
في هذا الصخب الغاضب والعنيف الذي يهز العالم، وفي هذا الاشتباك الأقصى للأفكار المتصارعة على مصير العالم وتفسير فوضاه الآخذة بتقويض انتظامه، كما لو أننا على أعتاب عصر مخيف يحكمه اللايقين.. لا نجد سوى الفن (والأدب) سبيلاً للتوازن والتماسك، خصوصاً إذا كان النص الفني “يقتحم” هذا الواقع نفسه.
في هكذا أوقات مع طوفان الأحداث والأخبار والسجالات المتصاعدة تطرفاً وتهديداً، والتي تنذر بكوارث توراتية الطابع، ويصعب معها الإلمام بأي حقيقة أو الانحياز لأي مقاربة، غالباً ما يسعفنا عمل فني مفاجئ وينتشلنا من الشعور بالعجز والحيرة.
فرنسا وأوروبا كلها المشتعلة شرقاً والمضطربة غرباً، وشرقنا الجالس على فوهة البركان، والهذيان الذي يقود أميركا، و”الممانعات” اليائسة، وجنوب العالم الذي يزداد تعاسة، ووعود الذكاء الاصطناعي المصحوبة بسيناريوهات الرعب، والتضخّم الفالت الذي يجوّع مئات الملايين، والتفاهة التي تبتلع السياسة.. كل هذا وأكثر، يبدو كبداية محرقة كبرى لمنجزات قرنين على الأقل.
في هذه اللحظة، التي تستحوذ فيها العدمية على العالم، يسعفني الحظ بمشاهدة فيلم Digger لأليخاندرو غونزاليس إينياريتو، من بطولة توم كروز. فيلم يمزج السخرية السياسية بالتأمل في مصير الإنسان والكوكب، واضعاً جشع الشركات الكبرى والدول الكبرى وانعدام المسؤولية السياسية في قلب الحكاية.
ينطلق الفيلم من مفارقة أساسية: أولئك الذين يمتلكون أكبر قدر من النفوذ والموارد، ويملكون القدرة على منع الكوارث، هم أنفسهم الذين يساهمون في صنعها، مدفوعين برغبتهم في توسيع ثرواتهم والحفاظ على امتيازاتهم.
تتمحور حكاية الفيلم حول ديغر روكويل، قطب النفط الأميركي الذي يجسّد نموذج الملياردير الذي تحوّلت الثروة في حياته إلى حصانة من المساءلة الأخلاقية. فأنشطته النفطية المتهوّرة في غرينلاند تفضي إلى كارثة بيئية تهدّد ملايين البشر، لكنّ استجابته لا تنطلق من الإحساس بحجم الخطر، بل من السعي إلى حماية مصالحه، والتحكّم في صورة الأحداث، وصون سلطته. كأننا أمام “الترامبية” بأصفى صورها. وفي هذا العالم، لا تبدو السياسة مجالاً مستقلاً عن المصالح الاقتصادية، بل امتداداً لها؛ إذ تتداخل حسابات السلطة مع مصالح الشركات، ويتحوّل الخطر الذي يهدّد البشرية إلى مسألة تتعلّق بإدارة الرأي العام (السيطرة على اللغة والإعلام ومنصات التواصل) والحفاظ على النفوذ. هكذا يجلس “ديغر” ورئيس أميركا وأركانه معاً، لإدارة الكارثة أو تمويهها.. بل واستغلالها!
تتجاوز دلالة الكارثة البيئية للفيلم الإدانة المباشرة للصناعة البترولية، لتطال منظومة كاملة تتشابك فيها مصالح النخب الاقتصادية والسياسية على نحو حميم وعضوي. فتأتي الكارثة لا كنتيجة لأخطاء فردية أو قرارات تقنية طائشة، بل حصيلة منطق اقتصادي يجعل الربح غاية تتقدّم على كل اعتبار آخر، حتى حين يصبح استمرار هذا المنطق تهديداً لشروط الحياة نفسها. وفي هذا السياق، تكتسب السخرية السياسية أهميتها بوصفها وسيلة لكشف التناقض بين الخطاب العام الذي يتحدّث عن المسؤولية والمصلحة الوطنية، والممارسات الفعلية التي تحكمها الرغبة في الاحتفاظ بالثروة والسلطة.
ديغر، شخصية تجمع بين الغرور والعدوانية والهشاشة، تكشف التناقض بين الصورة المتضخّمة التي يصنعها صاحب السلطة عن نفسه، والقلق الكامن خلف حاجته الدائمة إلى السيطرة، والقدرة على فرض الإرادة وتجاوز الحدود والقوانين والأخلاق. شخصية تمتلك بُعداً يتجاوز كونها صورة نمطية للملياردير، لتصبح تجسيداً لنموذج إنساني يخلط بين امتلاك العالم وامتلاك الحق في تقرير مصيره. ويذكرنا إلى حد ما بفيلم ستانلي كوبريك “دكتور سترينجلوف”.
المفاجأة في الفيلم، حين يباغتنا بخدعة بسيطة: ما نشاهده هو تمثيل لمسرحية. هكذا، نتأرجح بين الواقعية والسريالية. ويقدم صورة مكثّفة لعلاقة الإنسان المتسلّط بالطبيعة: علاقة تقوم على الامتلاك والاستعراض، وتحويل العالم الحيّ إلى مجموعة من الأشياء التي يمكن السيطرة عليها أو اقتناؤها. وتكتسب هذه التفاصيل معناها من التناقض بين وفرة الثروة المادية وهشاشة العالم الذي تستند إليه.
أما على المستوى السردي، فيستعين الفيلم بعناصر مسرحية وتأملات في طبيعة التمثيل والعلاقة بين الصورة والواقع، بما يدعو المشاهد إلى النظر في الكيفية التي تُصنع بها الروايات السياسية، وكيف تتحوّل إدارة الصورة إلى أداة من أدوات الحكم. فالحقيقة لا تُعرض دائماً بوصفها واقعاً يمكن إدراكه مباشرة، بل تدخل في صراع مع الخطابات التي تسعى إلى احتوائها وتوجيهها، الأمر الذي يجعل السيطرة على الرواية جزءاً من السيطرة على الأحداث نفسها.
يضعDigger المشاهد أمام صورة ساخرة ومقلقة لحضارة جعلت تراكم الثروة معياراً للنجاح، حتى باتت مستعدة للمخاطرة بالشروط التي تضمن استمرارها. ومن خلال الجمع بين الكوميديا السوداء والسخرية السياسية والمشهدية البصرية، يطرح الفيلم سؤالاً يتجاوز شخصية الملياردير الأميركي أو صناعة النفط: ماذا يحدث حين تنفصل السلطة عن المسؤولية، ويصبح الربح أهم من الحياة؟ والأهم من ذلك، هل تكفي معرفة أسباب الكارثة لتغيير المسار الذي يقود إليها؟ بهذا المعنى، لا يكتفي الفيلم بتصوير عالم يقترب من حافة الانهيار، بل يدعو إلى التفكير في المنظومة التي جعلت هذا الانهيار ممكناً، وفي قدرة السينما على كشف تناقضاتها وإعادة طرح الأسئلة التي يحاول أصحاب النفوذ إبعادها عن المجال العام.