ملخص
الغطرسة تشتري الوقت وهذا ربما هو “الكارت” الذي تحتاج إليه إيران أكثر من أي شيء آخر. الوقت يسمح بإعادة بناء الصواريخ وبإعادة ترتيب القيادة وبانتظار تغير الإدارة الأميركية وبانتظار انقسام الخصوم وبإعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية. إيران لا تستخدم القوة دائماً لكي تنتصر الآن. أحياناً تستخدمها كي تمنع الآخرين من إجبارها على اتخاذ قرار حاسم.
هناك لحظة تحدث في حياة الدول تتحول فيها الثقة المفرطة إلى خلل في النظام الحاكم. بقراءة المشهد السياسي نجد أن حال النظام الإيراني سياسياً وصلت إلى هذه اللحظة المفرطة. والمشكلة الإيرانية اليوم ليست أن النظام الإيراني يرفض شروط خصومه، وليست في أنه يهدد بالرد أو يستخدم ما لديه من أوراق يلوح بها في كل مرة. المشكلة أعمق من ذلك، إذ إن النظام يتحرك منذ أعوام كما لو أن الآخرين محكوم عليهم بالتراجع كلما رفعت طهران سقف المواجهة معهم أو لوحت بأوراقها.
هذه ليست استراتيجية كبرى كما تحب طهران أن تقدمها، بل هي سياسة تذاكٍ وغطرسة سياسية أصبحت مكشوفة بما يكفي ليرى العالم أنها جزء من طريقة اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني. والغطرسة المقصودة هنا ليست نبرة خامنئي ولا خطابات الحرس الثوري. إنها سوء تقدير متكرر لما سيفعله الآخرون بعد أن تستخدم إيران أوراقها السياسية ضدهم.
إن ما يحدث لنظام سياسي ما حين تصبح فيه القدرة على الاعتراف بالخطأ أخطر من الخطأ نفسه هو أحد أكثر الأسئلة أهمية لفهم إيران اليوم. فالمشكلة الإيرانية ليست ببساطة أنها ترفض الاعتراف بالهزيمة. فالأنظمة السلطوية تفعل ذلك في غالبية الأحوال. ولقد بنى النظام على مدى عقود طريقة للبقاء تجعل هزائمه قابلة للتحويل إلى معنى آخر قبل أن تتحول إلى مراجعة سياسية.
الحرب في مفهوم النظام الإيراني تصبح مقاومة والعقوبات الدولية عليه تصبح دليلاً على استقلال القرار والعزلة المفروضة على شعبه تصبح ثمناً للموقف والمبدأ والتراجع المفروض عليه يصبح حكمة والبقاء في النهاية يصبح انتصاراً. لقد بنت إيران دولة سردية، أي إن لديها رواية جاهزة لكل نتيجة، فالضربة مقاومة والعقوبات مؤامرة والتفاوض انتصار دبلوماسي والتراجع حكمة ثورية والخسارة ثمن المواجهة، وهكذا يستمر النظام الإيراني في تصدير سردية رواية الغطرسة للشعب الإيراني قبل تصديرها إلى العالم كافة.
إذاً ما الذي يجعل الغطرسة قابلة للاستمرار؟ هنا نصل إلى الجزء الذي غالباً ما يُفقد في قراءة فكر النظام. لماذا يستمر النظام في هذه السياسة على رغم فداحة الثمن؟ لأن الغطرسة السياسية من هذا النوع داخل النظام الإيراني تخدم ثلاث مصالح في آن واحد. وهي في منظوره تمنع الخصم من افتراض أن القوة ستؤدي تلقائياً إلى التراجع وهذا مهم في التفاوض. إنها تحمي التوازن داخل النظام، فالرئيس الإيراني قد يحتاج إلى اتفاق اقتصادي لكن الحرس الثوري يحتاج إلى أن يظل التهديد الخارجي مستمراً حتى يحافظ على دوره السياسي والأمني، ولهذا فإن التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والتصعيد الأمني ليس بالضرورة فوضى. ومن المحتمل أن يكون تقسيماً وظيفياً للعمل داخل النظام الإيراني نفسه. ففي وقت يدافع مسعود بزشكيان عن الدبلوماسية تواجه القيادة ضغوطاً اقتصادية هائلة.
أخيراً وهو الأهم برأيي أن الغطرسة تشتري الوقت وهذا ربما هو “الكارت” الأكثر أهمية في القيام بدور الغطرسة السياسية الذي تحتاج إليه إيران أكثر من أي شيء آخر. فالوقت يسمح بإعادة بناء الصواريخ وبإعادة ترتيب القيادة وبانتظار تغير الإدارة الأميركية وبانتظار انقسام الخصوم وبإعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية. وإيران لا تستخدم القوة دائماً لكي تنتصر الآن. أحياناً تستخدمها كي تمنع الآخرين من إجبارها على اتخاذ قرار حاسم.
إن طهران ترى الورقة التي تملكها، لكنها لا ترى بالقدر نفسه ما يفعله الآخرون بسبب استخدامها المتكرر لهذه الورقة وهذه الغطرسة السياسية، وهذا النمط ليس جديداً عليها.
الحرب الأخيرة غيرت في رواية التفوق الذي لا يهزم ولا يفهم كما يعتقد النظام وبات مكشوفاً، فضربت الفكرة التي قامت عليها أنماط مهمة من السياسة الإيرانية. فعلى مدى عقود طويلة بنت إيران نفوذاً واسعاً خارج حدودها. وكان المنطق الذي يحركها هو أن العمق الإقليمي سيمنحها مساحة للحركة وسيجعل الوصول إلى إيران نفسها أكثر تعقيداً. لكن الحرب وصلت إلى الداخل وفاقت توقعات غطرسة النظام وقتلت الحرب قيادات عليا دينية وعسكرية وطاولت منشآتها العسكرية والنووية.
هنا لم تكتشف إيران أن خصومها أقوياء. كانت تعرف ذلك. ما اكتشفته هو شيء أكثر تهديداً لها. السياسة التي بنتها لعقود لم تمنحها النتيجة التي وعدت بها نفسها. وكان لا بد من مواجهة حقيقة أن النفوذ الممتد ليس حماية وأن الصاروخ ليس سياسة وأن مضيق هرمز الذي تهدد به ليس سيطرة على النظام الدولي. فالنظام بالغ مراراً في تحويل هذه القدرة المحدودة إلى اعتقاد بأنه يستطيع التحكم في النتيجة السياسية. وهنا تكمن الغطرسة الأخطر أن هذا السلوك لم يعُد يصطدم بخصوم إيران وحدهم، إذ بدأ يصطدم بمصلحة إيران نفسها. والدولة تحتاج إلى استثمارات وتحتاج إلى تجارة وتحتاج إلى استقرار إقليمي وتحتاج إلى عملة قوية وتحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وهنا تتحول الغطرسة من مشكلة في السياسة الخارجية إلى مشكلة في إدارة الدولة. فالنظام يعرف أن الاقتصاد يحتاج إلى السلم ويعرف أن الاتفاقات يمكن أن تخفف الضغط ويعرف أن المنطقة تغيرت. لكن الاعتراف بذلك سياسياً هو أصعب من مجرد تغيير خطاب. وغطرسة النظام بالغت إلى الحد الذي تبنى منطق “لم تعد فقط أن طهران تريد من العالم أن يتكيف معها بل أصبحت أن النظام يريد من الشعب والدولة أن يتكيفا مع الصورة التي صنعها عن قوته”، وهنا سيصبح الثمن أكبر.
لهذا لا أرى أن سيناريو المرحلة المقبلة يتمثل في ما إذا كانت إيران ستبقى دولة ذات ثقل إقليمي. المسألة هي كم من هذا الثقل ستبدده طهران في معارك أصبحت أهميتها بالنسبة إلى النظام الإيراني أكبر من أهميتها بالنسبة إلى شعب إيران.
إن الدولة التي تصدق نجاحاتها أكثر مما ينبغي تبدأ بارتكاب أخطاء لا يفرضها عليها خصومها، بل هي من توجدها. وهذا هو الخطر الذي تواجهه إيران الآن، وهذه هي الغطرسة حين تتحول من نبرة سياسية إلى طريقة في إدارة الدولة. هذا التناقض ليس جديداً في إيران. نتساءل لماذا لا تزال طهران تتحدث من موقع القوة؟ قد يكون من السهل وصف ذلك بأنه غرور، وفي جزء منه هو كذلك. ومع ذلك فإن طهران لا تزال تبحث عن مخرج يمكن أن تسميه “انتصاراً”، لا هزيمة. قد يكون هذا المخرج اتفاقاً حول العقوبات أو ترتيبات في هرمز أو قيوداً نووية مقابل مكاسب اقتصادية أو مجرد وقف للحرب مع الاحتفاظ ببعض أوراق القوة. وبين الروايتين أوراق القوة المزعومة والغطرسة السياسية، لا يزال النظام الإيراني يتحدث بخطاب دولة لم تُهزم.
