ملخص
أثار وقف صرف قسائم الدعم الحكومي لعدد كبير من المواطنين، وما ترتب عليه من أعباء مالية وإجرائية، موجة واسعة من الاستياء بين مختلف شرائح المجتمع وعلى منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة.
في أحدث إجراء اتخذته حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحق ذوي الدخل المحدود، أوقفت صرف قسائم الدعم الحكومي لعدد كبير من المواطنين، وأرسلت إليهم رسائل نصية جماعية تطالبهم بمراجعة مكاتب الخدمات الحكومية لإثبات وجودهم داخل إيران، وإلا فسيصنفون على أنهم مقيمون خارج البلاد، ولن يكونوا مؤهلين للحصول على القسائم.
وتفيد تقارير ميدانية بأن كثيراً من المواطنين توجهوا، عقب تلقي هذه الرسائل، إلى مكاتب الخدمات الحكومية، حيث تشكلت طوابير وازدحام أمام تلك المكاتب لأشخاص يسعون إلى إثبات أنهم يقيمون داخل إيران. والأكثر غرابة أن عليهم أيضاً دفع رسوم مقابل إثبات وجودهم في البلاد.
وأثار هذا الإجراء الحكومي ردود فعل واسعة، إذ أشار كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنه حتى لو كان الهدف هو وقف صرف قسائم الدعم الحكومي للمقيمين خارج إيران، فإن هناك وسائل أبسط للتحقق من محل إقامة المواطنين، ما لم يكن الهدف الحقيقي هو جباية الأموال من المواطنين وإضافة عبء جديد إلى معاناتهم.
وكتب أحد المواطنين، الذي راجع أحد مكاتب الخدمات الحكومية في طهران لإثبات محل إقامته، على منصة “إكس”، أنه “لفت انتباهه، وسط الازدحام، طفل يرتدي نعالاً ممزقة. وكان الطفل برفقة والده لإثبات أنهما ليسا مقيمين خارج البلاد. ووفقاً لرواية هذا المواطن، عندما علم والد الطفل أن تسجيل طلب إثبات الإقامة يتطلب دفع 140 ألف تومان (0.93 دولار)، قال إنه لا يملك هذا المبلغ، ثم أمسك بيد ابنه وغادر المكتب”.
وكتب مواطن آخر أن “الازدحام أمام مكاتب الخدمات الحكومية يدل على أن هذه الرسائل أرسلت على نطاق واسع واستهدفت شريحة كبيرة من المجتمع”. وأضاف أن “الحكومة، من جهة، تحقق إيرادات من الرسوم التي تتقاضاها مقابل إجراءات إثبات الإقامة، ومن جهة أخرى، قد تراهن على أن يتخلى بعض المواطنين عن متابعة إجراءات الحصول على قسائم الدعم الحكومي، فيستبعدوا تلقائياً من قائمة المستحقين”.
وذكر ثالث أن “هناك وسائل أبسط لتحديد الأشخاص المقيمين خارج البلاد، مثل الاستعلام عبر الجهات الرسمية المختصة، ما لم يكن الهدف الحقيقي للحكومة هو التمهيد لحرمان المواطنين من قسائم الدعم الحكومي وجني إيرادات إضافية على حسابهم”.
وجاء في بيان وزارة الرفاه أنه “إذا كان رب الأسرة خارج البلاد، أو تعذر التحقق من إقامته داخل إيران، فسيحرم جميع أفراد الأسرة من الحصول على قسائم الدعم الحكومي والإعانات الحكومية. أما إذا كان أحد أفراد الأسرة فقط مقيماً خارج إيران، فسيستبعد ذلك الشخص وحده من قائمة المستفيدين. وتجري عملية التحقق من الإقامة من خلال تعبئة استمارة، وتسجيل البصمة الإلكترونية، ومطابقة صورة الوجه مع البيانات المسجلة في دائرة الأحوال المدنية، على أن يعاد تفعيل قسائم الدعم الحكومي بعد استكمال إجراءات التحقق والمصادقة النهائية”.
ووفقاً لوزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، فإن “المواطنين الذين تلقوا هذه الرسائل النصية منحوا مهلة حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل لمراجعة مكاتب الخدمات الحكومية حضورياً، وإلا فسيلغى حقهم في الحصول على قسائم الدعم الحكومي نهائياً. غير أن المشكلة تكمن في أن الحكومة أوقفت صرف قسائم الدعم الحكومي لهؤلاء منذ بداية أغسطس (آب) الجاري، وربطت إعادة تفعيلها بإثبات الإقامة داخل إيران”.
وبحسب تقارير وسائل الإعلام المحلية وروايات المواطنين، تتقاضى مكاتب الخدمات الحكومية رسوماً تتراوح بين 100 ألف و200 ألف تومان (0.67 إلى 1.33 دولار) مقابل إنجاز هذه الإجراءات، وهو ما فرض أعباء إضافية على ذوي الدخل المحدود. وفي تقرير بعنوان “التحقق من الإقامة… ذريعة لتحقيق الإيرادات من الفقراء؟”، كتب موقع “انتخاب” إن المواطن الذي يعتمد على قسائم الدعم الحكومي لتأمين حاجاته الأساسية، يفاجأ أولاً بوقف هذا الدعم، ثم يجبر على مراجعة مكاتب عدة ودفع رسوم لاستعادته.
وأظهرت المتابعات الميدانية التي أجراها الموقع أن رسائل التحقق من الإقامة أرسلت على نطاق واسع إلى عدد كبير من المواطنين، ومن دون أي إشعار مسبق.
وأثار وقف صرف قسائم الدعم الحكومي لعدد كبير من المواطنين، وما ترتب عليه من أعباء مالية وإجرائية، موجة واسعة من الاستياء بين مختلف شرائح المجتمع وعلى منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة.
وقال أحد سكان طهران، الذي تلقى هذه الرسالة، إنه يعرف ما لا يقل عن خمسة أشخاص من محيطه وصلتهم أيضاً إشعارات بوقف قسائم الدعم الحكومي. ويرى هو ومن حوله أن الحكومة لا تسعى إلا إلى خفض نفقاتها ومد يدها إلى جيوب المواطنين، إذ إن التحقق من وجود الأشخاص داخل إيران، بحسب اعتقادهم، يمكن إنجازه بسهولة من خلال بيانات دخول المواطنين إلى البلاد وخروجهم عبر المنافذ الحدودية.
من جهته، تساءل موقع “انتخاب” عما إذا كان الهدف الحقيقي من هذه الإجراءات هو بالفعل التحقق من الإقامة، أم إيجاد مصدر جديد للإيرادات عبر وقف قسائم الدعم الحكومي وإجبار المواطنين على مراجعة مكاتب الخدمات الحكومية.
وتتضح تداعيات وقف قسائم الدعم الحكومي بصورة أكبر إذا ما علمنا أن الحكومة صنفت أيضاً عدداً كبيراً من العمال الذين يتنقلون إلى دول الجوار، مثل أرمينيا وتركيا والعراق، لكسب رزقهم، على أنهم مقيمون خارج البلاد، وأوقفت صرف قسائم الدعم الحكومي لهم.
ويظهر مقطع فيديو متداول ازدحام المواطنين أمام أحد مكاتب الخدمات الحكومية في مدينة ماكو الحدودية. ويقول المواطنون إن طبيعة الأوضاع الاقتصادية في المناطق الحدودية تدفعهم إلى السفر إلى تركيا مرات عدة شهرياً للعمل وتأمين معيشتهم، على رغم أن محل إقامتهم الدائم لا يزال داخل إيران. ومع ذلك، فإن تكرار عبورهم الحدود أدى إلى تصنيفهم في الأنظمة الحكومية على أنهم مقيمون خارج البلاد.
وتروي امرأة في منتصف العمر من سكان طهران أنها اعتادت رؤية مسنين وذوي دخل محدود يبيعون قسائم الدعم الحكومي الخاصة بهم داخل المتاجر مقابل خصم يبلغ 20 في المئة من قيمتها. وتستذكر رجلاً مسناً اضطر إلى بيع قسيمة الدعم الحكومي الخاصة به لتأمين ثمن أدويته، قائلة إن صورته لا تزال عالقة في ذهنها، وإنها لا تفهم ماذا تريد هذه الحكومة من شعب أنهكته الأزمات الاقتصادية حتى الأعناق، ولماذا تصر على زيادة معاناته.
ولا تقتصر مشكلات قسائم الدعم الحكومي على وقف استحقاق المواطنين بحجة الإقامة خارج البلاد، إذ أظهرت تقارير ميدانية نشرت خلال الأسابيع الأخيرة أن كثيراً من المتاجر أوقفت قبول قسائم الدعم الحكومي بسبب تأخر الحكومة في سداد مستحقاتها.
وأفاد عدد من أصحاب المتاجر لوكالة “إيسنا” للأنباء، بأنهم وفروا السلع للمستهلكين من رأسمالهم الخاص، وخصمت قيمة المشتريات من رصيد الأسر المستفيدة، إلا أن مستحقات المتاجر لم تسدد حتى الآن، على رغم أن اللائحة التنفيذية للمشروع تنص على أن تجري التسوية خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن أزمة قسائم الدعم الحكومي لم تعد تقتصر على حرمان آلاف المواطنين من الاستفادة منها بذريعة إثبات الإقامة، بل امتدت أيضاً إلى آلية تنفيذ البرنامج نفسه. فالمستفيدون يواجهون خطر وقف الدعم أو تعليق استحقاقهم، في حين يشتكي أصحاب المتاجر من تأخر مستحقاتهم، وهو ما يهدد استمرارية قبول هذه القسائم في الأسواق.
وبذلك، بات البرنامج، الذي أطلق أساساً لمساعدة الأسر ذات الدخل المحدود على تأمين حاجاتها الأساسية، يواجه أزمة مزدوجة تتمثل في تشديد شروط الاستفادة منه من جهة، وتزايد الصعوبات التي تعترض تنفيذه على أرض الواقع من جهة أخرى، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة في شأن مستقبل هذا النوع من الدعم في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعيشها إيران.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”
