ساطع نورالدين… كاتب لبناني
عدا طبول الحرب التي تصمّ الآذان، هذه الأيام، والتي يتوقع ان تصمت منتصف ليلة الغد، ليعود دويّ الصواريخ والتفجيرات الى سابق عهده..ويتضح خيار الناخب الإسرائيلي، الذي كاد يبدو في الأسبوعين الماضيين وكأنه خيار يوم القيامة.
قبل ذلك الصمت، يمكن القول ان تلك الطبول، وشريكتها الأميركية، قدمت طوال الأسبوعين الماضيين، واحداً من أقوى عروض الموسيقى العسكرية وأكثرها تأثيراً في التاريخ الحديث، التي بهرت الجمهور الإسرائيلي والأميركي ايضاً، وحيّرت الجمهور العربي والعالمي، الذي لم يستطع أن يميز بين ما هو تعبئة وما هو خدعة، وبين ما هو موجّه حصراً الى الناخبين الإسرائيليين، والاميركيين، وبين ما هو موجّه الى القيادة الإيرانية وأذرعها العربية، التي يبدو أنها لم تتأثر كثيراً، ولم تتزحزح عن الإلتزام بموقف عدمي يفيد بأنه لم يعد لديها ما يمكن أن تخسره..سوى مضيق هرمز.
وهنا لن يكون من الصعب الاستنتاج ان حملة التهويل الإسرائيلية خاصة، والتي بلغت حد إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انه أمر جيشه الأسبوع الماضي بأن يكون على أهبة الاستعداد لاسقاط النظام الإيراني، باعتباره الختام الوحيد للحرب، لم تؤد غرضها، بل ربما ساهمت في تمديد عمر ذلك النظام، الذي يعاني الويلات الاقتصادية، لا سيما بعدما أقفلت واشنطن معابر حدوده الحيوية مع العراق وباكستان! الحرب كانت ولا تزال خلاصه الوحيد. والبرنامج النووي هو ذريعته النهائية، التي لم تقنع أحداً بأنها سلاح أهم من مضيق هرمز الذي تسبب بحرائق في العواصم الأوروبية، لكنه لم يخرج تظاهرة واحدة في أي مدينة أميركية.
بعد الضجيج الإسرائيلي، تعود الأمور الى حقيقتها التي ستحسم خلال الساعات المقبلة، عندما يتبين ان نتنياهو كان يرغي ويزبد من أجل ان يضمن ان مستوطنات الشمال الإسرائيلي من كريات شمونة شرقاً الى شلومي وصولا الى نهاريا على البحر، ستظل تعطي حزبه، الليكود، وحده أكثر من نصف أصواتها، وتمنحه ثلاثة مقاعد في الكنيست المقبل..مقابل ما قدمه لسكان تلك المستوطنات في نزوحهم من إقامات في فنادق خمسة نجوم، وأدلة مثبتة على أن حزب الله لم يعد يستطيع ان ينزلهم الى الملاجىء بعد اليوم!
حتى الحزب نفسه، لم يتأثر بتلك الضوضاء الإسرائيلية. فهو جاهر بأنه ما زال يهرب المتفجرات التي كانت سلاحه الامضى في سنوات المواجهة الاولى مع الاحتلال الإسرائيلي في ثمانينات القرن الماضي، قبل ان يمتلك ويستخدم الصواريخ المضادة للمصلحة الوطنية اللبنانية، والمفيدة للمصلحة الإيرانية.. وإنخرط الحزب في لعبة الغموض البناء، حول نواياها الحقيقية في المرحلة المقبلة، وما إذا ينام على عبوات ” سي 4 ” أو “تي أن تي”، أم ان جهوزيته المعلنة للقتال، تعتمد على أسلحة أخرى.
لكن غموض الحزب، لم يفصح عما إذا كان يميل الى “التصويت” لنتنياهو وحزبه، كما المح مرة في الماضي، أم أنه بات يتحلى بالتواضع، ويترك للناخب الإسرائيلي لا سيما في مستوطنات الشمال ان يقرر بنفسه ما هي مصلحته: البقاء في فنادق الخمسة نجوم، أم العودة الى منازل، لم يبق مقابلها حجر على حجر من بيوت لبنانية عزيزة في المنطقة الصفراء.
احتمال الخطأ في الحساب سواء من جهة الحزب ام من جهة نتيناهو، وارد طبعاً في أي لحظة. طالما ان الحرب لن تحقق أي هدف نسيه الإسرائيليون والأميركيون في الجولات السابقة.. ولن تخفي الكلمة الوحيدة “العاقلة” التي نطق بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الايام القليلة الماضية، عندما قال أن خياره الأهم هو تدمير إيران أو ترك الحرب تأخذ مجراها الحالي الى ما لا نهاية، وتتحول مع السنين الى طبيعة ثانية، وثابتة للصراع على منطقة الخليج.. صراع المئة عام الذي لم يمض منه سوى أربعة او خمسة عقود.
بيروت في 26 / 10 / 2026