قبل أن تكون هناك الرواية، كان هناك الشعر والمسرح والأسطورة. “الرواية” أتت لتكون شاملة، تجمع الأجناس الأدبية التي سبقتها في التعبير في أدق تفاصيلها التعبيرية الزمانية والمكانية، لما تحمله من دلالات إيحائية في الفكرة المراد رويها، فلا يمكن أن يكون السرد بدون بنية جغرافية واقعية أو خيالية، وبدون زمن معلوم في تاريخه، عبر شخصيات أولية وثانوية تلائم الفكرة. وتكون الأنا لتلك الشخصيات جماعية تمثل طائفة عرقية دينية، أو جماعة قومية، أو الشعب في دولة ما، أو ربما أنا الحي والشارع، وربما تكون تلك الأنا نفسانية بحتة حين تطرح الرواية فكرة نفسية تحاكي عمق الإنسان.
إذًا، هي لم تأتِ من العدم، بل من أجناس أدبية أخرى. ولم تأتِ عبثًا أو استكمالًا للأجناس السابقة، بل أتت كضرورة ملحة لتخبرنا بأشياءٍ ومعلومات لم تستطع تلك الأجناس إخبارنا بها، أو ربما لم تكن تلك الأجناس جديرة بالمعلومة.
إذًا، ما هي الرواية؟
هي من فعل الروي؛ استحضار فكرة من عمق التاريخ، فهذا الجنس الأدبي ساعي بريد متقن لعمله، ويمكن أن نطلق على هذا الجنس الأدبي: التنبؤية الأدبية، ربما لأنها تأتي إلينا بفكرة ربما تحصل في المستقبل أو واقع موازٍ.
هي “الرواية” ساعي بريد لأيامنا القادمة، كما في رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل (دار الشروق، مصر، 2009، ترجمة شامل أباظة)، ذات البعد الرمزي في عناصرها، حيث يخاطبنا أورويل بصيغة الواعي العليم بالثورات حين تنتصر، ووصول الحكّام الجدد إلى السلطة بعد الإطاحة بالحاكم الأول، والتغيرات التي تقوم بها تلك السلطة الجديدة انطلاقًا من مبادئها الثورية، كالدستور والقوانين العامة مثلًا. لكن فيما بعد تجري تعديلات عليها بما يتناسب ومصلحة الطبقة الحاكمة، من دون اعتبار لمصلحة الشعب، كما في “مزرعة الحيوان” تمامًا، التي ينص دستورها بعد انتصار ثورتهم على سبع وصايا، هي: “كل من يمشي على رجلين اثنين إنما هو من الأعداء، وكل من يدب على أربع أو له جناحان إنما هو من الأصدقاء، وغير مسموح للحيوانات بارتداء الملابس والنوم على الأسرّة، وغير مسموح لها بشرب الخمر. وعلى الحيوان ألّا يقتل حيوانًا آخرَ، وكل الحيوانات سواسية”. لكن هذه الوصايا السبع ستتغير تبعًا لمصلحة الحاكم. إنها رواية تنتقد الثورات حين تنتصر وتصبح هي حكومة الدولة.
تقول الرواية: مستر جونز هو صاحب مزرعة مانور، يقوم باستغلال حيوانات مزرعته لمصلحته الشخصيّة دون الرفق بها. يفوز الخنزير ماجور في جائزة باسم “فتى ويلنجدون الجميل”. هنا إشارة صريحة إلى استغلال الحيوان من قبل الإنسان، ففعليًا ماجور الخنزير هو الفائز، لكن التكريم تم باسم الفتى. وفي الأساس الحيوانات في المزرعة تتعرض لأبشع الاستغلال، مثل عدم حقها الكافي في الراحة. يمثل ماجور الخنزير دور العاقل والمرشد، والحيوانات جميعها كانت على اتفاق مسبق للاستماع إلى حلم ماجور، والذي ينص: “أما من جانبنا، معشر الحيوانات، فهل كُتب علينا الاستسلام لهذه الأوضاع على أنها من طبائع الأشياء؟ إن الثورة هي رسالتي إليكم، أيها الرفاق، وإن كنت لا أستطيع أن أتنبأ لكم بموعدها، فقد تتحقق بعد أسبوع أو بعد مائة عام، في الحظيرة بعد أن ينام مستر جونز”.
استنطاق الحيوان لتعرية الثورات
الحلم كان بمثابة الدعوة إلى الثورة انطلاقًا من الواقع المعاش للحيوانات، وجورج أورويل (1903–1950م) استنطق الحيوان. التعبير مجازي لأن الأنظمة الديكتاتورية لا ترى الإنسان إنسانًا، بل تراه حيوانًا مدجنًا في مزرعته، وصاحب العمل يقصد به استنطاق الإنسان المظلوم للقيام بالثورة ضد جلاده، ابتداءً من نبل أسبابها حتى نجاحها وتشكيل سلطة.
والانحراف الذي يحصل للثورة هو نتيجة تداخل المصالح الشخصية مع المصلحة العامة. الحالم يفارق الحياة ويصبح حلمه مذهبًا ثوريًا يُسمى بالمذهب الحيواني. وقد أخذت الخنازير، لمّا كانت تتمتع بالذكاء، مهمة نشر نبوءته، إذ عملت على نشر الوعي بين الحيوانات وتنظيمها. والثورة بدأت حينما شعرت الحيوانات بالجوع، بينما كان مستر جونز يقرأ الصحيفة، وعمال المزرعة كانوا قد تحولوا إلى شلة من الكسالى، وذلك بعد فقدان مستر جونز ثروته. وتراخى النظام في المزرعة، حيث تشققت الجدران والأسقف، والحيوانات أُهملت، ثم ما لبثت أن دفعت إحدى الأبقار أبواب المخزن بقرنيها، فاندفعت بقية الحيوانات، واستيقظ مستر جونز من نومه واستدعى بقية العمال الذين كانوا في رحلة صيد الأرانب، لينهالوا جميعًا بالضرب بالسياط على حيوانات المزرعة في محاولة منهم لإعادتهم إلى المخازن، ويعني طاعة الحكم: “قمع ثورتهم — ثورة الحيوانات ضد الحاكم”، لكن الحيوانات كانت متحدة فيما بينها، إشارة من الكاتب إلى إيمان الحيوانات بثورتها، لذا لم يستطع العمال قمعها، فلاذوا بالفرار خارج المزرعة، وبذلك انتصرت ثورتها.
يشير الكاتب إلى أن الجوع والإهمال هما سبب للثورة، وللكلمتين مترادفان؛ مثلًا، الجوع تقابله الذات، والإهمال تقابله الإهانة، بذلك تكون إهانة الذات هي سبب وجيه للثورة. في الحديث عن سردية الثورة، يستخدم الكاتب تقنية تسريع السرد، إشارة منه إلى سرعة انهيار المنظومة الديكتاتورية. قبل الثورة كان اسمها “مزرعة مانور”، يحكمها مستر جونز، وبعد انتصارها أصبح اسمها “مزرعة الحيوان”، يحكمها الخنازير، حيث حلمت الحيوانات أنها ستكون جمهورية الهناء والعيش الكريم، لكن الأمور لم تكن كما حملت أولى بشائر الديكتاتورية. بدأت بقضية اختفاء اللبن من المزرعة، وكانت الخنازير، “السلطة الحاكمة”، هي من تأكلها سرًا بعد أن كان متفقًا أنها ستتوزع بالتساوي بينها، وحين علمت الحيوانات بذلك، بررت الخنازير أنها تفيد في تعزيز الطاقة الذهنية للقيام بمهامها على أكمل وجهٍ وتنفيذ الأوامر بدون أي تساؤل؛ ثم وعدم الالتزام بالوصايا السبع في التعامل مع البشر، بعد أن كان التعامل معهم محظورًا وفقًا للوصايا التي هي بمثابة دستور المزرعة. كما أن الخنازير انتقلت للسكن في منزل مستر جون، “منزل بشري”. وبذلك أيضًا خالفت الوصايا، لكن كان هناك مبرر للقيام بذلك الفعل، فهي العقل المدبر للمزرعة، ويجب أن تقيم في مكان هادئ للقيام بمهامها.
آنذاك كان لقب نابليون هو الزعيم، ثم بدأ نابليون بالاستيلاء على سلطة الحكم عبر سلسلة من الاتهامات بحق سنوبول، كتحريض الحيوانات على الوصايا باطلًا، وهكذا دواليك زادت حدة المخالفات للوصايا من قبل الطبقة الحاكمة، بل وتغيرت وأصبحت في اختصارها: “كل الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة بعضها لبعض”، رغم أن هناك بندًا في الوصايا السبع يشير إلى أن كل الحيوانات سواسية، بذلك تأسست ديكتاتورية جديدة على مقاس مصلحة السلطة.
الرواية ذات نهاية مفتوحة، وهي حركة أدبية عامدة، فالراوي عليم بالثورات وخفاياه، فالثورة هنا كانت رد فعل على سلطة مستر جونز وممارساته، ولم تكن بناءً على الوعي ورغبة في التحرر، لذا لم تختلف السلطة الجديدة عن الذي سبقتها سوى بالأفراد؛ السلطة الجديدة هي الابنة الشرعية للأولى.
كما أن “الرواية” يمكن أن تكون “واقعًا موازيًا” لعالمنا الحقيقي، كما في رواية “1984” للكاتب نفسه، أورويل، وفيها يشير إلى السلطات التي تتحكم بالفرد وتحاول القضاء عليه من خلال العديد من الأنا، إذ تسعى كل منها لأن تخلق فردًا على مقاس مصلحتها: مصلحة الحزب، مصلحة القائد ومصلحة الأخ الأكبر.
“1984” هي رواية، لكن وفقًا لعلم الصحافة هي قصة خبرية عن واقع الحياة الاجتماعية في دولة تحكمها عقلية شمولية، تسعى جاهدة لوضع مقطورة الفرد على سكة قطار الجماعة، خالقة فردًا مطيعًا مؤمنًا لأوامر الحزب وأفكاره، من دون أن تكون له وجهة نظر نقدية على تصرفات الحزب وهيئاته. سردها أورويل بلغة تعريفية ناسبت الأحداث عبر شخصية ونستون، المتخيل السردي، مستوضحًا استحواذ الحزب على آلية التفكير والتحكم بالمشاعر والملابس وصفات المنادى بها وتربية الأطفال وفقًا لأيديولوجيا الحزب، كما أطفال السيدة بارصون الذين اعتادوا الاستمتاع بمشاهد عمليات الإعدام التي كانت السلطات تقوم بها في الساحة العامة؛ الأمر أشبه بنزهة ما أو الذهاب إلى مدينة الألعاب، وعبر مؤسساتها. و”اتحاد الجواسيس” استطاع رضخ العقول لخدمته، وهُدمت الأسرة بمفهومها الفسيولوجي، وكُوّنت الأسرة الحزبية.
تقارير صحيفة التايمز تشير إلى قيام الطفل بالإبلاغ عن والديه بتهمة خيانة الفكر، في إشارة صريحة إلى هيمنة الحزب، إضافة إلى خلق “ابتكار” لغة جديدة تناسب فكر الحزب وسياساته وتلائم الواقع الحي لترسيخ فكره. فاللغة بحالتها المنطقية هي أداة تواصلية، لكن اللغة الجديدة التي تم اختراعها من قبل الحزب غايتها تضييق أفق التفكير والسطو على معانيه، فالحرب وفقًا لقاموس هذه اللغة المبتكرة هي السلام، والجهل يعني القوة، والحرية تعني العبودية، وذلك معناه الاستحواذ. الحزب استحوذ على الأسرة، وابتكر لغة جديدة يرافقها الاستحواذ على التاريخ، سواء كان في الماضي أو في الحاضر، فكل شيء يسجل وفقًا لرؤية الحزب.