لا يقتصر كأس العالم على كونه حدثاً رياضياً عالمياً، فهو طقس جماعي تُشارك فيه شعوب مختلفة، وتتجاوز دلالاته حدود المنافسة الرياضية نحو إنتاج حالة جماعية إنسانية واسعة. ففي فترة كأس العالم يتوقف الأفراد مؤقتاً عن إيقاع حياتهم اليومية، وينخرطون في تجربة جماعية تتجاوز اختلافاتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية.

يُمكِن مقاربة هذه الظاهرة من خلال مفهوم الطقس عند عالم الأنثروبولوجيا ريتشارد شكنر، الذي يرى أن الطقوس الجماعية تمنح الأفراد لحظة انفصال مؤقت عن الحياة اليومية، أو ما يسميه الانتقال إلى حالة استثنائية تتراجع فيها الحدود المعتادة، ويُصبِح الفرد جزءاً من جماعة أوسع.

بهذا المعنى، يصبح كأس العالم نوعاً من الطقس العالمي، مساحة مؤقتة يلتقي فيها البشر حول رموز مشتركة، وتمنحهم شعوراً بالانتماء ضمن طقس كوني يتجاوز حدود المكان والهوية السياسية.

ينطلق فيلم وقت مستقطع (Time Out) للمخرج علي قزويني وإنتاج إبراهيم ملحم، من هذه الفكرة تحديداً، لكنه ينقل هذا الطقس العالمي إلى مكان يبدو منفصلاً عنه تماماً: سوريا خلال كأس العالم 2022.

فالفيلم يرصد انعكاسات البطولة على مجتمع يعيش حالة من العزلة والانغلاق، لتُصبِح كرة القدم لحظة استثنائية داخل واقع يومي مأزوم.

عالم الفيلم: كأس العالم داخل سوريا وطقس البحث عن الانتماء

يُغطي الفيلم فترة كأس العالم 2022 التي أُقيمَت في قطر، لكن من داخل سوريا، في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري آنذاك، في مرحلة سبقت سقوطه. حين كانت الحياة الاجتماعية فيها محكومة بحالة عامة من البؤس، وانعدام الأفق، وقد غدت الحياة اليومية مجرد محاولة للاستمرار دون تصوُّر واضح للمستقبل.

في هذا السياق، يصبح كأس العالم «وقتاً مستقطعاً» بالمعنى الحرفي؛ لحظة مؤقتة يخرج فيها الناس من ثقل واقعهم اليومي، وينخرطون في طقس جماعي عالمي يمنحهم إحساساً مؤقتاً بالاتصال بالعالم.

يرصد الفيلم هذا المستوى من خلال الشارع السوري، عبر مقابلات مع أشخاص يتحدثون عن المنتخبات التي يشجعونها وعن علاقتهم بكرة القدم. حيث تكشف هذه الاختيارات عن طبقات عميقة من الانتماء والذاكرة والموقف السياسي.

فالتعاطف مع المنتخبات العربية مثلاً، رغم غياب القومية العربية بوصفها مشروعاً سياسياً جامعاً، يكشف استمرار حضور نوع من الانتماء الثقافي والعاطفي. كما يظهر التعاطف مع منتخبات أميركا اللاتينية أو أفريقيا بوصفها مناطق تحمل تجارب تاريخية مرتبطة بالاستعمار والتهميش.

وفي لحظات أخرى يتحول الحديث عن المنتخبات إلى تعبير سياسي مباشر، كما في موقف الشخص الذي يرفض منتخب فرنسا بسبب تاريخها مع العرب. هنا يكشف الفيلم مساحة كرة القدم كفضاء يحمل داخله الذاكرة الجماعية والانحيازات والهويات.

لكن هذا الانخراط في الطقس العالمي يحمل مفارقة أساسية: فالسوريون يشاركون في حدث كوني، بينما يعيشون واقعاً يشعرون فيه بالانفصال عن العالم. والابتعاد عن أي هوية سورية أو وطنية جامعة، فيصبح كأس العالم مساحة لاستعادة إحساس مؤقت بالانتماء لجماعات ومنتخبات أخرى، تكشف وبشكل غير مرئي عن بلد يُعاني من أزمة هوية وعزلة.

ومن أكثر اللحظات دلالة في رصد الطقس الجماعي داخل سياق بائس، مشهد متابعة مباراة المغرب وفرنسا في نصف نهائي كأس العالم، بعد خسارة المنتخب المغربي. تدور المشاهد داخل بناء يشبه السجن، وهو السكن الجامعي، حيث تتجمع أعداد كبيرة من الشباب في فضاء مُغلَق يتحول إلى مساحة طقسية كثيفة الانفعال تستحضر الرديات من الجنوب السوري (درعا والسويداء) لكن في ذروة هذا التوتر والانغماس، تنقطع الكهرباء، فلا يظهر الهدف الذي حسم نتيجة المباراة لصالح فرنسا، لتتحول اللحظة من ذروة التوقع إلى فراغ بصري مفاجئ. صورة تعبّر تماماً عمّا يُحاول تقديمه الفيلم، ضمن محاولة بحث الجماعة عن معنى جامع يذكّرهم بهويتهم الضائعة التي يحاولون الهروب منها، ومع ذلك يخرجون في النهاية مهزومين.

مستويات الفيلم: الحلم الرياضي والجغرافيا بوصفها عائقاً

يتداخل الرصد الجماعي في الفيلم مع مستويات فردية تكشف العلاقة بين كرة القدم والحلم الشخصي وآفاقه في البلاد.

المستوى الأول: يظهر من خلال شخصية اللاعب الناشئ كرم، وعلاقته بوالده الذي كان يحمل حلماً قديماً بأن يصبح لاعب كرة قدم ولم يتمكن من تحقيقه. لذلك يتحوّل دعم الأب لابنه إلى محاولة لاستعادة حلم شخصي مؤجل، حيث يصبح مستقبل الابن امتداداً لحلم الأب.

لكن قصة كرم تُعبِّر عن صورة أكبر لواقع كرة قدم الناشئين في سوريا. فالفيلم يكشف أن البيئة الرياضية بعيدة عن مفهوم الاحتراف، بدءاً من غياب أبسط التجهيزات، وصولاً إلى ضعف البنية التدريبية والمؤسساتية التي يُفتَرض أن تصنع لاعباً قادراً على المنافسة.

تصل رحلة كرم إلى لحظة مركزية عندما يُعبِّر عن رغبته بالحصول على جنسية أخرى والسفر لتحقيق حلمه. هنا تتحول الجغرافيا إلى العائق الأساسي؛ فالمشكلة لم تعد في الموهبة أو الرغبة، بل في المكان الذي يمنع الفرد من الوصول إلى مستقبله.

ويتقاطع هذا المسار مع شخصية أليسار بدور (حكم ساحة دولي) التي تخترق فضاء كرة القدم الذكوري، وتدخل مجال التحكيم في لعبة طالما ارتبطت بالهيمنة الذكورية. تُمثّل أليسار نوعاً آخر من الحلم؛ حلم الوصول إلى مستويات عالمية في التحكيم والمشاركة في بطولات كبرى، وقد تمكّنت بالفعل من تحقيق إنجاز استثنائي بوصفها أول حكمة سورية تُدير مباراة في بطولة عالمية، وصولاً إلى إدارتها نهائي كأس آسيا للسيدات تحت 17 عاماً.

أمّا المستوى الثالث فيظهر عبر أكاديمية (ISAT) لكرة القدم، التي يُديرها مدرب أرجنتيني (خوان ترويا) وزوجته البرازيلية (بريسيليا ترويا) التي تعمل كمدربة نفسية للأطفال والناشئين. تُقدِّم الأكاديمية نموذجاً مختلفاً يقوم على استخدام كرة القدم كأداة اجتماعية في مناطق النزاع، انطلاقاً من تجربة الكرة اللاتينية وقدرتها على بناء مساحات جماعية.

ومع ذلك، يكشف الفيلم مفارقة هذه التجربة، فالأكاديمية، رغم امتلاكها امتياز العمل ضمن منطقة من الحماية المؤسساتية التي سمحت لها بالاستمرار في تلك المرحلة، بقيت عاجزة عن تجاوز القيود البنيوية المحيطة بها، لتتحول محاولتها إلى مساحة مقاومة صغيرة داخل واقع لا يُوّفر شروط التطور والتغيير.

الرؤية الإخراجية: تكامل الصورة والصوت والمونتاج

لا يكتفي الفيلم بعرض واقع الشخصيات، بل يبني خطاباً سينمائياً يتجاوز خطابها.

تظهر الحالة السورية بصرياً (مدير تصوير: حمزة بلوق – تصوير عبيد الله حسين – محمد نمّور – إيهاب عروس) من خلال حضور كثيف للعتمة، حيث يعتمد التصوير على فضاءات مظلمة تخترقها أضواء محدودة مرتبطة بأجواء كأس العالم. وكأن مفهوم «الوقت المستقطع» لا يظهر فقط في موضوع الفيلم، بل يتحول إلى بنية بصرية: لحظة ضوء مؤقتة داخل واقع طويل من الظلام.

يخلق الفيلم تناقضاً بصرياً بين فضاءات الفقر والعشوائيات وبين أحلام الشخصيات. ومن أكثر اللحظات دلالة ظهور طفل من أطفال الشوارع بملابس رثة وهو يتحدث عن حلمه بأن يحمل ميسي كأس العالم. هنا تتجسد المفارقة المركزية للفيلم: واقع بائس يقابله توق إنساني إلى المشاركة والحياة والانتماء.

كما أدت هندسة الصوت (محمود محرز) دوراً أساسياً في بناء المعنى داخل الفيلم، من خلال رصد أصوات التشجيع والمناخ السمعي العام، الذي يتداخل بشكل متناقض مع البنية البصرية ضمن الكتابة المونتاجية (ريتا طيارة) للعمل. فالصوت هنا يدخل في علاقة شدّ مع الصورة، حيث يتجاور الحماس الجماهيري مع صور تكشف البؤس أو تشير إلى أسبابه البنيوية. فعندما يتناول الفيلم الحديث عن الاتحاد الرياضي، ينتقل إلى صور مرتبطة بالمؤسسات والسلطة، مثل جسر الرئيس (سابقاً) والأعلام المنتشرة في الفضاء العام، وصولاً إلى لقطة ملعب العباسيين الذي يظهر في حالة  فوضى بعد أن تحوّل من أهم فضاء كروي في البلاد ثكنة عسكرية، تحوّلٌ يُعبِّر عن تحول البلاد وناسها أيضاً. بهذا التكوين البصري، يكشف الفيلم ما لا يُقال بشكل مباشر في الحوار، عبر ربط المؤسسة الرياضية بالبنية السياسية التي ساهمت في إنتاج هذا الواقع.

ضمن هذا السياق، يظهر التفاعل مع كرة القدم والانتماء والتعصب كجزء من انخراط في طقس جماعي عالمي، وفي الآن ذاته كآلية للهروب المؤقت من واقع قاسٍ لا يتم التعبير عنه بشكل مباشر. هذا الواقع لا يُقال عبر الخطاب اللفظي للشخصيات، بل يتجسد في المزاج البصري للفيلم، وفي بناء الصورة، وحضور العتمة، واختيار الفضاءات، والتكوينات الصوتية التي ترافق المشاهد.

وبذلك ينتقل الفيلم إلى مستوى دلالي يتجاوز ما تقوله الشخصيات، حيث تصبح اللغة السينمائية نفسها أداة للكشف عن المسكوت عنه: عن العزلة، وأزمة الانتماء، وعن الحاجة المستمرة إلى إنتاج مساحة للحلم داخل واقع مغلق.

استمرار الأسئلة

جرى تصوير فيلم وقت مستقطع عام 2022، لكنه يُعرَض اليوم في سوريا بعد أن واجه المنع الرقابي خلال فترة النظام السابق. إن إعادة عرضه في السياق الراهن، وحتى في ظل التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام، تفتح الأسئلة ذاتها من جديد حول الرياضة بوصفها مجالاً اجتماعيًا مركزياً، وحول علاقتها بالهوية والانتماء والحلم.

فالفيلم يُقدّم كرة القدم كطقس جماعي بالمعنى الذي يقترحه ريتشارد شكنر؛ أي فعلاً جمعياً يُتيح للأفراد الخروج مؤقتاً من إيقاع حياتهم اليومية والانخراط في حالة استثنائية من التشارك والتمثيل والانفعال الجماعي، حتى داخل واقع مأزوم أو متحوّل.

ومن هذا المنظور، فإن دلالة الفيلم لا تقف عند لحظة إنتاجه أو عرضه، بل تمتد إلى الحاضر، حيث تتجدد الأسئلة نفسها في سوريا خلال كأس العالم الحالي أيضاً، ولكن ضمن سياق سياسي واجتماعي مختلف. فمع تغيّر البنية السياسية بعد سقوط النظام، يبقى سؤال الانخراط في الطقس الكروي قائماً: هل ما زال هذا التفاعل مع كأس العالم يمثل هروباً مؤقتاً من واقع لم يستقر بعد، أم أنه يشير إلى حاجة أعمق لإعادة إنتاج أشكال جديدة من الجماعة والانتماء؟

هكذا، لا يبدو أن الزمن قد أغلق أسئلة الفيلم، بل أعاد فتحها بصيغة أخرى. فبين الهروب والانتماء، بين العزلة والمشاركة، يظل كأس العالم بوصفه طقساً جماعياً مساحة اختبار دائمة لمعنى الهوية، ولموقع الفرد داخل جماعة بشرية أوسع، سواء في زمن الانغلاق أو في لحظة التحول.