ملخص
انهارت “هدنة الطاقة” التي أعلنها ترمب سريعاً مع تجدد القصف الروسي على خاركيف، فيما منح تخفيف العقوبات على صادرات الديزل موسكو متنفساً سياسياً واقتصادياً في وقت تتصاعد فيه الضربات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة. وتتداخل أزمة الوقود الأميركية والانتخابات النصفية مع الضغوط على كييف لوقف هجماتها داخل روسيا، بينما تتسع الحرب من أوكرانيا إلى الخليج من دون مسار واضح للتسوية.
في غضون ساعات من إعلان دونالد ترمب هدنة تقضي بوقف استهداف مصافي النفط في روسيا وأوكرانيا، شنت موسكو هجوماً دامياً على مستودعات الوقود ومنشآت في خاركيف. وهكذا انهارت، قبل أن تبدأ فعلياً، خطة ترمب لرفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي، تمهيداً للسماح في نهاية المطاف بـ”تدفق ملايين الأطنان من النفط حول العالم”.
وسقطت خلال ليل الأحد الماضي على منشأة الطاقة الرئيسة في خاركيف ست قنابل انزلاقية روسية في الأقل، وهي قنابل جوية تقليدية عدلت بحيث تنطلق من الطائرات وتحلق مثل صواريخ كروز.
ولم تكن روسيا قد وافقت أصلاً على مقترح ترمب الذي أعلنه الجمعة الماضي. فقد قال الرئيس الأميركي، بعد محادثة وصفها بأنها “جيدة جداً” واستمرت ساعتين مع فلاديمير بوتين، إن موسكو وكييف اتفقتا على وقف قصف مصافي الوقود، وهي نقطة ضعف حيوية في اقتصادي البلدين. وبموجب هذا الترتيب، كان يفترض رفع العقوبات والسماح فوراً بشحن 300 ألف طن من الديزل الروسي، على أن يعقب ذلك رفع العقوبات عن تصدير “ملايين الأطنان”.
وفي قلب هذه الأزمة ثلاثة رجال تضيق بهم الخيارات: ترمب وفولوديمير زيلينسكي وبوتين. وأكثرهم حاجة إلى مخرج هو ترمب، وأقلهم بوتين. فالنقص العالمي في الديزل دفع أسعار الوقود في المحطات الأميركية خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى 6.20 دولار للغالون، ولا تزال الأسعار ترتفع.
وبات غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود المكرر، من البنزين والديزل، من أبرز الأسباب التي تدفع كثيراً من الناخبين الجمهوريين إلى الابتعاد من ترمب. وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ولن يحدث اتفاق لرفع العقوبات عن صادرات 300 ألف طن من الديزل الروسي فارقاً يُذكر في أسعار الوقود، فالكمية أقل من أن تحدث فارقاً، والخطوة جاءت متأخرة.
في المقابل، يتزايد تأثير الضربات الأوكرانية على البنية التحتية الاستراتيجية الروسية مع تحسن نوعية الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى وزيادة أعدادها. وبعض هذه الأسلحة، مثل ” FP-7 فلامينغو”، صنع في أوكرانيا، فيما استفادت مجموعة جديدة من الصواريخ متوسطة المدى بدرجة كبيرة من التكنولوجيا الأوروبية والبريطانية وبرامج التطوير والإنتاج المشترك. وخرج نحو40 في المئة من قدرة التكرير في غرب روسيا عن الخدمة، فيما دمرت ثلاثة مراكز بيانات حيوية داخل البلاد خلال الأسبوع الماضي.
لكن وضع أوكرانيا لا يقل خطورة. فروسيا تتعمد الآن ضرب مراكز الطاقة وشبكة الكهرباء ووسائل النقل والبنية التحتية التي تعتمد عليها الحياة اليومية للمدنيين، بل أعلنت موسكو عزمها على جعل الأوكرانيين يتجمدون من البرد طوال الشتاء. وفي المقابل، لا تملك أوكرانيا قوة نارية كافية لإسقاط صواريخ مثل “إسكندر” وطائرات “جيران – 2” المسيرة الجديدة المزودة بمحركات نفاثة.
وقال زيلينسكي إن رفع ترمب العقوبات عن صادرات الوقود منح بوتين طوق نجاة، فرد ترمب بالدعوة إلى استبدال زيلينسكي وحمله مسؤولية استمرار الحرب في أوكرانيا. في المقابل، اعتبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي وحلفاء واشنطن، بينهم بريطانيا وكندا، أن ترمب مخطئ.
وأفادت تقارير أيضاً بأن إدارة ترمب حذرت أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين من أن واشنطن قد تعلق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وكذلك مشتريات الدول الأوروبية من الأسلحة الأميركية لأوكرانيا، إذا لم توقف كييف ضرباتها في العمق الروسي على منشآت الطاقة.
ويجد الأميركيون وحلفاء واشنطن وخصومها حول العالم أنفسهم أمام رئيس يخوض حرباً كارثية في الشرق الأوسط، ويتبنى في أوروبا نهجاً يصعب حتى وصفه بأنه استراتيجية. وفي الداخل، تتفاقم أزمة الوقود الأميركية مع تعطل إمدادات الوقود من الخليج والسعودية، فيما تعلن روسيا عزمها على توجيه مزيد من الموارد إلى الحرب، على رغم ما يسببه ذلك من إنهاك لاقتصادها المحلي.
ومع قصف الحوثيين المتحالفين مع إيران مطار الرياض الرئيس للمرة الثانية خلال خمسة أيام، تواجه الولايات المتحدة التزامات عسكرية إضافية لا تكاد تملك القدرة على تحملها.
ولم تنجح مناورة الديزل من أجل السلام في تحقيق أي سلام، بل جاءت بمزيد من الحرب في أوروبا والخليج وشبه الجزيرة العربية، فيما لا تلوح في الأفق أي استراتيجية للخروج، ولا حتى خطة سلام معقولة.
