الدكتور محمد نورالدين كاتب لبناني
غابت المواقف الرسمية التركية من سيطرة حركة «أنصار الله» على باب المندب والساحل الغربي لليمن، واكتفت وزارة الخارجية بإدانة الهجمات على خطّ أنابيب النفط السعودي «شرق – غرب»، داعيةً إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السعودية. في المقابل، رأت أوساط إعلامية مُقرّبة من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم أن التطوّرات تستهدف «حلف مكّة» الذي يضمّ السعودية وتركيا وباكستان، وأن حلّ مشكلة اليمن يتمثّل بـ«اجتثاث أنصار الله»، وفق صحيفة «تركيا» الموالية. واعتبرت الصحيفة، في افتتاحيتها، أن إيران عادت إلى استخدام «القوى التابعة لها»، بهدف «وأد حلف مكّة قبل أن يرى النور». وفي الصحيفة نفسها، رأى مصطفى أوزجان أن «إيران تختبر باكستان وتركيا»، مذكّراً بأن الإماميين «كانوا يتسبّبون بالمتاعب للعثمانيين، وأن مشروع السلطان عبد الحميد لمدّ خطّ سكة حديد الحجاز، كان يستهدف وضع حدّ لتمرّدهم»، ومضيفاً أن «التاريخ يوكل الآن لتركيا، مهمّة جديدة لحماية أمن المنطقة والعالم الإسلامي واستقرارهما».
مع ذلك، عكست ردود الأفعال التركية ارتباكاً حيال ما ينبغي القيام به، وسط شكوك في فاعلية «حلف مكّة»، الذي ظهر فجأة بين أطراف متناقضة، وبدت السعودية الأشدّ حاجة إليه، بفعل تداعيات حربَي اليمن وإيران على معادلات الردع والقوة لديها، والتي بلغت ذروتها بسيطرة حكومة صنعاء على باب المندب وتعطيل خطّ «شرق – غرب». وفي هذا الإطار، رأت رئيسة تحرير صحيفة «جمهورييات»، ميني إيسين، أن إيران حوّلت تركيزها، مع تزايد الضغوط الأميركية، إلى اليمن لتعويض ما فقدته في لبنان وسوريا والعراق، متسائلةً: «ماذا سيحصل لو تعرّضت السعودية لمزيد من الهجمات، ولجأت إلى طلب المساعدة من تركيا؟». وأجابت بأنه «سؤال صعب والإجابة عليه مُعقّدة بالقدر ذاته»، بسبب عدم اليقين بشأن بنود اتفاق مكّة، من بين أسباب أخرى. ودعت إلى مراقبة إمكان تطوّر الدعم الباكستاني غير العسكري للسعودية في حال وقوع هجوم أشدّ، وما قد يرتّبه من توقّعات بشأن الموقف التركي. ومع توقّعات اتّساع الأزمة، اعتبرت أنه «سيكون من الحكمة أن تسارع تركيا إلى توسيع نطاق اتفاق مكة، ليكون أشمل إقليمياً، وليضمّ دولاً من مثل مصر وإيران، ودولاً خليجية، بهدف خلق جبهة تتصدّى للاستفزازات الإمبريالية». ونبّهت إلى ترابط حركة المضائق، من هرمز وباب المندب إلى البحرَين المتوسط والأسود، ووقوع تركيا في قلب هذه المعادلة، محذّرةً من أن «الاختناق في حركة الشحن والنفط، سيؤدّي إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني». وشدّدت على أن مواجهة التحدّيات لا تقتصر على الاستعداد العسكري، إذ إن «العمل على إزالة الاستبداد، وحكم الشخص الواحد، وإرساء ديمقراطية فعلية تشاركية، مفتاح لحماية المصالح الوطنية».
من جهته، ذكّر يوسف ضيا جومرت، في مقالته في صحيفة «قرار» بعنوان «هل سنخوض حرباً ضدّ الحوثيين؟»، بدور البحرية العثمانية في القرن السادس عشر في الدفاع عن سكان إقليم آتشيه، في جزيرة سومطرة الإندونيسية، ضدّ البرتغاليين. وأضاف أنه بعد تسونامي 2004، أُسندت عمليات الإغاثة في الإقليم إلى فرق تركية، رغم إصرار البرتغال على تولّي المهمّة للعودة إلى الجزيرة التي هُزمت فيها، إذ إن «الماضي العثماني رجّح كفّة الأتراك». واعتبر أن «التاريخ قد يتقاطع مع مسارك في لحظة لم تتوقّعها»، متسائلاً: «لماذا قطر من بين كلّ دول الخليج لها العلاقات الأفضل مع تركيا؟ هل لأن قطر وقفت إلى جانب العثمانيين في الحرب العالمية الأولى ضدّ البريطانيين؟». وتابع أن الشريف حسين وقف مع البريطانيين ضدّ العثمانيين، بينما وقف الإمام يحيى، زعيم الزيديين في اليمن، إلى جانب العثمانيين ورفض العروض البريطانية المغرية. وهُزم البريطانيون، من دون أن يستفيد العثمانيون الذين انهارت إمبراطوريتهم وخرجوا من اليمن. وانتهى إلى أن السعودية تخوض الآن حرباً ضدّ الحوثيين، الذين يسيطرون على باب المندب ويحظون بدعم إيران، فيما يلمّح الأميركيون إلى أن على الأتراك، وفق حلف مكّة، محاربتهم بدلاً من الولايات المتحدة. واستبعد تحقّق ذلك فوراً، متسائلاً: «هل تَدخل تركيا مثل هذه الحرب؟ لا أعتقد. ولكن هل نعتبر من دروس التاريخ، ونتصرّف بما ينسجم معه؟ أحياناً نأخذ الدروس، وأحياناً لا نأخذها»