مع انتهاء كل عام دراسي، تبدأ رحلة جديدة لا تقل إرهاقاً بالنسبة لكثير من الأسر السورية، تتمثّل في البحث عن روضة مناسبة للأطفال. وبين عشرات الإعلانات التي تملأ الشوارع ومنصات التواصل الاجتماعي، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة معقّدة بين جودة التعليم، وقرب المؤسسة من مكان السكن، والأهم: القدرة على تحمّل التكاليف. خلال السنوات الأخيرة، لم تعد رسوم رياض الأطفال الخاصة مجرد مصروف تعليمي إضافي، بل تحوّلت إلى عبء مالي متزايد، خاصةً مع اتساع الفجوة بين المداخيل المحلية وكلفة التعليم الخاص، وازدياد النفقات المرافقة، من نقل وملابس وقرطاسية وأنشطة ورسوم إضافية.

قبل بداية الموسم الدراسي الماضي، أصدرت وزارة التربية والتعليم تعميماً إلى مديرياتها في المحافظات،  يقضي بإبلاغ أصحاب المؤسسات التعليمية الخاصة بضرورة الالتزام بالأقساط وأجور الخدمات والميزات الإضافية للعام الدراسي 2025-2026، والتي اعتُمدت في العام الدراسي 2024-2025. وحدّد القرار الصادر عام 2024 عن وزارة التربية الأقساط الرسمية لرياض الأطفال الخاصة، حسب التصنيف، كما يلي:

– الفئة الأولى: 1,225,000 ليرة سورية قديمة سنوياً.

– الفئة الثانية: 875,000 ليرة سورية قديمة سنوياً.

– الفئة الثالثة: 700,000 ليرة سورية قديمة سنوياً.

– الفئة الرابعة: 525,000 ليرة سورية قديمة سنوياً.

وقبل أيام، أعلنت مديريات التربية في محافظات دمشق، وريف دمشق، والقنيطرة فقط، أسماء المدارس والروضات ومعاهد اللغات الخاصة المرخصة رسمياً. وتكشف جولة ميدانية لمراسلي-ات الجمهورية.نت في دمشق وريف دمشق وإدلب والرقة والحسكة عن واقع مختلف، حيث تتضاعف الأقساط على أرض الواقع عدة مرات عن الأقساط المُعلنة من قبل الوزارة.

رياض الأطفال في دمشق وريف دمشق

بلغ عدد الروضات المرخَّصة في دمشق، 129 روضة، منها 69 روضة مستقلة، و60 روضة تضمّ مراحل تعليمية أخرى إلى جانب مرحلة الروضة. وتُظهِر جولة على عدد من الروضات الخاصة في دمشق تفاوتاً كبيراً في الرسوم، يعكس اختلاف الخدمات والموقع الجغرافي ومستوى المؤسسة التعليمية. ففي المزة فيلات غربية، تصل رسوم التسجيل السنوية في بعض الروضات إلى نحو 1400 دولار أميركي، من دون احتساب النقل، بينما اكتفت بعض الروضات في أبو رمانة بطلب دفعة أولى تبلغ 500 دولار، بانتظار تحديد الرسوم النهائية من دون احتساب النقل أيضاً. أمّا في القصور، فتقترب الرسوم من 700 دولار سنوياً بانتظار الرسوم النهائية، مع 300 دولار دفعة أولى للتسجيل و50 دولاراً دفعة أولى تكلفة النقل. وتبدو الأرقام أقل نسبياً في أحياء التضامن والزاهرة والميدان، حيث تتراوح الرسوم بين خمسة وسبعة ملايين ليرة سورية قديمة، لكنها تبقى مرتفعة عند إضافة تكاليف النقل التي قد تصل إلى نصف مليون ليرة شهرياً، كما هو الحال في الميدان.

نشرت مديرية تربية دمشق أسماء المدارس والروضات الخاصة، ورغم أنها تقع في ريف دمشق، إلا أن معظم هذه الروضات توفّر وسائل نقل لمختلف المناطق في دمشق، ما يُشجِع كثيراً من أهالي العاصمة على تسجيل أبنائهم وبناتهم فيها إذا كانت تحظى بسمعة جيدة. في ضاحية قدسيا، تبدأ رسوم بعض الروضات من نحو مليوني ليرة سورية، وقد تصل في المؤسسات الأعلى تكلفةً إلى ما يقارب ألف دولار سنوياً، من دون احتساب تكاليف النقل والكتب واللباس المدرسي. وتتيح بعض المؤسسات نظام التقسيط، إلا أن ذلك يرفع الكلفة الإجمالية بنحو نصف مليون ليرة وسطياً.

وتتفاوت الأسعار بشكل واضح بين الروضات المرخصة وغير المرخصة، إذ هناك مؤسسات أقل تكلفةً، برسوم تقارب ستة ملايين ونصف المليون ليرة، يُضاف إليها ما يقارب ثلاثة ملايين ليرة بدلَ نقلٍ. أمّا في جرمانا، فتبدأ الرسوم من نحو مليون ونصف المليون ليرة، وتصل إلى نحو 800 دولار سنوياً، من دون احتساب النقل والقرطاسية والملابس. ويقتصر عدد الروضات المرخصة هناك على نحو 12 روضة فقط، مقابل انتشار أكثر من 35 روضة غير مرخصة، تعمل غالبيتها داخل شقق سكنية أو أقبية.

ولا تزال بعض المؤسسات التعليمية في صحنايا تؤجل إعلان الرسوم النهائية، مع الاكتفاء بطلب دفعات أولية تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة، بينما تبلغ رسوم التسجيل في الهامة نحو ستة ملايين ليرة، يُضاف إليها نحو مليون ليرة بدل نقل. ويؤكد عاملون في القطاع أن اختلاف الأسعار يرتبط بمجموعة من العوامل، تشمل مساحة المبنى، ووجود ساحات لعب، وجودة التجهيزات، ومستوى النشاطات الترفيهية والتعليمية، واللغات المُقدَّمة، وعدد ساعات الدوام، إضافةً إلى الخدمات الإضافية مثل الوجبات والاحتفالات السنوية، التي قد تصل رسوم بعضها إلى 250 ألف ليرة للحفل الواحد.

رياض الأطفال في إدلب

تنقسم الروضات في إدلب وريفها إلى ثلاثة مستويات رئيسية: الروضات الشعبية، تُعدّ الأقل تكلفة، إذ تتراوح رسومها بين 15 و25 دولاراً شهرياً، وتنتشر في الأرياف والمخيمات مثل سرمدا وكفرلوسين وأطمة، وتقتصر غالباً على الرعاية الأساسية مع تعليم أولي بسيط. أمّا الروضات المتوسطة، فتتراوح رسومها بين 30 و40 دولاراً شهرياً، إضافة إلى رسوم تسجيل تتراوح بين 20 و30 دولاراً، وتُقدم برامج تعليمية تشمل العربية والإنكليزية والحساب والأنشطة الفنية.

في المقابل، تصل رسوم الروضات «المتميّزة» إلى 60 دولاراً شهرياً، وقد ترتفع إلى 70 أو 80 دولاراً في بعض المناطق، مع تكاليف إضافية للنقل واللباس المدرسي. وتُقدّم هذه المؤسسات برامج تعليمية متقدِّمة، مثل منتسوري وجولي فونكس، إضافةً إلى نشاطات نوعية تشمل السباحة والروبوت والمسرح، مع دوام أطول يناسب الأسر العاملة. وتبرز الفروقات أيضاً بين المؤسسات المرخصة وغير المرخصة، فالروضات المرخصة تخضع لرقابة تربوية وتلتزم بمعايير السلامة وعدد الأطفال داخل الصفوف، لكنها أعلى تكلفة. أمّا الروضات غير المرخصة، فتتميز بانخفاض رسومها وقربها من أماكن السكن، لكنها تعاني غالباً من الاكتظاظ وضعف الرقابة.

رياض الأطفال في الرقة والحسكة

في الرقة، تتراوح رسوم الاشتراك في رياض الأطفال بين 25 و 80 دولاراً شهرياً، تتضمن معظمها خدمة النقل، وتنقسم إلى فترتي دوام صباحية ومسائية. تتضمن الروضات دروساً تعليمية ونشاطات ترفيهية، كالقراءة والكتابة والحساب واللغة الإنكليزية والرسم والقرآن وغيرها. ولا يعكس تفاوت الأسعار بالضرورة جودة التعليم في رياض الأطفال، حيث تتفاوت الأسعار أحياناً وفقاً لأجور المعلمين وإيجار البناء الذي تقع فيه الروضة.

أمّا في مدن محافظة الحسكة، فيتوزع قطاع رياض الأطفال بين ثلاث فئات رئيسية: الروضات التابعة للكنائس، والروضات التابعة للإدارة الذاتية، والروضات الخاصة. وتُعدّ الروضات الخاصة النموذجية الأعلى تكلفةً، إذ تصل أقساط بعضها إلى 250 دولاراً شهرياً، مقابل خدمات تشمل تعليم اللغات، وخاصة الإنكليزية، وأنشطة تعليمية وترفيهية، ووجبات فطور، وخدمات نقل.

في المقابل، تبدأ رسوم الروضات الخاصة العادية من نحو 50 ألف ليرة سورية وقد تصل إلى 50 دولاراً شهرياً، بحسب الخدمات والبنية التحتية ومستوى الرعاية المقدمة. أمّا الروضات التابعة للإدارة الذاتية، فتقدّم غالباً خدمات تعليمية وترفيهية أساسية، بينما توفّر بعض الروضات التابعة للكنائس خدمات مجانية أو شبه مجانية، إذ لا تتجاوز رسوم بعضها 100 ألف ليرة شهرياً. وتبقى مشكلة النقل إحدى أبرز التحديات أمام الأسر، إذ لا توفّر غالبية الروضات وسائل نقل، ما يفرض تكاليف إضافية على الأهالي. كما تُشكّل ساعات الدوام القصيرة تحدياً إضافياً، خاصةً للأمهات العاملات، حيث ينتهي دوام معظم الروضات بين الواحدة والواحدة والنصف ظهراً.

تكشف الفروقات الكبيرة في رسوم رياض الأطفال بين المحافظات والمناطق السورية عن واقع متزايد التعقيد يواجه الأسر مع كل عام دراسي جديد. وبين مؤسسات تُقدِّم خدمات أساسية منخفضة التكلفة، وأخرى تُقدّم برامج تعليمية متقدّمة برسوم مرتفعة، يبقى العامل الحاسم بالنسبة لغالبية الأهالي هو القدرة على التوفيق بين جودة التعليم والإمكانات المادية. ومع استمرار ارتفاع التكاليف، لا تقتصر الأعباء على رسوم التسجيل وحدها، بل تمتد إلى النقل والأنشطة والملابس والاحتفالات والدوام الممتد، ما يجعل مرحلة التعليم المبكر واحدةً من أكثر المراحل التعليمية استنزافاً لميزانيات الأسر السورية اليوم. وبينما تستمر المؤسسات التعليمية الخاصة في توسيع خدماتها ورفع رسومها، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى تستطيع الأسر السورية الاستمرار في تحمّل كلفة السنوات التعليمية الأولى؟