ملخص
“لوحة اليونان فوق أطلال ميسالونغي” للفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا المعلقة الآن في متحف مدينة بوردو الفرنسية، كانت تعبيرا إبداعيا عن تضامن أوروبي واسع مع الشعب اليوناني خلال حربه مع الجيوش العثمانية
في نهاية الأمر، ما الحدث الذي قد يبدو لنا اليوم الأكثر شبهاً بالتظاهرات التي عمت أوروبا ومناطق أخرى من العالم رافعة أعلام فلسطين وشعاراتها التحررية طوال العامين الماضيين اللذين كانت الهمجية الإسرائيلية تمارس خلالهما، واحدة من أعنف المجازر وأقذرها في حق فلسطينيي غزة؟
بالتأكيد تلك الأحداث التي عرفتها أوروبا قبل ما يقارب القرنين من الزمن، حين تركت الجيوش العثمانية في حربها مع اليونان الساعية وراء استقلالها من ربقة الآستانة، آثارا قاسية لم تكن أوروبا قد عرفته منذ أزمنة طويلة.
يومها، وكما سيحدث بالنسبة إلى غزة بعد 200 عام انتفضت أوروبا الشعبية مدافعة عن اليونانيين، ولقد تمثلت اندفاعتها بخاصة، على الصعيد الإبداعي، أولاً في انتظام الشاعر الإنجليزي اللورد بايرون بنفسه في الثورة اليونانية حتى مات مريضاً عام 1824 في مدينة ميسالونغي نفسها التي شهدت أقسى المعارك، ثم بعد ذلك بعامين، أي في مثل أيامنا هذه من عام 1826 تحديداً، في معرض أقامه الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا في باريس، تحت شعار دعم ثورة الشعب اليوناني وبرزت فيه بصورة خاصة اللوحة التي ستعتبر من ساعة عرضها رمزاً معبراً عن ثورة ذلك الشعب: لوحة “اليونان فوق أطلال ميسالونغي” المعلقة الآن في متحف مدينة بوردو في الغرب الفرنسي.
ونعرف على أية حال كم أن تلك اللوحة بدت حينها ذات تأثير كبير في أوروبا، إذ انتشرت أخبارها ومنسوخاتها في طول القارة العتيقة وعرضها.
جزء من تظاهرة هائلة
والحقيقة أن عرض تلك اللوحة إنما كان جزءاً من تظاهرة فنية/ سياسية شاملة افتتح في الـ24 من مايو (أيار) في غاليري لوبران الباريسي تحت شعار “كل الدعم لليونانيين”.
ولئن كانت اللوحة قد خصت بعنوانها، أكثر مما بموضوعها الذي بدا أكثر شمولاً بكثير، مدينة ميسولونغي، فما هذا إلا لأن المدينة اليونانية الواقعة عند مدخل خليج كورنثة، التي كان تخوض حرب شوارع ومقاومة ضد المحتلين العثمانيين منذ عام 1821، انهزمت في أبريل (نيسان) من عام 1824 تحت ضغط القائد العثماني رشيد باشا وقواته التي يزيد عددها على 35 ألف مقاتل، والتي ما إن دخلت المدينة الثائرة حتى دمرتها عن بكرة أبيها مجهزة على الـ4 آلاف مواطن الباقين فيها رافضين الاستسلام.
ولسوف يقول ديلاكروا الذي لم يستغرق طويلاً في إنجاز لوحته المعبرة عن المدينة ونضالها، إنه إنما جعل من لوحته كناية عن “ذلك الحدث المؤسي الكبير”.
ففي اللوحة البالغ ارتفاعها 209 سم وعرضها 174 سم، يصور الفنان اليونان نفسها تحت ملامح صبية حسناء ترتدي الزي الوطني اليوناني وتقف فوق أطلال المدينة وتحديداً فوق أكوام من حجارة مدماة، بينما تفتح ذراعيها بمزيج من الاستسلام والحيرة متسائلة عن المصير، – وربما بالأحرى تسأل متفرجي اللوحة عما يتصورون أنه سيكون مصيرها ومصير المدينة بعدما حدث ما حدث – فيما يظهر خلفها، وفي عتمة لافتة، واحد من الجنود العثمانيين وهو يزرع علم النصر غير مبالٍ بها.
الفن الحقيقي في المعركة
مهما يكن من أمر، جاء في السير التي كتبها الباحثون والمؤرخون لهذا الفنان الفرنسي الرومانسي الكبير، أن ديلاكروا عرف منذ تلك الأحيان بدفاعه الشرس عن الحرية، وهو الذي، بهذه اللوحة بالتحديد إنما أراد أن يعبر عن مناصرته للشعب اليوناني وفي نضاله التحرري، تماماً كما كان قد فعل قبل ذلك بعقد من السنين حين أنجز لوحته الكبيرة الأخرى “مجازر شايو” وأسرَّ لصديق له قبل المجرة بثمانية أيام: “هيا يا صديقي إننا سنقيم معرضاً لمصلحة اليونانيين، وربما أننا بمثل هذا التصرف سنعود الجمهور على أن يدفع مالاً مقابل مشاهدة المعارض”.
والحقيقة أن فكرة ديلاكروا حققت نجاحاً كبيراً، إذ بعد أيام قليلة من افتتاح المعرض تمكن المنظمون من أن يرسلوا 30 ألف فرنك إلى مدينتي بريفيزا وآرتا لدفع فدية نساء وأطفال كان العثمانيون قد جعلوا منهم سبايا وأسرى، محولين إياهم إلى عبيد بعد سقوط ميسالونغي، وبذلك تمكن ديلاكروا أن يوجد للفن دوراً جديداً يخرج عن إطار ما كان مألوفاً من توزيع بعض المؤن والملابس على ذوي المقاتلين.
وفي هذا الإطار، لم يفت ديلاكروا والمتعاونون معه من الإتيان في كل خطوة كانوا يخطونها في تلك المناسبة، على ذكر الشاعر بايرون وتضحياته في سبيل حرية اليونانيين، بصورة لم تكن مألوفة في النضالات المعتادة، التي يكتفي فيها المبدعون برفع الصوت من دون الإقدام على أية مبادرات عملية. صحيح أن مبادراتهم من النوع المألوف كانت فاعلة وتساعد على نشر أخبار الثورات لكنها كانت لا تزال في حاجة إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، وبخاصة أن بدائية الإعلام في ذلك الزمن كانت تجعل من ذلك التضامن مجرد فعل نخبوي.
تمهيد لدور أكبر
واضح من السطور السابقة أن من الإنصاف في هذا السياق، وحتى خارج إطار التعبير الفني والدور الذي أداه منذ تلك الأوقات المبكرة في دعم نضالات الحرية والاستقلال، التذكير بالدور، الفني ولكن أيضاً التنظيمي العملي الذي أداه ديلاكروا في دعم قضايا الحرية من ذلك النوع.
فلقد جرت العادة على أنه في كل مرة يشار فيها إلى الدور الهائل الذي سيؤديه المثقفون ولا سيما في فرنسا، منذ نهايات القرن الـ19، على أن يصار إلى التركيز، وعلى خطى تدخلات فيكتور هوغو في السياسات المحلية والأوروبية وصولاً إلى دفعه الثمن غالياً، التركيز على إميل زولا ومن بعده جان بول سارتر فوصولاً إلى بيار بورديو، في مجال الحديث عن الالتزام السياسي للمثقفين وحتى خارج إطار لغتهم الإبداعية… ولكن الوقت حان لكي ينضم أوجين ديلاكروا (1798 – 1863) إلى هذه الأسماء، بل أن يعطى صفة المؤسس للدور الذي يمكن المثقف المبدع أن يؤديه دعماً للمناضلين في سبيل العدالة والحرية والاستقلال، وتحديداً انطلاقاً من الدور الذي أداه في دعم ثورة الشعب اليوناني.
