
مايكل جاكسون خلال أحد استعراضاته الغنائية (غيتي)
ملخص
تعاون فرنسي – إنجليزي، ولعل اللافت بالنسبة إلى ذلك العمل الوثائقي الطويل أنه أتى ثمرة تعاون إنتاجي مشترك بين البريطانيين والفرنسيين، ولا يدين بشيء في هذا المجال للأميركيين الذي هم قوم جاكسون وأهله. ولكن كان لافتاً في الوقت نفسه كيف أن الحلقات التلفزيونية بدت وللوهلة الأولى، تتسم بقدر من العادية، ولكن بالنظر إلى أنها لم تكن، كما أشرنا، المرة الأولى التي يحقق فيها التلفزيون فيلماً عن النجم الغنائي.
كان اختياراً موفقاً ذاك الذي أسفر، لدى إحدى أكثر القنوات التلفزيونية الفرنسية اهتماماً بالسينما الوثائقية، القناة الرابعة، عن اتخاذ قرار لا يخلو من تحدّ فحواه تقديم الحلقات الثلاث التي يتألف منها الفيلم التلفزيوني المعنون “الوجه الآخر لأسطورة”، في الربيع الفائت، في الوقت نفسه الذي شهد عرض ذلك الفيلم الروائي المكرّس للحديث عن حياة نجم ذلك العمل التلفزيوني اللافت، مايكل جاكسون.
ولئن كانت تلك المرة الألف التي يقدم فيها التلفزيون على تكريس عمل من غبداعه المباشر للحديث عن نجم النجوم في عالم الموسيقى الصاخبة، فإن المناسبة كانت جديرة بأن تثير اهتماماً كبيراً لمجرد أن الفيلم الروائي الذي عرض في الوقت نفسه، كان في حدّ ذاته “حدثاً كبيراً”، لكن أهم ما فيه أن ساعتَي عرضه تتركان متفرجيه في حال ظمأ تدفعهم إلى البحث عن المزيد مهما كان إعجابهم بالفيلم، ولكن طبعاً على عكس حال سابقة تعلقت بالفيلم الذي حقق وعرض قبل سنوات عن نجم الروك الآخر فريد ماكموراي، زعيم فريق “ذا كوين” الذي لا يقل شهرة ومكانة في ذلك العالم الموسيقى الصاخب عن مكانة جاكسون، لكن نجم الفيلم، المصري الأصل أحدث يومذاك، مفاجأة كبيرة إذ أدى ببراعة كافية دور نجم الغناء الإيراني الأصل، بحيث إن ذلك الفيلم بدا كافياً على عكس ما حدث بالنسبة إلى جاكسون وفيلمه.
من هنا ذلك الثناء العام الذي كان من نصيب صنوه التلفزيوني الذي تطرق إلى حياة ومكانة مايكل جاكسون على مدى ثلاث ساعات كاملة أجمع متفرجوها أنها غير مضجرة على الإطلاق.
تعاون فرنسي – إنجليزي، ولعل اللافت بالنسبة إلى ذلك العمل الوثائقي الطويل أنه أتى ثمرة تعاون إنتاجي مشترك بين البريطانيين والفرنسيين، ولا يدين بشيء في هذا المجال للأميركيين الذي هم قوم جاكسون وأهله. ولكن كان لافتاً في الوقت نفسه كيف أن الحلقات التلفزيونية بدت وللوهلة الأولى، تتسم بقدر من العادية، ولكن بالنظر إلى أنها لم تكن، كما أشرنا، المرة الأولى التي يحقق فيها التلفزيون فيلماً عن النجم الغنائي.
ولا بدّ هنا من أن ننقل عن واحد من المعلقين على الفيلم قوله: إنها الطقوس المعتادة نفسها في هذا السياق، الأسئلة نفسها، السجالات ذاتها، بل ربما حتى، الدوخان عينه أمام شخصية لم ينتهِ زماننا، المعاصر، بعد، من فك كل طلاسمها. ولكن بالنظر إلى أن هذه الأبعاد “المتكررة” قد أتت في سياق ما أثاره الفيلم السينمائي من لغط، اتسمت بطابع مغاير، وتمكنت من أن تبدو ذات أهمية جديدة، بل إن العمل التلفزيوني “المتواضع” جاء هنا أكثر إقناعاً من الفيلم على رغم اللمسات العديدة التجديدية التي أمّنها مخرج الفيلم أنطوان فوكوا على موضوعه فجعلته يبدو تجديدياً بدوره.
المهم أن العمل التلفزيوني عرف كيف يتخذ مكانه ثم مكانته في نوعه الإبداعي حتى وإن كان التلفزيون يمارسه منذ زمن بعيد، فإنه عرف مرة أخرى كيف يبدو وكأنه يطلع به، ويا للغرابة، من عدم ما، وبالتحديد من خلال استعمال مكثف للأرشيف بل حتى لمكتشفات لم تكن متوقعة لهذا الأرشيف، من مقتطفات مصورة للتدريبات على غناء بعض أشهر الأغاني، إلى صور عائلية ولحظات حياتية معلقة، مروراً بشهادات ولقاءات من حول شخصية أتت كلها لتخبرنا أن كلّ ما كنا نعتقد أننا نعرفه عنها، وقيل لنا عشرات المرات من قبل، يبدو الآن جديداً بل حتى، مفاجئاً، بخاصة بالنسبة إلى من افتقدوا وجوده في فيلم كانوا يتوقعون منه أن يحمل مفاجأة.
سيرة متجددة! وعلى هذا النحو سارت التفاصيل التي اجتهدت مخرجة العمل التلفزيوني صوفي كلير فولير في استخدامها، سارت في سياق بدا غير مألوف، وربما في خدعة فنية عرفت هي كيف تلجأ إليها، ولكن في كلاسيكية لا غبار عليها، كلاسيكية في تقديم حياة مايكل جاكسون بهدوء واتزان بدءاً من طفولة صاحب العلاقة الذي يبدو أنه عانى وهو الأصغر في مجموعة “جاكسون فايف” من ظلم أب كان مدير الفرقة بل دكتاتورها الجبار الذي إذا راح الأخوة والأخوات الأكبر سناً يتمردون عليه كأب ومدير، لم يتمكن مايكل الطفل من الإفلات من الخضوع له، ولكن على الأقل، حتى ضربة الحظ التي جعلته وفي سنّ مبكرة على أية حال، ينطلق كمغنّ متفرد وتنتج له الأغاني والألبومات، وذلك في تلك المسيرة التي ستعتبر أسطورية في تدرجاتها وتضخمها موسماً بعد موسم، إنما بالتواكب مع تلك التغيرات الجسدية التي راحت ترى على الفتى المشاكس مع تقدمه في السن وفي الجماهيرية، ولكن أيضاً في إتقان لعبة النجاح التي ربما ستكون، وهو ما يبرع العمل التلفزيوني في طرح الأسئلة الشائكة حوله على أية حال، يد القدر في بداية نهايته.
فمايكل الذي سيخيّل إليه ذات يوم أن كل شيء بات متاحاً له، وأن جميع الناس مستعدون لحمايته حتى في منزلقاته، بات يستقبل الاتهامات التي تكال له، بسخرية ولا مبالاة، ما جعلها تتراكم في وجهه لتنطلق من اعتداءات جنسية يتهم بها، إلى محاكمات تواجهه، تتلوها بعد صراع طويل ضدها عزلة راح يشعر بها تحاصره أقوى فأقوى وتتواصل مدمرة إياه حتى عام 2009 الذي رحل فيه عن عالمنا، لتودعه دموع وأحزان وتعاطف مئات الملايين حول العالم، مقابل قلة من الناس رأت أنه استأهل ذلك كله بأكثر كثيراً مما استأهل “النجاحات المذهلة التي حققها في حياته…”.
تفاصيل مدهشة طبعاً نعرف جميعنا هذه الحكاية التي اشتغل عليها العمل التلفزيوني خطياً، بل كلاسيكياً كما أشرنا، لكن العمل التلفزيوني تمكّن من أن يجعلها تبدو جديدة في لعبة تركيبية مدهشة، لا ينبغي على أية حال أن نعتبرها مفاجئة، لعبة قامت على تجديد في استخدام المدونات الخاصة بصاحب العلاقة، والشهادات التي تم الحصول عليها بسخاء، على السنة صحافيين عرفوا مايكل عن كثب وخاضوا دائماً ولا سيما في حياته، سجالات من حوله، وتعليقات لمساعدين ومساعدات سابقين له.
لكن الأهم من ذلك تلك الشهادة التي حصلت عليها مخرجة الفيلم التلفزيوني، من شقيقة مايكل التي كانت الأقرب إليه حتى شكلياً، لاتويا التي تبدو وهي تتكلم أمام الكاميرا وفي لحظات كثيرة، وكأنها المغني نفسه وقد بعث في قبره، بدت، وبحسب تعبير ناقد علق على الفيلم، “وكأنها تلك المرآة التي تعكس صورة هيبرواقعية للشقيق الراحل”.
ولعل الغريب في الأمر هنا هو أن لاتويا، كما الحال مع الفيلم التلفزيوني نفسه، عرفت كيف تعبر عن نظرتها إلى أخيها بموضوعية تكاد تكون باردة، فالفيلم، في نهاية المطاف لم يأتِ بقدر كبير من الدفاع عن النجم، لكنه في الوقت نفسه لم يمارس لعبة اهتمام ما بكل تلك الموبقات التي اتهم بها في حياته، وإن كان سيلمح لنا بأنها قد ساهمت في رحله المأساوي المبكر.
ففي النهاية عرف هذا العمل، مرة أخرى على عكس الفيلم السينمائي الموازي له، كيف يتقن لعبته الفنية، تلك اللعبة التي تقوم، كما يليق بالفن الحقيقي أن يكون، على عالم الأسئلة القلقة أكثر مما على عالم اليقين والجواب، ولعل في هذا ذلك التجديد الذي يمكن ملاحظته والثناء عليه في عمل تلفزيوني عرف كيف يحول العالم الواقعي المعلوم سلفاً، إلى سلسلة تساؤلات فنية إبداعية حقيقية ندر أن طالعتنا على مثل هذه القوة في عمل تلفزيوني مشابه.