ملخص
يجسد فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان حجم التحول داخل الحزب، بعدما تغلب على مرشحة احتشدت خلفها المؤسسة الحزبية. ويعكس انتصاره، إلى جانب صعود مرشحين تقدميين آخرين، تنامي نفوذ اليسار في الحزب، واتساع دور منظمات مثل “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، ويحذر منتقدو هذا المسار من أن الحزب لم يعد يواجه مجرد ضغوط لتبني سياسات أكثر يسارية، بل محاولة لإعادة تشكيل هويته من الداخل، بما قد يضعف قدرته على استقطاب المعتدلين والفوز في الولايات المتأرجحة.
يعيش الحزب الديمقراطي الأميركي أزمة تتجاوز صراعه مع الجمهوريين ودونالد ترمب، إذ يواجه من داخله حركة تقدمية يسارية باتت تنافس المؤسسة التقليدية على هوية الحزب واتجاهه السياسي، وتدفع بعض داعميه إلى التحذير علناً من محاولات إعادة تشكيله وفق رؤية اشتراكية. وتكشف نتائج الانتخابات التمهيدية على مقاعد الكونغرس عن أن فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك العام الماضي ليس حالة متفردة بل هو جزء من انتصارات متعاقبة للتيار التقدمي، آخرها فوز عبدول السيد بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان بفارق ضئيل أمام النائبة هايلي ستيفنز، على رغم احتشاد مؤسسة الحزب خلف منافسته وإنفاق نحو 65 مليون دولار لهزيمته
ضربة للحزب الديمقراطي
وجاء فوز السيد (41 سنة)، وهو طبيب أميركي من أصول مصرية، بمثابة ضربة لمؤسسة الحزب التي راهنت على مرشحة معتدلة للحفاظ على مقعد ميشيغان، إحدى الولايات المتأرجحة التي يحتاجها الديمقراطيون في معركتهم لانتزاع الأغلبية من الجمهوريين. وسيخوض السيد في نوفمبر (تشرين الثاني) مواجهة حاسمة أمام النائب الجمهوري السابق مايك روجرز، في سباق قد يسهم في تحديد هوية الحزب المسيطر على مجلس الشيوخ. ويعد الجمهوريون السيد منافساً أسهل من ستيفنز، حتى إن اللجنة الوطنية الجمهورية أنتجت إعلاناً يبرز توجهاته التقدمية وتأييد السيناتور بيرني ساندرز له، في خطوة رأى فيها كثيرون محاولة لدفعه إلى الفوز بالترشيح الديمقراطي.
وكشفت الانتخابات التمهيدية الأخيرة حجم التحول الذي يمر به الحزب الديمقراطي، سواء في رؤيته للعلاقة بين الدولة والطبقة العاملة والنخب المالية، أو في مواقفه من السياسة الخارجية، وفي مقدمها دعم إسرائيل، إذ بنى السيد حملته على المطالبة بتمويل الرعاية الصحية من الحكومة الفيدرالية ومواجهة نفوذ الشركات وكبار المانحين في السياسة، وانتقاد المساعدات لإسرائيل. وفي المقابل، حظيت ستيفنز بدعم مؤسسة الحزب وحلفاء أنفقوا عشرات الملايين من الدولارات، من بينهم مجموعة مرتبطة بـ”أيباك”، جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، مما حول السباق إلى مواجهة أوسع بين تيار تقدمي يقدم نفسه مدافعاً عن الطبقة العاملة، وجناح معتدل يتمسك بعلاقات الحزب التقليدية.
ولم يكن تصدر إسرائيل الصراع الانتخابي في ميشيغان مصادفة، فالولاية تضم أعداداً كبيرة من الناخبين العرب والمسلمين واليهود، وشهدت الانتخابات التمهيدية الرئاسية عام 2024 رفض 13 في المئة من الديمقراطيين للتصويت لبايدن احتجاجاً على سياسته تجاه غزة. واعتمد السيد على دعم الناخبين العرب والمسلمين والشباب والليبراليين، فيما سعت ستيفنز إلى تعزيز حضورها لدى الناخبين السود والمعتدلين. ويشير فوزه إلى أن الاعتراض على السياسة التقليدية للحزب تجاه إسرائيل لم يعد هامشياً، بل أصبح عاملاً في حسم سباقات كبرى داخله.
ولم يُخف السيد، المولود في ميشيغان لأبوين مهاجرين من مصر، طموحه إلى قيادة التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وقال إنه يأمل في إعادة ضبط سياسة الحزب تجاه إسرائيل، ويريد جعل معارضة تمويل جيشها اختباراً لمواقف الديمقراطيين الساعين إلى خوض الانتخابات الرئاسية عام 2028.
حزب داخل الحزب
ينظر السيد إلى فوزه باعتباره جزءاً من تحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي، قد يمتد أثره إلى انتخابات 2028 ويشجع مزيداً من المرشحين التقدميين على تحدي المؤسسة الحزبية. وأثارت الانتصارات المتلاحقة للتقدميين مخاوف متزايدة لدى الديمقراطيين التقليديين من طموحاتهم لإعادة تشكيله الحزب وفق رؤيتهم السياسية.
ويقف في قلب الصعود اليساري منظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، التي تأسست عام 1982 من اندماج حركتين يساريتين بقيادة الناشط مايكل هارينغتون، وظلت لعقود قوة محدودة قبل أن تتوسع مع حملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2016. ولا تخوض المنظمة الانتخابات بوصفها حزباً مستقلاً، بل تعمل غالباً من داخل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عبر استقطاب المرشحين وتدريب الناشطين وحشد المتطوعين والمانحين لإطاحة مرشحي المؤسسة ودفع الحزب نحو اليسار. ومع تجاوز عدد أعضائها 100 ألف شخص وافتتاح أكثر من 200 فرع، بات دورها يتجاوز دعم حملات منفردة إلى بناء قاعدة سياسية منظمة تسعى إلى التأثير في هوية الحزب الديمقراطي وبرنامجه وقياداته.
وكان ممداني عضواً في المنظمة شأنه شأن عدد من المرشحين الذين باتوا ينافسون مؤسسة الحزب الديمقراطي من داخل انتخاباته التمهيدية. وعلى رغم أن السيد لا ينتمي إلى المنظمة، فإن صعوده، إلى جانب انتصارات مرشحين تقدميين آخرين، يُنظر إليه بوصفه دليلاً على اتساع نفوذ الأجندة الاشتراكية داخل الحزب وقدرتها على تجاوز مرشحي المؤسسة حتى في الولايات المتأرجحة.
ويحذر جيمس كيرشيك في مقالة بمجلة “ذا أتلانتك” من أن بطء قادة الحزب الديمقراطي في إدراك أن هذا الفصيل اليساري لا يسعى فقط إلى التأثير في سياسات الحزب، بل إلى اختطافه وإعادة تشكيله من الداخل. ويرى أن منظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، التي لا تمتلك قاعدة انتخابية تسمح لها بالمنافسة كحزب مستقل، تستخدم بطاقة الحزب الديمقراطي بوصفها “أداة” لإيصال مرشحيها إلى المناصب، على رغم امتناعها عن تأييد مرشحه في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الماضية ومهاجمة قياداته باعتبارها ممثلة للشركات والنخب المالية.
ويشير كيرشيك إلى أن خطورة هذا المسار لا تقتصر على الانتصارات الانتخابية، بل تشمل دفع الحزب نحو أجندة غير متسقة معه، تتضمن إلغاء الشرطة والسجون، ومنح غير المواطنين حق التصويت، وإنشاء “جمهورية اشتراكية ديمقراطية”، إلى جانب سياسة خارجية انعزالية. وعلى رغم ضعف قدرة هذا التيار حتى الآن على الفوز في الدوائر الجمهورية والمتأرجحة، فإن الاشتراكية تحظى بنظرة إيجابية لدى 66 في المئة من الناخبين الديمقراطيين، مقارنة بـ42 في المئة للرأسمالية، مما يمنح اليسار قاعدة متنامية للضغط على الحزب، محذراً من أن استمرار قادة الحزب اتباع سياسة “لا أعداء على اليسار”، خشية خوض مواجهة مع قواعدهم الانتخابية، قد ينتهي بخسارة الحزب لمصلحة تيار عقائدي لا يكتفي بالتأثير فيه، بل يسعى إلى إعادة بنائه على صورته.
ولا يقتصر صعود هذا التيار على سباقات الكونغرس، إذ تتجه الاشتراكية الديمقراطية جانيز لويس جورج إلى تولي منصب عمدة واشنطن، فيما تأهلت نيثيا رامان، أول عضو في منظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” يُنتخب لمجلس مدينة لوس أنجليس، إلى جولة الإعادة على منصب العمدة. وفي ولاية مين، حسم غراهام بلاتنر، الذي سبق أن وصف نفسه بالاشتراكي، ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ.
وترى الكاتبة أليسيا نيفيس في مقال بصحيفة “واشنطن بوست” أن صعود اليسار لم يعد يعتمد على مرشحين أفراد، بل على بنية سياسية متكاملة بنتها خلال أكثر من عقد منظمات مثل “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” و”ديمقراطيو العدالة” و”حزب العائلات العاملة”، عبر استقطاب المرشحين وتدريب الناشطين وحشد المتطوعين وبناء شبكات المانحين وتقول إن نجاح هذه الحركة لا يُقاس بعدد المناصب التي تفوز بها فحسب، بل بقدرتها على تشكيل سياسات الحزب والضغط على الديمقراطيين المعتدلين، فيما يستخدم زهران ممداني رصيده السياسي في نيويورك لبناء جناح اشتراكي داخل الكونغرس ودعم مرشحين قادرين على إطاحة شخصيات المؤسسة.
وتحذر نيفيس من أن الحزب يواجه معضلة تتمثل في حاجته إلى استقطاب الناخبين المعتدلين للفوز بالكونغرس، بالتزامن مع مقاومة حركة يسارية منظمة لا يمكن احتواؤها بمجرد تقديم تنازلات سياسية. وترى أن اكتفاء قيادة الحزب باحتواء الأضرار، انطلاقاً من اعتقادها بإمكان استيعاب التقدميين وإبقائهم تحت سيطرتها، يتجاهل القوة التي راكموها محلياً فإذا أثبتت المنظمة قدرتها على إطاحة أعضاء حاليين في الكونغرس، فسيصبح كل مقعد ديمقراطي آمن هدفاً محتملاً، وسيتحول التهديد بمنافسة شاغليه في الانتخابات التمهيدية إلى أداة ضغط تدفع الحزب بأكمله نحو اليسار.
تجربة حزب العمال
ولا تبدو الأزمة التي يواجهها الحزب الديمقراطي اليوم بلا سابقة تاريخية، إذ مر حزب العمال البريطاني بتجربة مشابهة حين دفعته هزيمته أمام المحافظين بقيادة مارغريت ثاتشر عام 1979 إلى مزيد من الانحياز نحو اليسار. وبلغ هذا المسار ذروته في برنامجه الانتخابي عام 1983، الذي تعهد التخطيط الاقتصادي المركزي، ونزع السلاح النووي من جانب واحد، وإنشاء هيئة لمراقبة الأسعار، حتى وصفه منتقدوه بأنه “أطول رسالة انتحار في التاريخ”. وعلى رغم الهزيمة الساحقة التي أعقبت ذلك، استمرت فصائل داخل الحزب في الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في أنه لم يذهب بعيداً بما يكفي نحو اليسار.
ومن هنا يستحضر جيمس كيرشيك تجربة “التيار المناضل”، وهو تنظيم اشتراكي شديد الانضباط عمل داخل حزب العمال بوصفه “حزباً داخل حزب”، موجهاً أعضاءه إلى الانضمام إلى هياكله والتدرج في مراتبه ودفع أجندته من الداخل، بدلاً من المنافسة تحت راية مستقلة وهي تجربة تشبه إلى حد بعيد استراتيجية منظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، التي تستفيد من الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لإيصال مرشحيها إلى المناصب، مع احتفاظها ببنيتها التنظيمية وأهدافها الخاصة وفق منتقديها.
وفي مواجهة هذا التغلغل، يقول كيرشيك إن زعيم حزب العمال السابق نيل كينوك نموذج يمكن للديمقراطيين استلهامه في إشارة إلى موقف كينوك من قادة الفصيل اليساري في مؤتمر الحزب عام 1985، وصفهم بأنهم “جنرالات الاستعراض” الذين يمارسون السياسة على حساب وظائف الناس، وشبه “التيار المناضل” بأنه “دودة في جسد حزب العمال” قبل أن يقود حملة انتهت بطرد مئات من أعضائه. وعلى رغم أن كينوك لم يصل إلى رئاسة الوزراء، أسهمت مواجهته في إنقاذ الحزب من الانهيار الانتخابي ومهدت الطريق أمام توني بلير لإعادته إلى السلطة عام 1997، وهو ما يعده الكاتب دليلاً على أن استعادة الحزب قد تتطلب مواجهة صريحة مع المتشددين داخله، لا الاكتفاء بمحاولة احتوائهم.
