اختفى سوق الكتبيين في دمشق منذ عقود، إلّا أنني كلما عبرتُ سوق الحميدية نحو ساحة الجامع الأموي، يحضرني طيف الجاحظ (776-868) أولًا، وهو يقلّبُ صفحات كتاب ما، أو وهو يناقش أحد الورّاقين بمحتوى مصنف في العلوم أو فقه اللغة، ذلك أن عمرو بن بحر أمضى 60 يومًا في دمشق بصحبة الخليفة العباسي المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان (858 ميلادية) بقصد نقل العاصمة من سامراء (سُرّ من رأى) إلى دمشق. في رحلته اليتيمة هذه، زار الجاحظ سوق الورّاقين أو “سوق المسكية”، ففي هذا السوق التاريخي يجتمع الورّاقون وباعة العطور والمسك في فضاءٍ واحد، كما لو أن رائحة الكتب صنفٌ من الطيوب. لم يتوافق مناخ دمشق مع مزاج الخليفة (رطوبة تؤثر في الأبدان)، فعاد مع صحبه من حيث أتوا، إلّا أن الجاحظ استغل هذه الفترة في تدوين انطباعاته عن دمشق، سالكًا طريق المعاينة كمنهج اتبعه في كل مصنفاته الموسوعية. لم يكتف أبو عثمان عمرو بن بحر بدراسة جغرافية المكان، إنما غاص في قراءة طبائع البشر والحيوان والنبات عن كثب، وهو ما سنجده في متون “البيان والتبيين”، و”الحيوان”، و”الرسائل”. بخلاف رحّالة آخرين، انتقد الجاحظ هواء الشام واختلافه عن هواء العراق، كما قارن بين طرائق العيش بين البلدين، وبين فصاحة أهل العراق وفصاحة أهل الشام في الأداء واللفظ ونبرة الصوت ومخارج الحروف مثل أي سيميائي أو أنثروبولوجي معاصر يعتني بأهمية الإشارة وحركة أعضاء الجسد، وسيفكك نصّ الشام سوسيولوجيًا بقوله: “إنَّ أهلَ الشَّام يعيشون فِي غَزَارَةٍ مِنَ الأموالِ، ووفُورٍ مِنَ الخيرات، ورُخْصٍ فِي الأسعَار، لقلّة التَّزَاحُمِ على الأَقْوَاتِ، وبُعْدِ المُنْقَلِ عنهم، فَأَرْضُهُمْ تَفِيضُ بِخَيْرِهَا وتكفي عِيَالَهَا”، ويعاين الفروقات بين مناقب جند الشام وجند العراق بقوله: “العِلَّةُ فِي طَاعَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَعِصْيَانِ أَهْلِ العِرَاقِ، أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ مَطْبُوعُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالوَفَاءِ لِلأُمَرَاءِ، ذَوُو جُمُودٍ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ وَتَقْلِيدٍ لَا يَرَوْنَ مَعَهُ النَّظَرَ… فَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنْ مَغِيبِ الأَحْوَالِ، وَيَمْضُونَ حَيْثُ وُجِّهُوا بِصَبْرٍ وَانْضِبَاطٍ”.
تناسخ الأرواح
في مقهى النوفرة المحاذي للجامع الأموي افتقدت طيف الجاحظ فجأة. قلتُ لنفسي: لا خانات مجاورة هنا كي يلجأ إليها في متاهة الأزقة الضيّقة. على الأرجح، اعتقله حاجز أمني أو اختُطف طلبًا لفدية! كان هذا القرار بتدبير من مخيلة روائية في المقام الأول، فالرجل غادر دمشق منذ 12 قرنًا، ولم يزرها ثانيةً، إلا أن عبد الفتاح كيليطو، في حفرياته لآثار الجاحظ، طمأنني بأنه ربما ذهب في نزهة إلى بساتين الغوطة لمعاينة أصناف النباتات هناك ودراسة البيئة وتأثيرها في السلوك اليومي للأهالي، وهذه “نزعة بورخيسية” ليست غريبة عن نصوصه، وسيعزز هذا اليقين بفكرة “تناسخ الأرواح”.
| سوق الحميدية في دمشق (Getty) |
سأعثر عليه بعد تجوال في إحدى زوايا الجامع الأموي. كان الجاحظ محاطًا بكوكبة من البنيويين ينصتون إلى المعلّم كتلاميذ نجباء. عدا خورخي لويس بورخيس، لمحت رولان بارت وجاك دريدا وجيرار جينيت وآخرين يدوّنون ملاحظاتهم في كراسات بين أيديهم بما يخص “الإشارة” ومشاكلة اللفظ للمعنى (سيسميها رولان بارت “أنظمة العلامات”)، وسيستغرق أبو عثمان طويلًا بشرح معنى “التناص” وكيفية تفاعل النصوص وتداخلها (سجّل جيرار جينيت على عجل عبارة “التعالق النصّي”)، ثم بوثبة أخرى يؤكد العالم الجليل على أهمية طريقة صياغة الخبر لا الخبر نفسه: “شعرية النص”، و”آليات الخطاب” وتفكيك النظم اللغوية، ثم عرّج على مصطلح سلطة المؤلف وموته، وكيف أنه كان ينسب كتبه ومؤلفاته إلى مصنّفين آخرين: “كنت أؤلف الكتاب، وأعلم أنه حَسَنٌ، فأنسبه إلى نفسي، فيجفوه النَّاسُ ويَعيبونه، فإذا صَنَّفتُ كتابًا وجعلتُ اسم غَيري عليه مثل ابن المقفع وسواه، قَبِلوه وقرؤوه وضَنُّوا به!”.
محنة الكتابة من موقع مضاد
لا تقف محنة الجاحظ عند مؤلفاته، بل في اختزال طريقة موته أيضًا: “الرجل الذي قتلته كتبه”، على غرار اختزال تحفة سرفانتس “دون كيخوته” بعبارة “الرجل الذي كان يحارب طواحين الهواء” (ليس شرطًا أن تكون قد قرأت هذه الرواية)، والحال أن موت من هذا الطراز يحقق هدفين بآنٍ واحد: احذر الهوس بالكتب والمكتبات فهي سبب البلاء وعلّة ينبغي تجنبها، والهدف الثاني يقع في باب الانتقام الأيديولوجي من أحد المفكرين العقلانيين، فكان أن دفنوه تحت مجلدات كتبه كعقاب لكل من يحيد عن الخطوط الحمر التي تفرضها المؤسسة الرسمية، فعبارة مثل: “فلا تذهب إلى ما تُريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل، وللأمور حكمان: حُكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجّة” تثير الارتياب من هذا النسّاخ الرجيم الذي أفنى حياته يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها للنظر والمعاينة.
ترسّخت فكرة “الرجل الذي قتلته كتبه” عن الموت التراجيدي للجاحظ في القرن الرابع عشر، بعد وفاته بخمسة قرون، ما يضعنا في مقام الحيرة والشكّ والارتياب في صحتها. ولعل ما ساعد على توطين هذه الفكرة لدى المؤرخين هو اختفاء أرشيف تلك الحقبة المضطربة تحت سنابك خيل تيمورلنك في الغزوة المغولية الثانية لبغداد ودحر جيش المماليك بهزيمة ثقيلة. وربما كان السبب الآخر للثأر من الجاحظ على هذا النحو ميله إلى فكر المعتزلة، أولئك الذين أسّسوا عقيدتهم على العقل وقدّموه على النقل، والاستناد إلى الشكّ والتجربة وإعمال العقل في التفكير والتأمل والملاحظة، وهو ما اختبره تشريحيًا حتى في دراسة طبائع الحيوان، فهل أراد المؤرّخون القدامى دفن الجاحظ تحت كتبه بدلًا من موته بالفالج، وهو في التسعين من عمره، وبالتالي إطفاء شعلة أفكاره التي لم تعد تلائم انحطاط أفكار القرن الرابع عشر الذي انتهى على عتبة سقوط غرناطة وبداية أفول أنوار الأندلس؟
كأن الاشتغال بالكتابة من موقع مضاد والعمل على زعزعة البنى السردية المستقرة أمر يستحق العقاب أو النفي أو الدفن تحت أكوام الكتب. هكذا هجر “ديوان الرسائل” في بلاط الخليفة المأمون، ليلتفت إلى مصنفاته الشخصية، إذ لم يمكث أكثر من ثلاثة أيام، وذلك لضجره من المكاتبات الرسمية الجافة. يقول: “ولربّما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حرّ اللفظ وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يردّه إلى موضعه من اتصال الكلام”.
موسوعة تمشي على الأرض
كان الجاحظ إذًا موسوعة معارف متنقّلة بما يشبه “محرّك بحث” بمقياس اليوم، ما جعل ياقوت الحموي يقول عنه: “لم أرَ قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فقد كان موسوعة تمشي على الأرض، حتى استطاع أن يكتب كتبًا في كثير من العلوم التي كان يهتم بها”، ذلك أن إطلالة بانورامية على كتاب موسوعي مثل “الحيوان” سيتجاوز فيه طبائع الحيوان نحو شؤون مختلفة، فهو خلاصة تجربته في العلوم والبلاغة والتاريخ وعلم الكلام، أو كما قال عنه: “جمع بين معرفة السماع وعلْم التجربة، وبين وجدان الحاسَّة وإحساس الغريزة، وما الفرق بين الميتة والجثّة، والوثن والصنم”.
هكذا اقتحم بائع السمك الفقير في البصرة عالم القراءة والتأليف في ورديتين، نهارية في بيع السمك، وليلية في تحصيل المعارف، حتى إن أمه ضاقت باهتماماته التي لا تغني عن جوع، ويروى أن الجاحظ طلب من أمه يومًا طعامًا، فجاءته بطبق مملوء بكراريس أودعها البيت، وقالت له: “ليس عندي من طعام سوى هذه الكراريس”، إلا أن هذه الصفعة لم تثنه عن القراءة بلغات مختلفة كالفارسية والهندية واليونانية بالإضافة إلى لغة الضاد بالطبع.
في هجاء المثقّف المزيّف
في كتابه “رسالة في التربيع والتدوير” يسخر الجاحظ من صورة المثقف المزيّف، وكأنه يعيش في زمننا هذا: “كان قليل السماع غُمْرًا وصَحَفِيًّا غُفلًا، لا ينطق عن فكر ويثق بأول خاطر ولا يفصل بين اعتزام الغُمر واستبصار الحق. يَعُدُّ أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلَّق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلَّا الانتحال لاسم الأدب”.
وفي “البيان والتبيين” سوف يخوض في علم اللغة وفلسفة الكلام والبلاغة، والنطق والصمت، وذلك بمنهجية صارمة ونزعة عقلانية واضحة، معوّلًا على الوعي الذاتي والسرد التخييلي. المفارقة أن معظم نقّاد اليوم أعلنوا القطيعة مع التراث النقدي القديم وانخرطوا في أطروحات الحداثة وما بعد الحداثة متجاهلين فتوحات الجاحظ في علم اللسانيات والبلاغة والسيمياء والتفكيكية، وانبهروا ببحوث فردينان دي سوسير ورولان بارت وجيرار جينيت لزوم الوجاهة النقدية ورنين اللغات الأخرى، على الرغم من أن الجاحظ أنجز نقديًا كل ما يتعلّق بهذه الحقول قبل قرون، كقوله في البلاغة: “لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك”، و”تختلفُ الألفاظ بِاختلافِ الأَمصارِ وَتَبَايُنِ المواضِعِ”. بصحبة هذا العلّامة ينبغي علينا أن نتعلّم ألّا مسافة بين شرح طبائع الذئب، وفك شيفرات الخطاب، وأهمية “القفز والوثب” من فكرة إلى أخرى، والتشكيك باليقينيات. ولكن مهلًا: كيف اختفى كتاب “تقريظ الجاحظ” لأبي حيان التوحيدي من المكتبة؟
(للدقّة: هناك شذرات منه وثّقها ياقوت الحموي في كتابه “معجم الأدباء”).