
من يملك قرار الجنوب؟
تضع هذه المواقف القضيّة أمام سؤال عمّن يحقّ له استخدام الأراضي السوريّة لشنّ هجمات، ومن يتحمّل نتائجها. تريد دمشق حصر هذا القرار بمؤسّساتها، فيما تدافع “جبهة أولي البأس” عن خيار مسلّح تمنحه شرعيّة مستقلّة عن موافقة السلطة. ويسعى “الحزب” بنفيه إلى إبعاد المسؤوليّة عنه.
لا تعفي هذه القراءة السلطات من تقديم الأدلّة. فتسمية “الحزب” في بيانات متكرّرة لا تكفي لإثبات كلّ اتّهام، كما أنّ نفيه لا يفنّد تلقائيّاً ما قد يكون لدى الأجهزة من معلومات. ويساعد توضيح هويّة الموقوفين وطبيعة ارتباطاتهم على منع تحوّل القضيّة إلى سجال يستطيع كلّ طرف استخدام غموضه لتثبيت روايته.
يبقى الاختبار في ما ستكسبه سوريا من هذه السياسة. تستطيع دمشق منع مجموعة من إطلاق الصواريخ، لكنّ نجاحها الأوسع يتوقّف على تحويل قدرتها على ضبط الحدود إلى حماية للسكّان.
