عمد رئيس الحكومة نواف سلام في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة الى توجيه رسالة قوية الى الداخل، عبر تصويبه النقاط في اتفاق الاطار الذي وقعه لبنان مع اسرائيل، والتي حازت على انتقادات قوية حتى من الداعمين الكثر للمفاوضات المباشرة بين البلدين. فأعاد التذكير باعتماد لبنان على اتفاق الهدنة والقرار الدولي 1701 ولو خلا منهما نص الاتفاق، وشرح جوهر هذا الأخير وفق ما يفهمه لبنان، والمبني على قاعدة “التبادلية والمرحلية”، وهو طالب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بجدول زمني للانسحاب الاسرائيلي.
وفي حديث إعلامي أخير، قال إنّ الإطار الثلاثي هو إطار وليس مثالياً، وأنّه لو تولّى صياغته لكتب الكثير من بنوده بشكل أفضل. وليس واضحاً إذا كانت هذه المواقف تفسد الود بينه وبين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي تولى مع فريقه صياغة الاتفاق الاطار، أم أن هذه التوضيحات حصلت بالتوافق والتنسيق بينهما. لكن المؤشرات المعلنة للتحرك الرسمي في المرحلة المقبلة باتت تتضح معالمها على خلفية التعاون الحتمي بين المرجعيات السياسية وفق ما يضغط الخارج أقله على هذا الصعيد. وتوقف كثيرون عند طبيعة الاستقبال الذي حصل لسلام في النبطية ووصف رئيس مجلس النواب اللقاء معه بأنه ممتاز .
على رغم أن إعادة تحجيم الحوثيين في اليمن تشكل ضربةً معنوية قاسية لمحور ايران على امتداد المنطقة، وتوجه رسائل حازمة وواضحة إليها في هذا الاطار، الى جانب استمرار الضغوط على العراق لحصر السلاح وتسليمه من الفصائل الموالية لها الى الدولة العراقية، يضغط بقوة على كل من الدولة اللبنانية لتنفيذ التزاماتها المماثلة جنباً الى جنب مع الضغط الذي يشكله كل ذلك على “حزب الله”، لا تفيد المعطيات المتوافرة لدى مصادر ديبلوماسية بأن الامور قد تتحرك إيجاباً في لبنان على هذا الصعيد أقله في المدى المنظور . فللبنان وتيرته الخاصة وخصوصيته حتى لو كان كل من الحوثيين والحزب والفصائل العراقية يعدون أذرعاً لايران، وحتى لو أن العنوان العريض في المنطقة هو دعم قيام الدول بعيداً من تنظيمات وميليشيات موازية لها.
وهذه الخصوصية تكمن في وجود احتلال اسرائيلي يوفر ذرائع مستمرة راهناً. ولكن هناك معطيات باتت تتضح مع مرور الوقت خصوصاً في ظل تعثر اتفاق الاطار وانتظار الاستحقاقات الخارجية المتصلة بالانتخابات الاسرائيلية والانتخابات الاميركية للبناء على الشيء مقتضاه. هذه المعطيات باتت تختصر بأن الضغوط الخارجية لأن يحزم الجيش اللبناني أمره في تنفيذ حصر السلاح بالقوة أو ببعض منها بدأت تنحسر، في ظل اقتناعات بأن لبنان غير قادر على ذلك وأن الدولة اللبنانية تبقى أضعف من أن تلجأ الى هذا الخيار . يساعد في تعزيز هذا المنطق أن تجربة اسرائيل في إخلاء جنوب الليطاني من سلاح الحزب استغرقت على الأقل حربين وتدميراً للقرى وتجريفها، فيما لا تزال تواصل عملياتها تحت عنوان “تنظيف” المنطقة من الأنفاق والسلاح.
والخطة البديلة لدى الدولة هي في السياسة والالتفاف على كل السبل التي يقوم بها الحزب لضمان دعم بيئته الجنوبية، من خلال استيعاب القرى والبلدات الجنوبية من ضمن الدولة والدفع في اتجاه أنها البديل الحتمي والوحيد أمامها. وهذه النقطة يدفع بها الخارج أيضاً مع مفارقة لافتة أن لبنان الرسمي لا يملك الامكانات الكافية لذلك في وقت لا دعم واسعاً ومفتوحاً له على هذا الصعيد من الخارج. ومن المؤشرات المعقدة أيضاً أن لبنان الذي ينتظر ضغطاً من واشنطن يوفر له على الأقل ورقة وقف النار قبل أي أمر آخر بما يمكن أن يحرج خصومه، يصطدم بواقع استمرار بقاء اسرائيل في الجنوب حتى نزع السلاح، في مقابل الاصطدام بمنطق الحزب الابقاء على سلاحه حتى ما بعد الانسحاب الاسرائيلي، وانتظاره تالياً أي تطورٍ خارجي مرتبط بالمفاوضات الأميركية- الايرانية على طريق حل معضلته، على رغم المخاطر التي يحملها ذلك من إمكان ترسيخ تفاهم غير معلن يبقي الستاتيكو الجنوبي على حاله لمدة طويلة من دون أي تقدم. وليس الارتباك في إيجاد بديل من القوة الدولية العاملة في الجنوب التي تنتهي مهمتها نهاية السنة الجارية، سوى أحد ابرز مظاهر عدم القدرة على بلورة خيارات مقنعة وفاعلة تساهم في منع تقويض عملية بسط لبنان سيطرته الكاملة على أراضيه أو تؤدي اليه.
