يسود في الثقافة اليومية للسوريين تطبيعٌ مع أنماط من التعذيب، أو لنقُل إنه تطبيعٌ مع مستويات من عنف عناصر الأمن والشرطة لا تُسمّى تعذيباً في اللغة اليومية، بل قد تُسمَّى «ضرباً» مثلاً، بينما يعني التعذيبُ في أذهان السوريين غالباً أفعالاً تؤذي تكامُل الجسد وسلامته ووظائفه، تُستَخدَم فيها أدوات وتتسبب بإسالة الدماء وتمزيق الجلد، وترتبط غالباً بالأفرع الأمنية والتهم «الخطيرة» ذات الأبعاد السياسية غالباً.

قبل ثورة 2011، كان هناك تطبيعٌ شاملٌ لا يُسائله أحد مع قيام الشرطي أو عنصر الأمن بتوجيه صفعات ولكمات ورفسات أثناء التوقيف أو بعده، ثم مع «الفلقة» أو «بساط الريح» في أقسام الشرطة ومراكز التحقيق كأساليب لانتزاع الاعترافات حتى في القضايا الجنائية العادية. وتحضر هذه الثيمة في مسلسلات درامية سورية عديدة، سواء بوصفها من طبائع الأمور التي تحدث، أو بوصفها عنصر إضحاك أساسي في المسلسلات الكوميدية. في ذاكرة أغلب السوريين مشاهدُ لشخصيات درامية تخرج من المخافر والسجون وهي بالكاد تقوى على المشي نتيجة «الفلقة»، وفي ذاكرتهم أيضاً شخصية «المساعد جميل»، وهي شخصية من مسلسل حكم العدالة الإذاعي، يقوم المحققون باستدعائه بنبرة غاضبة بعد أن يرفض المتهم الاعتراف، وكثيراً ما يتسبب مجرد استدعائه بانهيار المتهمين واعترافهم بجرائمهم في مشاهد درامية إذاعية وتلفزيونية عديدة.

لكن «المساعد جميل» في مخافر الشرطة وأقسام التحقيق الجنائي كان خبيراً، لا يضرب بعنف قاتل، لا يستهدف الرأس أو الأعضاء الحيوية بضربات قوية في أغلب الأحوال، بل يستهدف أعلى الجسد بلكمات ورفسات متوسطة الشدة، ويستخدم العصي والسياط على الأرجل التي تتعافى إصابتها قبل أن تقتل صاحبها. هذا في القضايا الجنائية، أما في الأفرع الأمنية والسجون العسكرية، فكان هناك «مساعد جميل» آخر لدى نظام الأسد، أكثر عنفاً ووحشية واستهتاراً بسلامة الأعضاء الحيوية، وأقل عناية بضرورة بقاء ضحاياه على قيد الحياة. كان هناك أحياناً من يموتون أو يتعرضون لأذيات دائمة جراء التعذيب، خاصة في الثمانينيات، وإلى تلك الممارسات تنصرف أذهان السوريين غالباً عندما يسمعون كلمة تعذيب.

بعد قيام الثورة السورية انفلتت ماكينات التعذيب الأسدية، وراح عنفها يتصاعد حتى باتت تدير ما يشبه معسكرات القتل. وقد وصفت تقارير حقوقية دولية ومحلية أنماط التعذيب المروعة التي مارسها جلادوا الأسدية، والتي كان بعضها يشبه مقاطع من حكايات طبقات الجحيم (يُنظر مثلاً تقرير العفو الدولية عن سجن صيدنايا في 2017). ومع استمرار الصراع وتَعدُّد أطرافه بات التعذيب حاضراً على يد الجميع، حتى أنه ليس هناك جهة مسلحة واحدة في سوريا أقامت سجوناً دون أن يكون التعذيب محطة تقليدية فيها، بما في ذلك ظروف الاحتجاز الوحشية والموت نتيجة التعذيب (يُنظَر مثلاً تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2024 عن التعذيب في سوريا). يشمل ذلك هيئة تحرير الشام طبعاً، التي كان تدير سجوناً سيئة السمعة في إدلب خرجت منها شهادات مروعة (يُنظَر مثلاً تقرير هيومن رايتس ووتش عن سجون الهيئة في 2019). ولعله ينبغي تذكيرُ قصار الذاكرة أن انتفاضة قامت في إدلب وريف حلب الغربي ضد حكم هيئة تحرير الشام في شباط (فبراير) 2024، قبل إسقاط الأسد بنحو عشرة أشهر، على خلفية مقتل شاب تحت التعذيب في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لها.

بعد إسقاط الأسد على يد تحالف فصائل تقودها هيئة تحرير الشام، تجددت واستمرت أنماط متنوعة من «الضرب» و«التعذيب» في السجون ومراكز الاحتجاز، وفي المخافر التي تم استبدال عناصرها غالباً بعناصر قادمين من فصائل الشمال وأوساطها، وبقي «المساعد جميل الجنائي» حاضراً على ما تُثبت حوادث وشهادات عديدة، آخرها شهادة محمود غميرة، الشهادة التي كان ثمنها حياته التي فقدها نتيجة اعتداء عناصر مخفر عليه في سياق شكوى جنائية. أما النسخة الأخرى من التعذيب، في مراكز احتجاز سرية أو في أفرع أمنية، فلا نعرف الكثير عنها نظراً لقلة الشهادات المتوافرة لخارجين منها بعد سقوط الأسد، لكن ما هو مؤكد من شهادات متواترة أن أنماطاً من التعذيب متفاوت الشدة والأذى تُمارس فيها حتى الآن، كما أننا نعرف الكثير عن ظروف الاحتجاز والتعذيب في سجون كانت تديرها السلطة نفسها عندما كانت تحكم إدلب وحدها كما أشرنا أعلاه.

ويمكن تسجيل ثلاث ملاحظات سريعة هنا: الأولى أن مستويات التعذيب المروعة بعد 2011 ساهمت في تطبيع أفعال الضرب والإيذاء والإهانة غير القاتلة لدى عموم السوريين أكثر مما كان عليه الحال قبل ذلك، بحيث بات عنصر مسلح يضرب مدنياً أو يُهينه أمراً بالكاد يُثير غضب أحد. والثانية أن عناصر الشرطة العادية الجدد في المخافر ليس لديهم خبرة في ممارسة «التعذيب غير المفضي إلى الموت»، لذلك يتكرر مقتل أشخاص على أيديهم (لم تكن حادثة محمود غميرة هي الأولى). والثالثة وهي الأهم؛ أنه ليس هناك إجماعٌ في الخطاب السوري العام على موقف شامل ضد التعذيب والضرب والإهانة على يد عناصر الشرطة والأمن والجيش، فالعمل لأجل هذه القضية محكومٌ بمنطق «الترند» الذي لا يحرّكه سوى الموت نتيجة التعذيب، فضلاً عن أنه انتقائي جداً بحسب طائفة الضحية وتاريخها وظروف وأسباب احتجازها وتعذيبها.

ما يجدر قوله أولاً أن هذا كله جرائم تعذيب: الجَلد والشبح والضرب واللكم والصفع والرفس والجَرح والقطع والإذلال والتركيع والإهانة والاحتجاز في زنازين انفرادية ضيقة والحرمان من الماء أو النوم أو الطعام أو ضوء النهار أو الهواء النظيف أو الرعاية الطبية والتهديد بالتعذيب أو بإيذاء الأهل. هذا كله تعذيب، ولا معنى لموقف حقوقي أو سياسي أو أخلاقي لا يرفض هذه الممارسات كلها على الجملة. كذلك، لا معنى لموقف يرفض التعذيب عندما يلحق بفئة من الناس ويغض النظر عنه عندما يلحق بفئة غيرها. التعذيب والضرب في السجون ومراكز التحقيق والاعتقال سيطال الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر عاجلاً أم آجلاً عندما يتم التطبيع مع وجوده واستمراره، وهو سيؤدي إلى حوادث موت تحت التعذيب حتماً.

القطيعة مع التعذيب كله، من صفعة يوجهها شرطي لشخص يعتقله متلبّساً بجريمة سرقة، مروراً بكل أشكال الضغط الجسدي الهادف إلى انتزاع اعترافات في أي قضية مهما كان نوعها، وصولاً إلى أكثر أساليب التعذيب وحشية لكسر إرادة معارضين سياسيين؛ القطيعة مع هذا كله وحدها ما يحمي السوريين والسوريات من التعذيب ومن الموت تحت التعذيب.

يجب أن يشعر كل مُسلّح يضرب شخصاً بالعار والخوف، بأنه يقترف ذنباً سيدفع ثمنه عندما يفتضح أمره أمام الناس، وطالما أن هناك مسلحين يعتدون على أشخاص عزّل دون أن يشعروا بالعار والخوف والخشية من افتضاح أمرهم، فإن عجلة التعذيب لن تتوقف في البلد، ولا عجلة ضحاياها الذين يُغضبنا موتهم مؤقتاً قبل أن نتسعدَّ للغرق في «ترند» جديد.

أيضاً، يجب إفهامُ كل سلطة في سوريا أن التعذيب تهديدٌ لشرعيتها واستقرار حُكمها. الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية للسلطة الانتقالية السورية ما تزال تمارس أنماطاً متنوعة من التعذيب، ولا معنى للحديث عن «ممارسات فردية» في هذا السياق. وحده الرفض الجذري لكل أنماط التعذيب دون استثناء، وإدانة جميع مرتكبيه أياً يكونوا وأياً يكن الضحايا، هو ما قد يجلب العدالة لمحمد غميرة وضحايا التعذيب في سوريا على مر العقود الماضية.