لا تخلو السيرة المحمدية من المعجزات ولكن لا تعتمد عليها؛ قصة واقعية قد تدور في حَدِّها الأدنى حول عربي جلبَ لنا نصًا، وصحيح أنه سيُعَدُّ معجزته الكبرى، ولكن ليس لتجلي الملاك وإملائه إياه، وإنما فقط لمحتواه، معانيه وألفاظه؛ كلُّ جملة فيه آية.

كأنها قصةٌ عن الأدب وما قد تَبلغُهُ الكلمات، عن نصٍّ أرعدَ سامعيه لأنه أرعدَ قائله أولًا، أخافه وطمأنه وتحدّاه وشجّعه، قال له «اقرأ» فقال «ما أقرأ» فقال بل باسم ربك ستقرأ، لينتهي الحال بما قرأه لئلا تنقطعَ قراءته، ولا حفظه ولا التفنُّن بغنائه، لألف وأربعمائة عام، يبقى فيها على رأس لُغته وحَكَمًا عليها.

قد لا يتصادم الفهم العلماني للسيرة بالضرورة مع ذلك الإيماني، راودني هذا الإحساس طويلًا فقرّرتُ اختباره هنا، بينما أفكّر في الإسلام بشقّيه، القرآن والنبي، مُستبعِدًا الله ولكن مبقيًا اطمئنان البشر إليه، مُعترِفًا بجهلي وغير مُستعَين إلا بخيالي، وبما يعرفه الجميع، لمحاولة فهم ما دارَ في نفس محمد وكيف سيفيضُ على محيطه والعالم أجمع.

إن من البيان لسحرًا، سيقولها يومًا، ولم يَرَ بشريٌ سحرَ البيان على وجوه سامعيه كما رآه هو؛ قد يكون هذا يقيني الوحيد في القصة كلها.

* * * * *

في البدء كان الفزع؛ تيار من الألفاظ ينساب في رأسه، غامضًا وطنّانًا حتى أخافه من أن يكون شاعرًا، سيقول بتصرف.

«وما علّمناه الشعر»، يتذكّر أو يُذكِّره القرآن، ذلك أنه إذا تمحورَ الوسطُ الثقافي وقتها حول فحول الشعراء، فقد اختار هو لثقافته منابعَ أخرى؛ تأمُّلَ الطبيعة وسماعَ الرهبان وقصص الأنبياء، مع تطلّع لا يكلُّ للكعبة، مُخالَطةِ حَجيجها واستحضارِ شخص إبراهيم بانيها.

«وما ينبغي له»، ذلك أنه الصادق الأمين وأعذبُ الشعر أكذبه، وقبلَ هذا، والأكثر إخافة، توحيه الجن بارتباطها بالنار والجنون، فيجدُ نفسه نافرًا منها ومُتطلِّعًا لوحي من جهة الملائكة، الدفء وليس الحريق والحكمة وليس العبقرية، ما يعني أنه ما إن تصوَّرَ الله مصدرًا للإبداع، وليس الشيطان كما شاعَ ويشيع، حتى ارتسمَ خطٌ فاصل بين شاعر ونبي، يُلزِمُ نفسه به فلا يكون كل شيء بعدها إلا نتاجًا له.

* * * * *

لن تكفي بلاغته بالتالي، كونه أوتي جوامعَ الكلم، لفهم معجزته، فقد سبقتها نفسٌ عظيمة وازدادت عظمةً بقدرته على تحييدها، يُهذِّبها بالصوم ويسمّي الجهاد ضدها، في أوج انتصاره، جهادًا أكبر، يؤذيه أعداؤه فلا يمنعه هذا من تحبيبهم في دينه، يسمونه «مذمَّمًا» فيقرّر أنه، كمحمّد، ليس موضوع الشتيمة هنا.

رسول الله إلى البشر، هكذا وصفَ نفسه فأفهمُها أنا كدليلِ البشر إلى الله، يقودهم إليه بكل اختلافه عنه، ينهاه عمّا يحب ويأمره بما يكره، وعلى نقيض فخر الشعراء بأنفسهم، فلن يرى نفسه إلا عبدًا له أو لضميره هذا، نبيًا يُنبئ بالنبأ وليس مصدره ولا موضوعه، يُحيّد نفسه لصالح هدفه فيتبعه المسلمون لهدفه أكثر مما يتخذونه هدفًا؛ يسلّمون بأولوية القرآن على سُنَّته وأولوية الكعبة على مسجده، يُناجون ربه ولا تخطر لهم مُناجاته هو، يقرأون مناجاة ربه الشخصية له، لسوفَ يعطيه فيرضى وألَم يشرح له صدره، فينسونه لوهلة وقد أحسَّ كل منهم أنه المُناجَى شخصيًا بها.

* * * * *

لعلَّ أحد أكثر دروس الإسلام إثارةً لي درس الغاية والوسيلة، إلهٌ شديدُ الخفاء قدَّمهُ لنا نبي شديدُ التجسُّد، بشريٌ من لحم ودم، يعرف اللاهوت ولا يعتزل الدنيا، يسافر ويتاجر ويعقد الأحلاف مُتطلِّعًا لهدفه، وما أن يحيدَ عنه ولو قليلًا، ولو لترغيب الناس فيه، حتى يأتي القرآن ليردّه إليه.

هكذا أفهمُ عتاب الله له لإعراضه عن الأعمى ومحاباته للمنافقين، بل ونسخ آية «الغرانيق» لو صحّت القصة.

سيضاف لما سبقَ طابعٌ توافقيٌ بَشوش يُحبّب الناس فيه ويُحبّبه في توحيدهم، فلا يصل يثرب، ولو مطرودًا، إلا وقد ذوّبَ الخلاف بين قبيلتيها، وهناك، كقاضي المدينة وسيدها، تُترجَم توافقيته تلك إلى قواعد ملموسة، ولا يهجره الوحي فيها أيضًا أو لا تخونه الكلمات، فقط تطول الآيات وتتشابك تبعًا لتغيُّر موضوعها من الباطن للظاهر ومن الله للمجتمع، فتُلاقي الروحُ جسدها والنظريةُ إثباتها ويتجاور في القرآن وَجهاه، المكي والمدني، الوجودي والإداري، حكمة الإنجيل، إذا أردنا، وشريعة التوراة، بهما يحوز الإسلام، ومع نَقْلته تلك من جيرة نصارى مكة إلى جيرة يهود المدينة، سُمْعتهُ كدين وسطي بين سابقَيْه؛ منهجٌ عملي يربط الأرض بالسماء ويعترف بالوسائل على ألّا تنسيه غاياتها.

* * * * *

لو أن معجزات الأنبياء هدفت لإقناع العوام من غير متذوّقي الحكمة، فقد عَوَّضت عن نُدرة معجزاته قُدرتُهُ على الانتصار في الواقع، يُبهرهم هنا والآن فيُرغمهم على تدبُّر الأزل والأبد، كأنها أيضًا ثنائية الهدف والوسيلة، أو المحتوى وقالبه، وقد انتقلت من الأقوال إلى الأفعال ومن القرآن إلى شخص؛ المحتوى نبي والقالب أول ملوك العرب، هكذا سَهُلَ فهمها على الأعاجم ومن لم يعرفوا القصة من أولها.

صحيحٌ بهذا المعنى أن السيف سيكون أحد عوامل انتشار الإسلام في محيطه، ولكن محتواه وحده ما سيكفل له البقاء فيه، لعله حدسٌ هذا إذ يدعو الملوك إلى دينه وليس إلى دولته، يُقدِّم لهم نفسه بلقب «رسول الله»، على غموضه، وليس بـ«ملك العرب» سهلِ الإقناع، تُسْلِمُ القبائل أفواجًا على وقع انتصاراته فيظل منتبهًا لعدم إغناء كثرتهم من الله شيئًا، يخطب في الناس فيبدو كمن لا يستهدفهم وإنما يستهدف الله أعلاهم، يسألهم هل بَلّغَ فيقولون «نعم» فيقول «اللهم فاشهد»، وهكذا تنتهي سيرته، كما نذكرها، بعد أن بدأت بـ«اقرأ»، ويظل هو بين الكلمتين مُدرِكًا لدوره كرسول ما عليه إلا البلاغ. هو ما أراد إلا إشهادَ الله عليه، وليس الانتصار ولو لِما بلّغ به.

«بل الرفيق الأعلى»، يردُّ في احتضاره على سؤال لم يسمعه غيره، كمن أدّى مهمته على الأرض فاختارَ فورها اللحاق بهدفه الروحي الشفاف.

«خُيّرتَ واخترتَ»، تهمس زوجته فلا يردُّ عليها، وقد توقف كليًا، وللأبد، عن سماع البشر.