بشير أمين ـ كاتب سوري
إن خسارة “قوّات سوريا الديمقراطية” كثيراً من قوّتها وحلّ نفسها، جعلها تخسر الكثير من حاضنتها الشعبية التي كانت قائمة بالأساس على توفير الحماية، وهذا يُعيدنا إلى الأعلام الكردية التي أُفرج عنها ليلة إعلان النفير العامّ، حين نزل الكرد السوريون إلى الشارع ليتخلّوا عن أعلام “قسد” التي تُبرز خارطة سوريا، وهلّلوا بعنفوان وغضب لأعلام كردستان وصور الزعيم الكردي مسعود برزاني.
رغم منعه لسنوات، عاد رفع علم كوردستان ذي الأشرطة الثلاثة المتساوية (أحمر أبيض وأخضر، تتوسطه شمس صفراء ذهبية) ليُسمح برفعه في شوارع القامشلي في كانون الثاني/ يناير 2026 عندما بدا لكرد سوريا أنهم أمام معركة وجودية وشيكة.
التفّ الكرد حول كلمة وبندقية واحدة، نحّوا خلافاتهم الحزبية، واختلافاتهم الفكرية، وشهد الكرد السوريون لحظة وحدة نادرة للشارع الكردي وجمهوري قطبي حركتها السياسية وسط إعلان النفير العامّ.
هذا الإفراج عن العلم لم يكن لحظة عاطفية قومية فحسب، بل حمل رمزية سياسية عالية بالنسبة إلى كرد سوريا، أعادت أسئلة جوهرية حول التمثيل السياسي للقضيّة الكردية وسؤال السيادة الكردي. إذ شهد الحراك حينها إصراراً على رفع علم كردستان إلى جانب صور لمسعود البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في كردستان العراق، وعادت بكثافة غير مسبوقة في تحدٍ لقرار منعها وإعلاناً شعبياً لتجاوز مشروع “أخوة الشعوب”. في حين الإدارة الذاتية لم تتبنَ هذا العلم لمشروعها رغم كونه يُعتبر العلم القومي بالنسبة لمعظم الكورد واعتبرته ملازماً لإقليم كردستان العراق، ثم منعته لاحقاً إثر خلافاتها السياسية. في المقابل تبنّت علم “حركة المجتمع الديمقراطي” ذي الأشرطة الأفقية الثلاثة (الأصفر، الأحمر، الأخضر) وما يُنسب إليه عادة بعلم حزب الاتحاد الديموقراطي PYD.
فماذا يعني أن يعود علم بعد منع استمرّ لسنوات؟ وما هي الأبعاد السياسية إلى جانب البعد الرمزي.
الأسطر التالية تناقش الخلاف حول أحقية السيادة وامتلاك القرار الكردي. لكن ذلك لا يُنسينا النقاش حول العلم السوري الحالي، الذي مُنع لسنوات أيضاً، في سياق السيادة ذاته. بل وتتجاوزها ليصبح سؤال المحاور والتحالفات المرحلية والاقليمية أيضاً، خاصة مع خروج مظاهرات في أحياء الحسكة تطالب “بفرض السيادة” على المحافظة. و سأناقش ذلك في مقال منفصل من المنظور “الحسكاوي” عربياً وكردياً بعد تفكيك السؤال الكردي الداخلي أولاً.
لعقد ونيّف احتكرت الإدارة الذاتية القرار السيادي لهذه المنطقة لصالح حزب “الاتحاد الديمقراطي” ومنظومتها، ولم تقبل سوى ببعض الأحزاب المنضوية تحت مظلّتها، التي لم تكن قادرة على المشاركة في القرارات السيادية. ومع اصطفاف “المجلس الوطني الكردي” مع “الائتلاف الوطني” المعارض وبحثها الحثيث لإيجاد مقعد لها على طاولة المفاوضات السورية في المحافل الدولية، اشتدّ الخلاف بين الطرفين لينتهي بإقصاء “المجلس الوطني الكردي” من المشهد السياسي بشكل كامل تقريباً، بالإضافة إلى اعتداءات على شخصيّات قيادية في أحزاب هذا المجلس وممتلكاتهم، بل ووصل الأمر إلى نفي بعضهم، ولكن لهذا المشهد جانبان أساسيان يتوجّب توضيحها.
يرتكز الجانب الأوّل في عدم فاعلية “المجلس الوطني الكردي” على التحشيد السياسي، وذلك أن أدواته السياسية كانت ولا تزال رهينة بيانات الاستنكار والشجب، وبنية أحزابه مبنيّة في كثير من جوانبها على ركائز عائلية وعشائرية. اكتسبت هذه الأحزاب مشروعيتها بالأساس ممّا ورثته عن الأحزاب الأمّ التي تأسّست في بدايات القرن المنصرم، ورغم قدرتها على ممارسة النشاط السياسي السري وبثّ الوعي للتمسّك بالهويّة القومية وتعلّم اللغة الكردية سرّاً وتوزيع المناشير الحزبية، فإن انطلاق الانتفاضة السورية والحرب التي تلتها كشفت محدودية إمكانات هذه الأحزاب، الأمر الذي مكّن حزب “الاتحاد الديمقراطي” المتبنّي لأفكار عبد الله أوجلان أن يتصدّر المشهد.
في الجانب الثاني، امتلك حزب “الاتحاد الديمقراطي” مهارة تحشيد الشارع الكردي وتجنيده ضد أولى مصادر النيران على مدينة رأس العين في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2012، ولاحقاً بناء جيش من خلال “وحدات حماية الشعب” وصولاً إلى بناء “قوّات سوريا الديمقراطية”. بالاستعانة بكوادر حزب “العمّال الكردستاني” من السوريين المتطوّعين فيه، بالعودة إلى سوريا وبناء “وحدات حماية الشعب”؛ سيبان حمو مثالاً، وامتلاكها شبكة علاقات إقليمية استطاع الحزب فهم الخيوط المتشابكة للحرب السورية وبالتالي القدرة على إنشاء تحالفات أو خوض معارك مع أطراف متعدّدة.
في السنوات الأولى تمكّنت “قوّات حماية الشعب” من حماية المناطق من نظام الأسد وابتزازها بشكل كافٍ مكّنها من السيطرة على مناطق واسعة من دون معارك كبيرة، وركزّت قوّتها في صدّ الإسلاميين المدعومين من تركيا.
هذان الجانبان لا يلغيان حقيقة تسلّط حزب “الاتحاد الديمقراطي” واقصائه أحزاب “المجلس الوطني الكردي”، لكنّه أيضاً يوضح إمكانيات طرف كان قادراً على تحمّل أعباء حرب معقّدة كالحرب السورية وفهم تعقيداتها، بينما الطرف الآخر الذي بقي معتمداً على رصيده من النضال السلمي والتقليدي.
لا يخفى على أحد، عمق التباينات الفكرية والاصطفاف الأيديولوجي بين قطبين: قطب مرجعيته مرتبطة بحراك يساري راديكالي ينتهج العنف الثوري ويتبنّى أفكار حزب “العمّال الكردستاني” مع بعض الاستقلالية المختلف عليها للقرار السوري فيه، وأحزاب “المجلس الوطني الكردي” التي انتهجت أيضاً من ثورة البرزاني ونموذج كردستان العراق مرجعية لها، وحاولت جاهدة الدفع نحو استنساخ تجربتها في سوريا، وشكلّت في كردستان العراق تحت إشراف حكومة الإقليم، بيشمركة سورية (روج) ضمّت جنوداً كرداً منشقّين عن نظام الأسد، لكن دون قدرة على تحريكها، ليبقى الكرد السوريون دون مرجعية كردية سورية واضحة، الأمر الذي يحاكي تاريخ الحركة الكردية ولا يتناقض مع مساراتها.
اليوم، وبعد دخول عمليّة الدمج مراحل متقدّمة، ودخول شخصيّات من “المجلس الوطني الكردي” إلى مجلس الشعب السوري المزعوم، فإن الخارطة البيانية للتمثيل الكردي في سوريا بدأت تتغيّر. فـ”المجلس الوطني الكردي” ورغم تمثيله الضعيف يعود لينافس على مساحته الخاصّة في سوريا وبدعم من إقليم كردستان العراق. خاصّة بعد وساطة الإقليم ودورها الفاعل في عمليّة الدمج، وعلاقاتها الطيّبة مع السلطة السورية المؤقّتة. وقد أكدّ السيّد نيجرفان برزاني رئيس إقليم كردستان أن زيارته دمشق تتجاوز كونه قائداً كردياً إلى كونه سياسياً عراقياً، ممّا يجعله يلعب دوراً أساسياً في تقريب وجهات النظر بين سلطة الشرع وحكومة العراق.
بالإضافة إلى ذلك، فإن خسارة “قوّات سوريا الديمقراطية” كثيراً من قوّتها وحلّ نفسها، جعلها تخسر الكثير من حاضنتها الشعبية التي كانت قائمة بالأساس على توفير الحماية، وهذا يُعيدنا إلى الأعلام الكردية التي أُفرج عنها ليلة إعلان النفير العامّ، حين نزل الكرد السوريون إلى الشارع ليتخلّوا عن أعلام “قسد” التي تُبرز خارطة سوريا، وهلّلوا بعنفوان وغضب لأعلام كردستان وصور الزعيم الكردي مسعود برزاني.
رغم تغيّر هذه الخارطة فإن المرجعية الكردية لا تزال تبحث عن استقلاليتها الخاصّة. تقرّب مظلوم عبدي مؤخّراً من قيادة إقليم كردستان، وتلقّى انتقادات لاذعة من جميل بايق القيادي في حزب “العمّال الكردستاني” بسبب قبوله منصب المستشار لدى الرئاسة السورية، وطلب من عناصر حزب “العمّال الكردستاني” من غير السوريين مغادرة سوريا، بالإضافة إلى إبدائه مرونة لتلقّي انتقادات بفشل مشروع “أخوّة الشعوب”.
كل هذا يفتح المجال أمام تساؤلات عن رغبات عبدي السياسية، ومع ازدياد الحديث عن المستشار على نيّته بناء تحالف كردي جديد، قد تكون المحاولة الأكثر جدّية، في بناء مرجعية لكرد سوريا مستقلّة عن قطبية (أربيل- قنديل) وفرصة لإعادة تفعيل مقرّرات ومبادئ كونفرانس المرجعية الكردية في نيسان/أبريل 2025.
لكن يبقى التحدّي الأكبر أمام الأحزاب الكردية هو كيفية تجاوز خلافاتها الفكرية والحزبية المتجذّرة، وكيفية تمكين هذه الأحزاب التي كانت خارج الفاعلية السياسية لسنوات وذات بنى تنظيمية متهالكة وتفتقر لأدوات السيطرة والقوّة مقابل طرف تمكّن خلال أكثر من عقد من بناء تحالفات إقليمية ودولية، بل إيجاد صوت له في غرف صناعة القرار في دمشق.
وربما لهذا السبب تحديداً كان مشهد علم كردستان في القامشلي أكثر من لحظة نفير عامّ لمعركة. كان علامة على أن مرحلة سياسية كاملة بدأت تنتهي، وأن الكرد السوريين برفعهم العلم الكردستاني يُعيدون سؤال المرجعية الكردية من جديد.