ملخص
غرامة قياسية ضد “ميتا” في نيو مكسيكو تفتح مرحلة جديدة في محاسبة منصات التواصل الاجتماعي على الأضرار التي تلحق بالأطفال، مع اتساع الدعاوى القضائية الأميركية ضد الشركة وتصاعد الضغوط التنظيمية عليها عالمياً. وتعيد المواجهة إلى الأذهان المسار الذي انتهى بإخضاع شركات التبغ لقيود وتعويضات ضخمة، فيما قد تجد بريطانيا نفسها أمام نهج أكثر حزماً تجاه زوكربيرغ وعمالقة التكنولوجيا.
كل ما نعرفه تقريباً عن مارك زوكربيرغ يوحي بأنه غارق في الغرور والإنكار. ولكن، في مرحلة ما، سيجد هذا الرجل النافذ في عالم التكنولوجيا نفسه مضطراً إلى الإقرار بأنه مخطئ وأن الآخرين على صواب.
وبالنظر إلى الرد الرسمي لـ”ميتا” على الحكم الصادر في نيو مكسيكو ضد إمبراطوريتها في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن ذلك لم يحدث بعد. فقد أمر قاضٍ أميركي الشركة بدفع 567 مليون دولار (421 مليون جنيه استرليني)، لإخفاقها في تحذير الجمهور من الأخطار التي تطرحها منصاتها على الأطفال.
وذكرت شركة زوكربيرغ: “نحن نختلف مع الحكم وسنستأنفه”، مضيفة في بيانها: “نعمل جاهدين للحفاظ على سلامة المستخدمين على منصاتنا، وكنا واضحين وشفافين في شأن التحديات التي ينطوي عليها رصد الجهات المسيئة وإزالة المحتوى الضار. وما زلنا واثقين من سجلنا في حماية المراهقين على الإنترنت، وسنواصل الدفاع عن أنفسنا في مواجهة ادعاءات لا تعكس الحقائق على نحو دقيق”.
جاء هذا الكلام بعدما وصف القاضي برايان بيدشايد “ميتا” بأنها “مصدر إزعاج عام” لا يختلف عن تلوث الهواء، مشبهاً الشركة بمصنع ينتج الإعلانات والمحتوى، فيما يتمثل التلوث الناجم عنه، والذي يتعين الحد منه، في الأذى النفسي والاستغلال الجنسي للأطفال”.
وتأتي هذه الغرامة أيضاً بعد غرامة سابقة فُرضت على “ميتا” في قضية نيو مكسيكو، بلغت 375 مليون دولار.
ومع ذلك، تتظاهر “ميتا” بعدم الاكتراث. وكأنها مراهق متمرد لا يبدي أي ندم، يهز كتفيه بلا مبالاة. لكن هذه المرة، ربما يكون لدى “ميتا” ما يدعوها إلى القلق بالفعل.
صحيح أن وقوف المحاكم والسلطات في وجه “ميتا” ونظيراتها ليس جديداً، ولا سيما في الاتحاد الأوروبي. ولكن الصحيح أيضاً أن مبلغ الغرامة، بالنسبة إلى الشركة، أشبه بذبابة تزعج فيلاً. أو، على حد تعبير نائب رئيس “تويتر” السابق في أوروبا، “إكس” حالياً، بروس دايزلي، فإن غرامة نيو مكسيكو ليست بالنسبة إلى “ميتا” سوى “قطرة في محيط”. فقد أعلنت الشركة للتو عن إيرادات بلغت 61 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) الماضيين، بزيادة قدرها 28 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
لكن دايزلي استدرك قائلاً: “غير أنها مؤشر إلى أننا ننتقل إلى مرحلة مواجهة منصات التواصل على مستوى العالم”.
وقد مثل الحكم الصادر في نيو مكسيكو المرة الأولى التي تنجح فيها ولاية أميركية في مقاضاة الشركة، في شأن قضايا تتعلق بسلامة الأطفال. وفي لوس أنجليس، خسرت “ميتا” في وقت سابق من العام الحالي دعوى قضائية، بعدما ثبتت مسؤوليتها عن إنشاء منصات تسبب الإدمان. وخلصت هيئة المحلفين إلى صحة ادعاء امرأة تعرف باسم كالي بأن “ميتا” المالكة لمنصات “إنستغرام” و”فيسبوك” و”واتساب”، وشركة “غوغل” المالكة لـ”يوتيوب”، تعمدتا إنشاء منصات للتواصل الاجتماعي تسبب الإدمان، وألحقتا الضرر بالصحة النفسية للشابة البالغة 20 سنة. وحكم لها بتعويض قدره 6 ملايين دولار (نحو 4.5 مليون جنيه استرليني).
وقُوبل حكم لوس أنجليس أيضاً برد الفعل المعتاد من “ميتا” و”غوغل”، إذ قالت الشركتان إنهما تختلفان مع الحكم وستستأنفانه. ومع ذلك، وصف الحكم بأنه سابقة مهمة، وشجع على رفع مئات الدعاوى المماثلة التي تشق طريقها عبر المحاكم الأميركية.
حكم نيو مكسيكو هذا، وبغض النظر عما يفرضه من أعباء هائلة على عاتق الفريق القانوني لشركة “ميتا”، يمكن اعتباره، وفق ما يصر زوكربيرغ، مجرد تكرار لما سبق.
ولكن الواقع مغاير تماماً، فهذه القضية تختلف عن سابقاتها، لأن الخصم الذي يقاضي “ميتا” هنا ليس فرداً، بل ولاية برمتها. وفي الوقت الراهن، يلاحق 36 مدعياً عاماً عبر الولايات المتحدة مؤسسة زوكربيرغ لانتهاكها قوانين خصوصية الأطفال، وليست نيو مكسيكو إلا البداية، في عقر دار “ميتا”، وداخل أميركا دونالد ترمب.
وفجأة، بدا زوكربيرغ ورفاقه المنافسون، الذين اصطفوا خلف ترمب في حفل تنصيبه، أقل بريقاً. شاؤوا أم أبوا، وعلى رغم مظاهر الألفة التي يبدونها مع الرئيس، باتوا الآن تحت وطأة ضغط شديد.
أما ما لا بد أنه هزهم فعلاً، فهو أن قاضياً شبَّه للمرة الأولى إحدى شركاتهم بـ”مصدر إزعاج عام”. كذلك قضى القاضي بيدشايد بتخصيص جزء من هذه الأموال لتمويل برامج علاجية لمعالجة الضرر الذي تسببت فيه “ميتا” بالفعل، وفرض حزمة واسعة من تدابير السلامة الإلزامية.
بطبيعة الحال، لا تحتاج “ميتا” ومحاموها المتمرسون إلى من يذكرهم بأننا عشنا هذا المشهد من قبل. فعلى مدار ثلاثة عقود، تلاحقت القضايا ضد شركات التبغ من جانب مدخنين أفراد يزعمون أن السجائر أصابتهم بسرطان الرئة، وكانت الشركات المصنعة تكسب كل قضية بلا استثناء.
ولكن الموازين انقلبت بعد ذلك، تحديداً حين رفعت حكومات الولايات دعاوى لاسترداد كلف برنامج “ميديكيد” للرعاية الصحية. وقد توجت تلك الجهود باتفاق التسوية الرئيسة التاريخية في الولايات المتحدة عام 1998، والتي وافقت بموجبها شركات التبغ على دفع مبالغ طائلة، وإخضاع منتجاتها لقيود تسويقية، شملت وضع تحذيرات واضحة على العبوات.
وشجع المثال الأميركي دولاً ومحامين خارج الولايات المتحدة على خوض المواجهة، لتتعرض صناعة التبغ بعد ذلك لضربات قاسية في مختلف أنحاء العالم.
وظلت بريطانيا متأخرة عن الولايات المتحدة في مجال الدعاوى الجماعية، التي لا تحظى بانتشار واسع فيها، وترددت الحكومة البريطانية في مواجهة عمالقة التكنولوجيا مباشرة، حرصاً على جذب استثماراتهم وتجنب الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
وقد يكون هذا الموقف على وشك التغير أيضاً، إذ ترى الوزيرة البريطانية السابقة لشؤون الحماية ومكافحة العنف ضد النساء والفتيات، جيس فيليبس، أن التجربة الأميركية قد تدفع بريطانيا إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً. وعلى رغم كل هذا التبجح، قد يجد زوكربيرغ ورفاقه قريباً أن هامش المناورة أمامهم يضيق.
© The Independent
