ريد مطر – صحافية مصرية
لم تكن التسجيلات المسربة المفاجأة الوحيدة التي جاء بها عبد الرحيم علي في مداخلته مع عمرو أديب، فقد أعلن -رغماً عن مناهج الصحافة المحلية والدولية- أن صحافة المصادر المفتوحة هي شكل من أشكال الاستخبارات، ومن يستخدم أدواتها خارج جهاز المخابرات العامة -الجهة المالكة لغالبية الصحف والمواقع الصحافية- يصبح بمثابة الجاسوس.
استُدعي القبض على صحافيي منصة “متصدقش” سحابةً سوداء قاتمة، زاد ثقلها سيل التصريحات والتحليلات والمداخلات التلفزيونية التي لم تنقطع أو تهدأ لتهيئة الرأي العام المصري، كي يُؤمّن على قرارات وزارة الداخلية المصرية، فتهيئة الرأي العام عملية استراتيجية لا تمضي بعشوائية، بل بتكنيك اعتدنا على تراتبيّته.
بعد بيان وزارة الداخلية المصرية الذي اتهمت فيه الزملاء في منصة “متصدقش” بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، لم يظهر زملاؤنا في النيابات، ولم يتمكن المحامون من الوصول أو التواصل معهم، لأن هذه الخطوة لا بد وأن يسبقها حشد إعلامي لترسيخ رواية الداخلية. لا يتابع كل المصريين صفحة وزارة الداخلية على فيسبوك، لكنهم في غالبيتهم قد يتابعون أو يتعثرون في برنامج “الحكاية” لعمرو أديب، وحلقة أديب هذه المرة عن زملائنا في “متصدقش” ستجبر القاصي والداني على المكوث على كرسيه لمتابعة حلقة الإثارة والتسريبات، وليشهدوا تأكيد المذيع كلام الضيف عبد الرحيم علي، الذي ظهر فجأة بعد جلسة ساونا في باريس، وهو يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط.
ظهر عبد الرحيم علي؛ الرجل المناهض للثورة وللصحافيين ولنقابتهم – والذي تسبب في فصل كامل صحافيي البوابة نيوز وإغلاقها، وشُطب من نقابة الصحافيين- ليعلن امتلاكه 500 مكالمة مسجلة للصحافي والسياسي المصري عبد الرحمن منصور، الذي أعلنت وزارة الداخلية أنه المالك لصفحة “متصدقش”.
يبدأ عبد الرحيم علي بنشر تسجيلاته، أحدها مكالمة نسمع فيها صوت خيرت الشاطر، النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وهو يرد على عبد الرحمن منصور ويقول له: “ربنا يبارك فيك يا عبد الرحمن”.
مجاملة تلفونية تفسر نفسها تماماً، قام بها عبد الرحمن منصور للاطمئنان على صحة خيرت الشاطر بعد إجرائه عملية جراحية، قبل أن يصل الإخوان الى السلطة أصلاً، ومكالمة مسربة أخرى لعبد الرحمن يرتب فيها للقاء عصام شرف في ميدان التحرير مع المعتصمين، ومكالمة لعبد الرحمن منصور لإحدى صحافيات رويترز يبلغها فيها بخبر حصري عن الإفراج عن بعض المعتقلين.
كان يكفي أن يظهر صوت خيرت الشاطر، النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، في هذه المكالمة المسربة السريعة، على رغم خلو المكالمة تماماً من أي مضمون سياسي، لكنها كانت جديرة بأن يعرضها عمرو أديب مع تحليلات مطولة مع ضيفه، لمحاولة تأكيد أن عبد الرحمن منصور يخطط مع صحافيي “متصدقش” للإرهاب، أو كما قالها صريحة مع يوسف الحسيني “هدفهم قلب نظام الحكم في 25 يناير المقبل”.
أعطى برنامج عمرو أديب الهواء كاملاً وبسخاء لضيفه عبد الرحيم علي، كي يستفيض في كشف مؤامرة زملائنا على النظام، ولم يأتِ كلاهما على وصف زملائنا ولو لمرة واحدة باعتبارهم صحافيين، بل “مجموعة الإخوان”، في توازٍ ممتاز مع رواية الداخلية المصرية.
هذه السردية الواضحة تماماً، التي تمضي من دون تشكك في توريط ستة صحافيين شباب في جرائم إرهاب قد تكلفهم أعمارهم داخل السجون، لم تكلّف الإعلامي عمرو أديب أن يسأل السؤال البديهي لضيفه: كيف حصلت على هذه المكالمات المسجلة والمسربة، ولماذا أظهرتها اليوم؟ وأين الدليل القطعي الذي يدين ستة صحافيين بتهمة الإرهاب؟ باعتبارك رجلاً تقلد لسنوات منصب رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة مركز دراسات.
لم تكن التسجيلات المسربة المفاجأة الوحيدة التي جاء بها عبد الرحيم علي في مداخلته مع عمرو أديب، فقد أعلن -رغماً عن مناهج الصحافة المحلية والدولية- أن صحافة المصادر المفتوحة هي شكل من أشكال الاستخبارات، ومن يستخدم أدواتها خارج جهاز المخابرات العامة -الجهة المالكة لغالبية الصحف والمواقع الصحافية- يصبح بمثابة الجاسوس.
وعلى رغم أن كلمة الاستخبارات جذرها هو “خبر”، أصل عمل الصحافة ومنبعه، إلا أن استخدامها في هذا السياق تهمة أخرى، أو تفسير مضلل لا يقود فقط الصحافيين الستة إلى مصائر جنائية مهلكة، بل يفتح الباب لإدانة باقي الصحافيين الذين يعملون بأدوات التحقق في مسارات السفن والطائرات والبحث العكسي والبحث في الأرشيف المخفي والمحذوف والوصول إلى البيانات، إلى دوائر الشك والاتهام الوشيك، وكأننا في عصر الارتداد عن التطور في مهنة الصحافة، أو كأن حجب المواقع ليس كافياً، والأدوات صارت خطراً على الصحافيين في مصر.
وفي الليلة ذاتها التي ظهر فيها عبد الرحيم علي مع عمرو أديب، أصبح الصوت الأبرز وشبه الأوحد في باقي برامج التوك شو، إذ فُتح له الهواء بدقائقه الطويلة مع الإعلاميين يوسف الحسيني ونشأت الديهي، وصار هو الصوت الذائع على المنصات كافة، حتى أعلن أنه قادم قريباً من باريس ليحضر بشخصه برامج التوك شو لكشف “مؤامرة متصدقش”.
قال إن “أي قوى سياسية تقف في سبيل شيطنة وزارة الداخلية أعرف أن وراها مصيبة سودا والمجتمع كله يجب أن يقف ضد هذه الشيطنة”.
هنا صار الحشد الشعبي جاهزاً، ورواية الداخلية تجد من يؤكدها من الخبير الإعلامي مستعير الروايات مثلما هو مستعير الشعر. هنا سمحت الداخلية بمعرفة أماكن احتجاز الصحافيين الستة، وأعلنت النيابة اتهاماتها واضحة، بعدما أعلنتها بطريقة غير مباشرة مسبقاً على لسان رجلها عبد الرحيم علي؛ وهي تهم الانضمام إلى جماعة إرهابية (المقصود بها جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية في مصر)، وتهمة نشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام موقع على شبكة الإنترنت بغرض ارتكاب جريمة نشر الأخبار الكاذبة.
هذا التحوّل الواضح في التعاطي مع منصة “متصدقش” يطرح إشكالية أعمق تتعلق ببنية المشهد الإعلامي وتوازناته الراهنة؛ فالمنصة التي وُلدت من رحم الحاجة الشعبية لفرز الصحيح من المضلل في فضاء إلكتروني مزدحم بالشائعات، تحولت فجأة في الخطاب السائد من أداة لوعي المواطن إلى ثغرة في جدار الأمن القومي. هذا الانتقال السريع يعكس بوضوح ضيق المساحة المتاحة لأي جهد صحافي يسعى الى التغريد خارج سرب السرديات الجاهزة، حتى وإن كان هذا الجهد ملتزماً بأعلى المعايير المهنية والتوثيق، التي تفرضها مواثيق الشرف الصحافي الدولية لتدقيق المعلومات.
الآلة الإعلامية التي تولت صياغة الهجوم يتضح إصرارها على تفتيت القيمة المهنية للمنصة وتحويلها إلى مجرد “واجهة استخباراتية”. واستخدام مصطلحات فضفاضة مثل “التمويل المشبوه” و”إثارة البلبلة” يهدف بالأساس إلى نزع الشرعية الأخلاقية والوطنية عن الزملاء المحتجزين قبل حتى أن تنطق النيابة بكلمتها الفصل.
هذا الأسلوب لا يستهدف منصة “متصدقش” وحدها، بل يبعث برسالة ردع شديدة اللهجة إلى المجتمع الصحافي بكامله، مفادها أن الالتزام بالحقائق لم يعد درعاً كافياً للحماية، طالما أن التأويل الأمني يمتلك القدرة على إعادة تعريف العمل المهني كفعل تخريبي عابر للحدود.
وأمام هذا المشهد المعقّد، تجد نقابة الصحافيين نفسها في مواجهة واحدة من أصعب معاركها النقابية؛ إذ بات عليها ليس فقط الدفاع عن حرية أعضائها أو الممارسين للمهنة، بل الدفاع عن “مفهوم الصحافة” ذاته في العصر الرقمي. فمنع المحامين من التواصل مع المحتجزين وإصدار أحكام الإدانة المسبقة عبر الشاشات يمثلان تقويضاً صريحاً لقرينة البراءة.
أزمة صحافيي “متصدقش” لا تمثل مجرد واقعة توقيف عابرة لستة من الزملاء، بل هي اختبار حقيقي ومصيري لما تبقى من هامش للمجتمع المدني والصحافة المستقلة في مصر.
وبينما يصرّ المنبر الإعلامي الرسمي والظهير المؤيد له على إلباس القضية ثوب المؤامرة الدولية والتمويل الخارجي المرتبط بتنظيم الإخوان، تثبت شواهد الواقع وأرشيف المنصة المهني أنها لم تكن يوماً أداة في يد فصيل، بل كثيراً ما فندت أكاذيب وشائعات روجتها الآلة الإعلامية للجماعة نفسها في الخارج.
هذا التناقض الصارخ يُسقط ورقة التوت عن الحجج الأمنية، ويكشف أن الهدف الحقيقي قد لا يكون حماية الأمن القومي من “مؤامرة”، بقدر ما هو محاولة لتأميم الفضاء الإلكتروني بالكامل، وإغلاق آخر النوافذ التي تسمح للمواطن العادي بمقارنة الرواية الرسمية بحقائق الواقع على الأرض.
والسؤال الأهم والعاجل الآن: مَن المستفيد الحقيقي من تغييب أدوات تدقيق الحقائق في مصر في زمن تزداد فيه الحاجة إلى اليقين؟