ملخص
الشاعر اللبناني يوسف بزّي (1967) النّاجي من عواصف الحروب ومهالكها، شأن بقيّة مواطنيه اللائذين بالحياة أو ببعضها، يصدر ديوانا جديداً ، بعنوان “الشمس كلّها في وجهي” ( دار رياض الريّس 2026)، يستكمل فيه بناء عالمه الشعري الذي ارساه منذ أكثر من سبع وثلاثين عاماً، وابدع في خلالها سبع مجموعات شعرية وأعمالاً نثرية أخرى.
في مستهلّ الكلام على شعر يوسف بزّي، ولا سيما ما انتهى إليه، في كتابه الجديد “الشّمسُ كلّها في وجهي”، يمكن القول إنّه شعر الحدود، أي الموازين (القوالب، الأنواع، الأساليب، المواضيع) وما يتجاوزها، شعر السياسة وأكثر منها، والوصف وما يتجاوزه، والقسوة وما ينأى بها عنها، والغنائية وما لا يُكتفى بها. الشعر لدى يوسف بزّي، بناء على معرفة القارىء وقراءته لأعماله السابقة هو هذه كلّها في آن، إلى أن يفِدَ عنصرٌ جديدٌ، من خلال تجربة شعرية جديدة، فيدخل رحاب الشعر عنده، ويستحقّ اندماجه في جدارية عالمه ولغته الشعرية الفريدة.
شعر القسوة سابقاً
هذا ما يسعني، قارئاً، أن استخلصه من تجارب يوسف بزّي الشعرية، السابقة، والتي سوف تستمرّ تلاوينها في جديده، مع تنويعات، ونبرات، وموتيفات، وآفاق، ومعجم، وأساليب لم تكنْ. فعلى سبيل المثال، كان يمكن أن يُنسب إلى الشاعر بزّي كونه شاعر القسوة، في ما مضى من أعماله، ولا سيما في كتبه “بلا مغفرة”، و”فم الغراب”، إذ لم يكن ليأنف من ذكر ألفاظ من مثل السكاكين، والمشارط، والشيطان، والجحيم، والمسلخ، والجراثيم، وغيرها، وذلك تعبيرا له عن عالم واقعيّ . على غرار ما قد يفعله الشاعر الأميركي تشارلز بوكوفسكي في أعماله الشعرية “وتمضي الأيام” و”الأحصنة البرّية أو المتوحّشة” وغيرهما، وإن بمدى أوسع بكثير مما افتتحه الشاعر بزّي وتحدّى به الذائقة الرومنسية العربية المتأنّقة، في حينه.
وبالعودة الى المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر بزّي، “الشمس كلّها في وجهي”، يلفتُ انتباه القرّاء اللوحة الفنية، للفنانة ريم الجندي، زوجة الشاعر، وهي عبارة عن كرسيّ للبحر طويلة، مخططة باللونين الأبيض والأحمر، وسط خلفية لونية بين الأصفر والمائل الى البرتقالي. ويتبيّن للقرّاء أيضا، من الفهرست، أنّ المجموعة الشعرية تنقسم أربعة أقسام كبرى بعناوين ترد على النحو الآتي: مراهق كئيب على شرفة صيفية، ونهاية الأوكسيجين، يليه الحبّ الذي يتحدّث، والحرّية مليئة بالغبار.
طبعاً ليست القصائد متماثلة في بنيتها، ونوعها؛ فمنها ما هي أناشيد، أعني به تجمّعا لقصائد تنضوي تحت عنوان واحد (“بعد ليل القاذفات” على سبيل المثال، والذي يتألّف من 12 قصيدة )، ومناخ شعريّ واحد، ومنها قصائد مفردة متوسّطة الطول، ومنها نصوص تأملية سياسية (“حرب تجريبية”)، ومنها قصائد مفردة طويلة ذات نشيج عالٍ، يأتي الكلام عليها لاحقا، شأن قصيدة “استيريو الأحزان”.
“إرهاصات من سيرة الفتوة”
في القسم الأول من المجموعة الشعرية، وهو بعنوان “مراهق كئيب على شرفة صيفية”، يستعيد الشاعر محطّات من فتوّته، تختلط فيها الذكريات والأحلام بإرهاصات وهواجس يحضر فيها العنف، ومشاهد الصراع العسكري الذي انخرط فيه الفتى الشاعر، من دون وعي منه وما لا يعود خافيا على قرّاء قصائد القسم الأوّل، أنّ الشاعر يلخّص فيها مرحلة من سيرته الذاتية، هي مرحلة الطفولة الأولى والمراهقة، وأنّ الشعر الواقعي، في هذه الحال، يعمل على تسليط الضوء على مشاهد بعينها كانت لا تزال عالقة في النفس وذاكرة الشاعر الحيّة، ويتأنّى في إخراجها على الصوَر المختزلة تلك؛ :”حامل الآرزبي. جي ينطّ من الذاكرة إلى منتصف الشارع،/ يداهمني وجعٌ خفيف في موضع استئصال مرارتي/ تغلبني غيبوبة إضافية داخل المنام -ثانية واحدة-/ أزيد سرعتي ومن صوت الراديو..” .
وفي قصيدة أخرى، يستذكر الشاعر تذوّقه الهمبرغر للمرة الأولى، وهو في العاشرة من عمره، ومشى في حديقة الجامعة الأميركية، وقرأ جبران، وتعرّف الى صالات السينما والمقاهي التي يرتادها الشعراء، ومن ثَم كان عليه أن يخشى دبابات شارون، أوائل الثمانينيات، إبان اجتياح بيروت. ومن ثمَّ يُتبع القصيدة بتعليق ذكيّ، يستبق فيه رأي القارىء التقليدي الذي يأنف من ذكر الأماكن والأمور النافلة (الواقعية) في الشعر، كأنّ الأخير فوق التاريخ العام والخاص، وفوق الأمور الشخصية القليلة القيمة. وبالطبع، يقصد الشاعر في قوله المندرج في باب الميتا شعر بأنّ شعره الواقعي، النازل في قوالب قصيدة النثر غير الجاهزة، يتّسع للسياسة، وللسرد، وللتعليقات المتّصلة بهما، وأنّ السمة الشعرية المستخلصة من النص ماثلة هي في مجموع عناصر النص، ومدلولاته، وصيغه المتداولة والقريبة المتناول، وصوَره الشعرية ، ومشاهده المستمدّة من الواقع الذي به أُثّث العالم مادّة الشعر، عنده.
“بالطبع لا يُكتب الشعر عن أمور ضحلة/ في زمن القتال الأهلي والمجازر، والحرب الكونية الباردة” .
على أنّ قصيدة “في وادي الظلال” (ص:15-16) تكاد تتجاوز السمت الواقعيّ الذي رسمه الشاعر بزّي لشعره، الى الكتابة الرمزية الطفيفة؛ إذ جعل قصيدته على شكل ثلاثيات تبدأ بلازمة، قريبة من عبارة “وادي ظلال الموت” الماثلة في المزمور 23 من التوارة. وفيها يوحي الشاعر بأنّه يتهيّأ له، إذ ينفذ الى اللاوعي، ممثلا بالظلال، أنه يعاين أمه الميتة حيناً، وأباه المقتول حيناً آخر، ويرى إلى نفسه نازفا من أنفه وكئيبا على شرفة صيفية.
بداية الاختناق أو الديستوبيا
في القسم الثاني من المجموعة الشعرية (الشمس …)، وهو بعنوان “نهاية الأوكسيجين”، كناية عن بداية الاختناق، وقد تضمّن نشيديْن وخمس قصائد، وثّقت جميعها لحظات الاختناق التي عاشها الشاعر وناسه، من قصف للطيران الإسرائيلي وتدمير للبنى في بيروت وضواحيها، إبّان الحرب الأخيرة (2023-2024)، وما أصاب الشاعر من حالات الرعب دفعته الى الفرار طلبا للنجاة، والإقامة في سواحل شمال بيروت.
والحال أنّ نشيد “ما بعد ليل القاذفات” الذي يتكوّن من اثنتي عشرة قصيدة، يشكّل جدارية شعرية ضخمة، لمشاهد الحرب غير المتكافئة التي حوّلت المدينة ميدان كوارث، لا طائل منها، والتي أهلكت “نصف روحه”، و يرين عليها كلّها جوّ قاتمٌ من الأسى والوحشة وضياع المعنى، في مقابل قصائد يسودها مناخ الندم على ماضٍ، والاحتفال بجريان الحياة في أماكن اللجوء، والعمل على تحويل شخوصه البشرية المصوّرة الى نماذج شعرية ذات أقدار ثقيلة، ولكنّها لا تكفّ عن الحياة والحبّ والبحث عن المعنى.
“بعدَ أعمار الحرب وأعوام الكمّامات والإقفال العظيم،/ بعد موت بالأطنان فوقَ عمائم سوداء ممزّقة،/ بعد نزوح المليون،/ بعد تبخّر العظام والحديد،/ بعد ليلِ القاذفات ونهاية الأوكسيجين…” .
“تعال أيها البحرُ إلى تشرين، مع سمك الغبُّص،/ والسلحفاة الضخمة الضرورية للخاتمة الشعرية،/ إذ تجمع كروم البلدة وحصى الشاطئ/ والينبوع المختبىء تحت شجر الصبّار حارس المنزل المجنون…” .
بيد أنّ الشاعر لا يكتفي بتجسيد زمن الحرب ولجوئه الى البحر، شمالي بيروت، في جداريته الموصوفة آنفاً، بل يتجاوزها الى توصيف التشوّهات الكبرى التي أصابت بعضاً من اللبنانيين، فجعلتهم ضحايا “لتنانين صغيرة تبرمج مستقبلهم”.
“مليونا كائن يلتهمون أفكاراً ميتة،/ فوقهم طنين تنانين صغيرة إلكترونية تبرمج مستقبلهم،/ في هاتفي مليارات الصوَر، مليارات الأصوات/ جسرٌ منهدمٌ مرّتين، عصفٌ من جهة الغرب، أشجار موز مبتورة الرأس، وحشٌ يتقدّم عبرَ الأنفاق والتلال…” .
وأحسب بعد ذلك أن الديستوبيا، (أو حالة خضوع الناس لسلطان قاهر أو فكر ظلامي، يحول دون عيشهم بهناء)، في الصورة التي قصد الشاعر تكوينها عن الجماعة، من اللبنانيين، التي يعتبرها عرضة لجحيم القصف والتدمير المنهجي، كاملة التوصيفات، في شعره، ما دامت مسؤولة، جزئيا، عن بعض مأساته. وقد أعلن، في غير مكان من كتابه، انفكاكه عنها، واكتفاءه من الحياة بأن يحيا كشخص فرد، لا تعلّق له بجماعة تقودها أوهامها وحروبها الى التهلكة:”سأكون شخصاً لا معادلَ موضوعيا له، لكن أبعد قليلا عن الأموات الصاخبين، المتفائلين والمتشائمين، الذين يكتبون بثقة عاشقة وغباء مقامر.. “.
“سأكون شخصاً لا معادلَ موضوعيا له، لكن أبعد قليلا عن الأموات الصاخبين، المتفائلين والمتشائمين، الذين يكتبون بثقة عاشقة وغباء مقامر… ” .
البحر وسلطة الوهم
قد لا تجوز مقاربة كتاب بزّي الأخير من دون الكلام على أجوائه البحرية التي كرّس لها، فضلاً عن رسمة الغلاف الفنية الجميلة، الغالبية العظمى من القصائد، سواء تلك التي استهلّ بها كتابه الشعري ، ولا سيما في القسم الثاني منه، المشار اليه أعلاه. أو القسمان الآخران في الكتاب (الحب الذي يتحدث، المهدى الى ريم زوجته الرسّامة، والحرية مليئة بالغبار) اللذان جعل الشاعر فيهما البحر وكائناته ومناظره كادرات لمشاهده الشعرية، وتأملاته، وتجاربه:
“البحر يرتجف بزوارقه البيضاء”
“البحر يستمر ولا يكتمل”
“جبنة وخوخ وكومبيوتر قرب كرسي البحر”
“أسبح نحو صخرتي البحرية، المحتشدة بالسلطعون”
“على الطريق البحري القديم: سكة حديد ميتة، شجرة كينا تتمشّى”.
لكنّ البحر، على أهمّيته بالنسبة للشاعر، باعتباره منقذاً له وعائلته من سطوة العنف حيثما كان مقيماً، أو باعتباره مكان الراحة الأثير، لن يعدو كونه مختبراً لمشاعر الذات العميقة عنده، ومنصّة للتأمّل في ما آلت إليه النفس، وما خبرته بفضله، وما تجنّبته الى حينه. يقول في قصيدة “سلطة الوهم” :
“لا ضجر في البحر. فضّة زرقاء متحوّلة وخالدة./ الجمال غير مرئيّ تقريباً،/ مثلاً، الصفحة المطوية من كتابكِ قرب البيسين،/ …لا ضجر في البحر. بياضٌ كثوب إله يلعب/ الوهميّ لا يفقد سلطته…” .
القصيدة والحبّ والغنائية
يدخل الشاعر يوسف بزّي الى قصيدة النثر لديه بعدّة كان راكمها خلال سنوات تجربته الشعرية الثلاثين الماضية. أدواتها معجم غير مترامٍ، إلاّ أنه كافٍ لتأثيث عالمه الشعري، الذي تعمره كائناتٌ مدينية بالأساس، وقدرة كبيرة على لملمة قاموس الأمكنة الأليفة التي يلطأ إليها بصحبة حبيبة له. ولُحمة هذا المعجم جملة إسمية، في الغالب، يجعلها الشاعر تتواتر إلى أن تصادف صيغتها ما يضادّ حركة التواتر. أو يغيّر مسارها وفقاً للمشاهد الشعرية المنقولة، أو للحالات التي يعمل على بسطها أو نقل آثارها في اللغة. ولئن أعانه قالب النشيد الشعري في توسيع فضائه الشعريّ، بغية تتبّع خطوط المعنى في سياقه وترك بقية آثاره للقارىء المتنبّه، فإنّ القصائد المفردة في الكتاب تنبىء بمقدار التغيير الأسلوبي الذي أدخله الشاعر حديثاً الى بنية الشعر، من مثل وجود اللازمة – وهي من سمات الغنائية في الشعر- والاعتناء الواعي بالمشاهد الواقعية المأخوذة من كاميرته الشعرية واعتبارها عديلة للصوَر الشعرية الناقلة بذاتها دلالات تخدم الثيمة المعالجة. وقد لا ننسى تنثير بعض النصوص بالكامل (حرب تجريدية، ص:55-58) وخلط الواقع بالمتخيّل على نحو فانتازي متمكّن، وغيرها.
أما الغنائية التي يطول انتظارها في المجموعة، بعد موجات القصائد الواقعية السابق وصفها، فماثلة بقوة في القسمين الآخرين من المجموعة الشعرية، ولا سيما في نشيد “الماء يبقينا معا”، من حيث تنفذ المشاعر بطيئة وسط مناخ مثقل بالحرارة والأنفاس المتعبة. تعينه على ذلك الجمل الشعرية الموجزة التي تدع الفضاء واسعا أمام القارىْ كي يتلقّى النفثات ويعيد تأويلها. وكذلك هي حال نشيد “شعلة مرحة لنهار الأحد” وغيرها.
وأيا يكن فإنّ الشاعر يوسف بزّي، يشقّ درباً شعرية بيّنة البروز، وإنْ متعرّجة المسالك والوجهات والأساليب. بل انّ بعضاً من حججه المنتصرة، بحسبه، أنّ الشعر يمكن أن يؤاخي السياسة والحب والفكر واللغة والمعنى، ويساوي في ما بينها داخل القصيدة.
