ملخص
صحيح أن نشوة الديمقراطيين بالفوز وخصوم أميركا بخسارة الجمهوريين كبيرة، غير أن الكل مضطر في النهاية إلى العودة لمواجهة الواقع ومشكلاته وتحدياته، فلا أميركا عادت لنفسها، بحسب شعارات الديمقراطيين، ولا ترمب صار من الماضي، ولا الحزب الجمهوري خسر ما لا يمكن تعويضه بعد عامين. ولعل ما يحتاج إليه كل من الحزبين الديمقراطي المنتشي والجمهوري المصدوم هو إعادة النظر في امور أساسية إلى حد مطالبة كثيرين بالولادة من جديد، ولا مهرب أمام الديمقراطيين من التوحد ضمن التنوع، وأمام الجمهوريين من استعادة الحزب من ترمب.
أميركا تمتحن نفسها والعالم كل أربع سنوات في الانتخابات الرئاسية، وكل سنتين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ولیس تبادل الصعود والهبوط بين الموجة الزرقاء الديمقراطية والموجة الحمراء الجمهورية سوى مشهد كلاسيكي، بصرف النظر عما يرافقه من مبالغات دراماتيكية، فالقاعدة هي أن يخسر انتخابات التجديد النصفي حزب الرئيس الجالس في البيت الأبيض. والاستثناء هو العكس، ولم يحصل إلا نادراً منذ الحرب العالمية الثانية. والرئيس دونالد ترمب الذي لا يحب الخسارة عمل كل ما يمكنه حتى في تغيير خرائط المقاعد النيابية لكي يحافظ على الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ والنواب، فخسر ما كان يتصور أنه سيربحه.
هو عادة يلجأ إلى إنكار أية خسارة، إذ لا يزال حتى اليوم ينكر أنه خسر الانتخابات الرئاسية عام 2020 أمام جو بایدن، لكنه هذه المرة اعترف بخسارة الكونغرس أمام الديمقراطيين، لا بل سارع إلى تحميل حرب إيران معظم المسؤولية عن الخسارة في محاولة للهرب من الاعتراف بسياساته الداخلية الخاطئة، وفي طليعتها رفع الرسوم الجمركية الذي قاد إلى ارتفاع الأسعار على المواطن الأميركي. وكان، كما قال بول كروغمان الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، نوعاً من “حرب طبقية ضد أكثر من 80 في المئة من الأميركيين بحيث تنتقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء”.ومن الطبيعي أن تتصدر النقاشات داخل أمیركا وخارجها مسألة حرب إیران ودورها في تناقص شعبية ترمب، ودور نتنياهو في جره إلى حسابات خاطئة حول النظام الإيراني، لكن من الصعب تجاهل الوجه الآخر للموضوع، وهو أن ترمب خسر بسبب نوع الحرب التي خاضها، لا بسبب الأهداف المعلنة للحرب. حرب يشتد فيها القتال لأيام ثم يهدأ لمطالبة طهران بصفقة، حرب من أجل صفقة، حرب ناقصة. وبعضهم يتصور أنه لو أکمل الحرب لدعمه الأميركيون وحصل على صفقة، بدلاً من أن يبدو، أقله في نظر إيران وأذرعها وشركائها الصينيين والروس، کأنه خسر الحرب والصفقة. لا بل إن طهران مستعدة اليوم للتشدد أكثر في شروط التسوية التي لم يستطع ترمب قبولها، وربما صار مضطراً إلى قبولها إن لم يكمل الحرب.
وإذا كانت “الحرب هي طريقة الله لتعليم الأميركيين الجغرافيا” كما قال أندروز بيرس، وهو محارب اتحادي في الحرب الأهلية الأميركية، فإن الصدمة هي طريقة الأميركيين لتعليم ترمب التاريخ. وهو كان محتاجاً، ضد إرادته، إلى صدمة ليدرك أنه لا يستطيع قولبة أميركا والعالم كما يريد بقوة المنصب والآلة العسكرية. وهو “آمن مع مستشارية بأن العمل الأحادي من واشنطن يجبر الآخرين على الانصياع للشروط الأميركية”، بحسب كوري شاك من مؤسسة “إنتربرايز”، فضلاً عن أنه تجاهل التغيير الديموغرافي الحاصل في المجتمع الأميركي، بحيث صار الصوت اللاتيني والصوت الآسيوي مؤثرين جداً في الانتخابات.
الرئيس ريتشارد نيكسون يسجل في كتاب “ما وراء السلام” أن الآباء المؤسسين “صنعوا حكومة قوية كفاية لحماية أمنهم، وليست قوية كفاية لتهديد حريتهم”، وما فعله ترمب في السعي إلى التشبه بالرئيس فلاديمير بوتين والرئيس شي جينبينغ هو جعل الحكومة القوية لحماية أميركا قوية أيضاً لتهديد حرية الأميركيين.
وفي بدايات الجمهورية الأميركية أرسل الآباء المؤسسون بنيامين فرانكلين إلى لندن وتوماس جيفرسون إلى باريس للتنقيب في الكتب عن أسباب سقوط الجمهوريات، والخلاصة التي عاد بها الموفدان أن “الحسد لا الحقد هو السبب”، لماذا؟ لأن الحسد يقدم نفسه بأسماء جميلة “طبقة ضد طبقة، مدينة ضد مدينة، عائلة ضد عائلة”، ولذلك صاغوا نظاماً ضد الحسد، لكن ترمب عمل على تعميق الانقسام الداخلي وتعميق سياسات الحقد وتفوق العرق الأبيض وتوظيف الحسد وفتح المعارك ضد حلفاء أميركا وشركائها والمساومة مع خصومها، والوقت أمامه قصير.
صحيح أن نشوة الديمقراطيين بالفوز وخصوم أميركا بخسارة الجمهوريين كبيرة، غير أن الكل مضطر في النهاية إلى العودة لمواجهة الواقع ومشكلاته وتحدياته، فلا أميركا عادت لنفسها، بحسب شعارات الديمقراطيين، ولا ترمب صار من الماضي، ولا الحزب الجمهوري خسر ما لا يمكن تعويضه بعد عامين. ولعل ما يحتاج إليه كل من الحزبين الديمقراطي المنتشي والجمهوري المصدوم هو إعادة النظر في امور أساسية إلى حد مطالبة كثيرين بالولادة من جديد، ولا مهرب أمام الديمقراطيين من التوحد ضمن التنوع، وأمام الجمهوريين من استعادة الحزب من ترمب.
والملف الساخن والعاجل قبل أن يصبح ترمب “بطة عرجاء”، هو إجراء موازنة بين كلفة معاودة الحرب وكلفة التسوية قبل أي قرار.
وأسوأ سيناريو هو استمرار اللاحرب واللاسلم، والأشد سوءاً وخطورة هو إدارة الحرب بالتقسيط وبلا شركاء، وإدارة التسوية بعقلية التاجر المولع بالصفقات ولو على حساب المصالح الأساسية والأهداف الاستراتيجية،
