د. سيلفا بلوط*..المصدر: النهار
للسلاح في سرديته المتداولة في المجال اللبناني، دلالة سياسية لجهة أنه قادر على فرض معادلات أو تغيير موازين قوى. وله أيضاً دلالة اجتماعية لجهة أنه مصدر أمان وحصانة ماديين للمنتمين إليه والمعتقدين به. هو أيضاً يحمل وظيفة سيكلوجية تتجاوز حقيقته الخارجية، ليصبح جزءاً مكوناً لبنية الفرد النفسية الباحثة عن الأمان. فلا يعود السلاح مجرّد أداة للقتال، بل يصبح، بشكل تدريجي، حاوية إسقاط باطني لمشاعر العجز والتهديد والخوف والرغبة في السيطرة على الآخر وإخضاع. أي ينتقل السلاح من مهمة بناء واقع خارجي، إلى وظيفة تشكيل بنية الفرد النفسية في إدراكه لذاته وفهمه لمجريات العالم.
حين يعيش الفرد في محيط أسند إلى السلاح وظيفة القوة والحماية من جهة، ومعنى الهوية والإنتماء والقيمة الأخلاقية السامية من جهة أخرى، فإن الفرد يكون عاجزاً عن تصوّر نفسه محروماً منه أو أن يستمر في وجوده من دونه. لكون هذا الحرمان مصدر خطر على هويته النفسية واختلالاً لتوازنه النفسي، تجعله يرى في غياب هذا السلاح أو الدعوة إلى انتزاعه تهديداً لقيمته الإنسانية ومعنى وجوده.
نشير هنا إلى وجود علاقة تأثير متبادل بين تفاعلات الخارج وداخل الفرد السيكولوجي، تجعل الفرد في وضعية تكيف مستمر مع بيئته، وفي حال تعديل مستمر لبناءه السيكولوجي التي تستجيب للمتغيرات التي تحصل من حوله. هو تعديل يُمكِّن الفرد من التعامل مع الواقع المتغير بفاعلية، ويؤهله فهم وتفسير هذا الواقع على أرضية البنية الإدراكية التي يعدلها باستمرار. فمثلما أن الواقع المحيط ينتج تكويناً سيكولوجياً ذا بنية إدراكية خاصة للتماهي مع هذا الواقع، فإن الواقع أيضاً يتخد دلالة وحقيقة معينين تبعاً لهذا التكوين السيكولوجي. وهو ما يخلق وحدة معينة لا بالمعنى المادي وإنما بالمعنى التواصلي والتفاعلي بين خارج متحرك وتكوين سيكولوجي مرن قادر باستمرار على التواصل مع الواقع الخارجي والتموضع داخله وفهمه.
في محيط يبدو مشبعاً، إن صح التعبير، بالسلاح، يحصل تماه سيكولوجي مع سردية السلاح التي تعممها القوة الحاملة له بإيجاد معادلة توازي بين ضرورة الأمان وحتمية السلاح، ويأتي الباطن السيكولوجي إلى استدخال هذه المعادلة لتصبح جزءاً من هويته. وعلى هذا النحو، لا يبقى السلاح مجرّد ردة فعل تتحرك بفعل تهديد خارجي، وإنما يصبح شرطاً نفسياً رئيسياً للشعور بالأمان. وفي هذا السياق، يحصل قلباً او إنقلاباً في مسألة الحاجة نفسها. فبعد أن كان السلاح حاجة نتيجة لوجود الخوف، أصبح الخوف النفسي حاجة لاستمرار السلاح.
في هذه الحال، لا تعد وظيفة السلاح متمثلة في تلبية الحاجة إلى الأمان الخارجي، بل في الحفاظ على الحاجة النفسية عبر البقاء على موضوعها، أي السلاح. أي يتحول بقاء السلاح إلى حاجة سيكولوجية مع قطع النظر عن استيفاء السلاح لوظيفته الخارجية وأهليته وكفائته في توفير شروط الأمان الواقعية. بالتالي يصير بقاء السلاح استجابة لبناء نفسي متصلب يعاني من حالة إنفصام عن الواقع، وليس استجالة لضروروات الواقع الفعلي.
يحصل هذا حين يتم إستدخال الفرد للسلاح لغرض الحفاظ على المعنى والقيمة اللذان منحا له. فيبدأ العقل بصوغ التبريرات والتفسيرات بهدف استمرارية السردية وتعزيز تماسكها حتى لو لم يكن هنالك واقع فعلي يسندها.
في هذا السياق، يتجلى ما يمكن تسميته بالإيحاء الذاتي الإيديولوجي كلما تبدت معطيات خارجية مناقضة للإعتقاد الراسخ حول حقيقة السلاح، حيث يتم توليد مسوغات وتفسيرات لهذا السلاح لا تستمد مع معطيات الواقع وإنما من مصدر غيبي أو مثالي يهبه الشرعية ويسقط عليه الضرورة والحاجة.
وحين تتوالى الأحداث التي تفضح، إن صح التعبير، عجز السلاح عن الحماية والانتصار والأمان، تتعرض سرديته لانتكاسة بنيوية، تولد أزمة يمكن وصفها بالوجودية. حيث يتولد صراع بين الخارج الذي تظهر تحولاته عدم جدوى السلاح من جهة ، وبين التكوين النفسي الذي استدخل السلاح مصدراً للأمان من جهة ثانية. ومع ازياد الهوة بين ما يمارسه الخارج من ضغوط وما تمارسه إوالات الدفاع النفسية من مقاومة ورفض لإملاءات الخارج، يجد الفرد نفسه مرغماً على الرجوع إلى بنيته الداخلية لتحصينها، إما بإعادة النطر بقناعته أو بالدفاع عنها.
بيد أن إعادة النظر ومراجعة المعتقد الراسخ بقيمة وحقيقة السلاح ليس بالأمر الهيّن، ويتحول إلى أمر شبه مستحيل يعد إسباغ دلالة وجودية وهوياتية على السلاح، بحيث يصبح التخلي عن السلاح تخلٍّ عن الذات وخيانة لها. وفي هذه الحال، يتبدى الإنكار الذي لا يعد مجرد رفضٍ للواقع، وإنما أولوية دفاع عن جهاز نفسي مهدّد بالسقوط. ليصبح الدفاع المستميت عن القيمة المطلقة والسامية للسلاح انتصاراً إلهياً رغم انتكاسته الخارجية، ولا ينتقص انهيار القدرة على الحماية من قدسية السلاح وقيمته السامية. بالتالي تتمكن سردية السلاح من أن تحافظ على نفسها حتى و إن خسرت شروط قوتها الموضوعية أو إمكاناتها الواقعية.
في هذا السياق نميز بين الذهان كاضطراب نفسي حاد، و بين ما يمكن تسميته، في الحياة السياسية، انفصالاً إيديولوجياً عن الواقع. فعندما تصبح المشكلة ذاتها بنية جمعية لإعادة تفسير الواقع بشكل لا يسمح للوقائع الخارجية والمخالفة أن تسقط العقيدة وتهدمها، فإن الفرد المنتمي بهذه الجماعة يتعلق بالتفسير الجمعي للسلاح وبالصورة الذهنية التي زرعت في وعيه، بنحو تجعل إدراكه بحقيقة الواقع ومعطياته في غاية الإلتباس والتشويش.
استمرار سردية السلاح رغم انتكاساته الموضوعية، لا يكفله مجرد المقاومة النفسية لمتغيرات الواقع، بل يحتاج في تبرير الاعتقاد الراسخ بهذه السردية وكسب شرعيتها، من خلال تجذير حقيقتها الأخلاقية وإسباغ معان سامية عليها، ليكون بالإمكان مقاومة أي نقد خارجي أو شك داخلي يهددها. وهنا يأتي دور الإيديولوجيا نفسها في تجذّرها، فعندما يتم تبني السلاح كجزء من الحق، يصبح التخلي عنه أو تركه انحطاطاً أخلاقياً. وعندما يُناط السلاح بالدين، أو الشرف أوالكرامة أو الشهادة … يعد انتقاده ردة دينية وخيانة عظمى تعرّض صاحبها للتخوين والإيذاء وأحياناً القتل.
وعندما يبدأ الواقع يتناقض مع “القيمة السامية” التي أسبغت على السلاح من مصدر ورائي، فإن هذا يحتم على الفرد إما الإقرار بالواقع وإعادة النظر بالسردية التي شكلت أساساً لبناء هويته، وإما التمسك بالقيمة المطلقة وسردية التعالي لقيمة السلاح حتى لو دفع حياته ثمناً لهذا التمسك. وهنا، يمكن فهم أنماط سلوك التضحية المتطرف الذي يؤثر الاحتفاظ بالأمان الداخلي رغم أنه أمان وهمي وهوامي. بأن يصور الموت فداء لهذا السلاح أحد أشكال الانتصار، ويقتبس عبارات دينية بطريقة مصطنعة من قبيل: “لا أبالي وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا طالما أنا على الحق”، لغرض خدمة وتعزيز الصمود النفسي أمام ضغط الواقع. هو صمود تكون نتيجته الانفصال عن الواقع، وفقدان الحياة قيمتها لصالح الحفاظ على المعنى السامي الذي أسقط على السلاح، واستعارة رمزية للخيار الكربلائي بتصويره نموذجاً أعلى للثبات على الحق عبر التضحية، ليكون الموت الطوعي ذروة هذا التمسك والثبات السيكولوجي.
وبدورها، تأتي الإيديولوجيا هنا لتعيد تنظيم الواقع داخل منظومة تأويلية مغلقة. وهي تمد الوقائع بمعانٍ جاهزة وتقسم العالم إلى خير و شر، حق وباطل، نحن وهم. وبمجرّد أن يصبح “نحن” حقاً مطلقاً، يصبح ألــــ “هم” باطلاً و تهديداً وجودياً للسردية نفسها. وعلى هذا الأساس، قد تترجم المطالبة الخارحية بالتنازل عن السلاح، مطالبة سيكولوجية بالتخلي عن الدين والكرامة والجماعة. وفي هذه الحال، تأخذ ردة الفعل الدفاعية طبيعة عدوانية ضد الآخر، تتجلى في مسلكيات التخوين والتحريض وصولاً إلى شيطنة الآخر وهدر كرامته وربما إباحة دمه، لأنه بات يمثل تهديداً لا للبناء النفسي للذات فحسب، وإنما تهديداً لحقيقة الذات ومعنى وجودها في العالم.
في المحصلة، لم يعد السلاح قضية سيادة أو مسألة سياسية، بل اكتسب، في مساره التاريخي وسرديته التي أعلت من شأنه ومنحته قيمة سامية عليا ودلالة، معنى منفصلاً بالكامل عن وظيفة السلاح الدفاعية ومستقلاً عن توفره لشروط الأمان والحماية المطلوبين في يوميات الناس. هو أمر حول السلاح إلى حاجة سيكولوجية للذين تربوا على هذه السردية واستدخلوا بنحو صلب وصارم قيمها ومعانيها في تكوينهم الباطني وبنيتهم السيكولوجية، الأمر الذي بات بقاؤه حاجة سيكولوجية وضرورة باطنية، مهما كانت درجة صدقية هذا السلاح وكفائته في الخارج. ليتولد من ذلك انقطاع الإتصال الضروري والملح بين تحولات الخارج الموضوعي وبناءات الداخل السيكولوجي، يتحول معه الفرد من كائن يعيش واقعه بتناغم، إلى كائن منفصم عنه يعيش هوامات ذاتية ومنعزلة، تدفع أصحابها في الكثير من الحالات إلى الموت الطوعي، بصفته فعل تضحية سامية وتحقق وجودي أكمل.