ملخص
مفهوم أن بنيامين نتنياهو يحرض يومياً أميركا على إكمال الحرب. وطهران لم تعد خائفة من حرب أميركية – إسرائيلية عليها بعد تجربة الحرب الناقصة. وترمب يكرر معادلة تهديدية: صفقة لمصلحة أميركا أو إكمال المهمة، لكن نتنياهو عاجز عن الذهاب وحده إلى الحرب من دون أميركا على رغم رهانه على الحرب لربح المعركة في انتخابات الخريف.
ليس أصعب من التفاوض سوى العودة إلى الحرب. وهذه هي مشكلة أميركا وإيران اللتين تمارسان الدبلوماسية والقتال وسط عدم اليقين واللاثقة المتبادلة. فلا من السهل الاضطرار إلى التفاوض بين من اغتال المرشد علي خامنئي وبين من رفع في التشييع المليوني في طهران وقم وكربلاء والنجف ومشهد شعارات: “الانتقام، الموت لأميركا، واقتلوا ترمب”.
كذلك أنه ليس من الأمور العادية أن يدار التفاوض على بنود منتقاة من “مذكرة التفاهم”، وسط إعلان الرئيس دونالد ترمب أن وقف النار الذي هو أساس المذكرة انتهى، وأنه أعطى الأوامر بإطلاق آلاف الصواريخ لتدمير إيران بالكامل على مدى عام إذا حاولت اغتياله، وسط دعوة المرشد مجتبى خامنئي “أحرار العالم إلى الانتقام”، بما يعيد التذكير بفتوى الخميني لقتل سلمان رشدي، فضلاً عن أن المشكلة أكبر من الإدارة الصعبة للتفاوض في مرحلة ما بعد حرب ناقصة، وأشد تعقيداً من إيحاء الطرفين أنهما مستعدان لمعاودة الحرب.
مفهوم أن بنيامين نتنياهو يحرض يومياً أميركا على إكمال الحرب. وطهران لم تعد خائفة من حرب أميركية – إسرائيلية عليها بعد تجربة الحرب الناقصة. وترمب يكرر معادلة تهديدية: صفقة لمصلحة أميركا أو إكمال المهمة، لكن نتنياهو عاجز عن الذهاب وحده إلى الحرب من دون أميركا على رغم رهانه على الحرب لربح المعركة في انتخابات الخريف.
المرشد مجتبى خامنئي يركز في رسائله على مسألة حساسة: “العين على الداخل”. وترمب خائف من حرب وارتفاع أسعار النفط والغاز بما يؤدي إلى خسارة حزبه الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية، بالتالي تقييد يديه في الأشهر الباقية له في البيت الأبيض.
كان ستالين يحذر من “دوار النجاح”، لكن الأطراف الثلاثة مصابون بهذا الدوار في ادعاء النصر. منسوب البخار المرتفع أصلاً في رأس ترمب وصل إلى حد الهذيان. نتنياهو لا يزال يصر على أنه “غير” الشرق الأوسط. والحرس الثوري يتصرف كأن إيران المدمرة صارت دولة كبرى لا شيء يمر في المنطقة والعالم من دون رأيها.
لكن الوقائع تعيد الجميع إلى القراءة في المصالح الحقيقية والفارق بين الرغبة والقدرة. فالمناقشات في “مؤتمر هرتسلیا” 2026 تركزت على الفارق بين إسرائيل وأميركا في النظرة إلى إيران، إذ هي في نظر تل أبيب “خطر وجودي”، وفي نظر واشنطن “تحدٍ إقليمي مزمن”: إسرائيل “تفكر في طهران” وأميركا “تفكر في تايوان”. ما يشغل أميركا هو “هندسة” الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد حرب إيران، بحيث العنوان هو “سلام ترمب”. وهذا ما يخيف إسرائيل لأنه يقضي على الآمال في مشروع “إسرائيل الكبرى”، وما يقلق طهران التي ترى في إسرائيل “غدة سرطانية” بحسب الإمام الخميني، وفي الشرق الأوسط “الأميركي” نهاية للطموح إلى شرق أوسط “إسلامي” بقيادتها.
ذلك أن الموضوع الملتهب حالياً هو مضيق هرمز، لكن اللعبة أكبر منه ومن الجمهورية الإسلامية والقوة العظمى الأميركية. فالحرب فتحت عيون طهران على سلاح أقوى من السلاح النووي الذي لا يمكن استخدامه وإن كانت حيازته ضماناً للنظام. أما مضيق هرمز، فإن من الممكن استخدامه بالإغلاق الكلي أو الجزئي في حال الحرب وهو يجلب المال بدل البرنامج النووي الذي استثمرت فيه إيران المليارات وتحملت أقسى العقوبات والضربات العسكرية، وتستعد للتخلي عنه في المفاوضات مع أميركا.
غير أن هرمز سلاح ذو حدين. فالتهويل به شيء واستخدامه شيء آخر. وعسكرة المضائق الدولية واللعب بها والاستهانة بقوانين البحار وحرية الملاحة البحرية مسألة بالغة الخطورة. وما يمكن أن يحول دون اعتداء أو حرب على طهران يقود بالتأكيد إلى حرب كبيرة لأن إغلاق المضائق البحرية هو إعلان حرب على العالم كله، ولن يصبر العالم على الإغلاق أياماً أو أكثر قبل أن تتقدم البوارج الحربية والطائرات وتنطلق الصواريخ.
لكن إيران تبدو مصرة على أمرين: تأكيد “الحق” في إدارة المضيق واعتباره ملكية خاصة، بقرار من المرشد، واستخدام السلاح لمنع أية سفينة تجارية من عبور هرمز، على رغم التعرض لضربات أميركية مدمرة ترد عليها بقصف البحرين والإمارات والكويت وسلطنة عمان والأردن بالصواريخ والمسيرات. وقمة المساخر قصف منطقة مسندم في سلطنة عمان بعد ساعات من محادثات في مسقط بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العماني حول بروتوكول لإدارة المضيق.
ولا يبدل في الأمر الإيحاء أن من يقوم بالقصف هو فريق متشدد في الحرس الثوري يرفض الاتفاق مع “الشيطان الأكبر” الأميركي، إذ حتى كبير المفاوضين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف يقول إن “زمن الاتفاقات غير المتكافئة انتهى”، وأنه “لا سلام مع أميركا ولا اعتراف بإسرائيل”. وهذا موقف من يوصف بأنه من “المعتدلين” في الفريق “الأصولي”. ولم يكتم الجيش القول إن السيطرة على هرمز تشكل “آلية أمنية” لإخراج أميركا من المنطقة.
وما يضيف إلى خطورة اللعب بسلاح هرمز هو التلاعب بالأمن الإقليمي. فمن جهة، تكرر طهران الدعوات إلى نظام أمني إقليمي إيراني- عربي مشترك من دون دور عسكري أميركي، ومن جهة أخرى، تشدد على دعم “جبهة المقاومة” المؤلفة من فصائل أيديولوجية مذهبية في البلدان العربية يقودها الحرس الثوري، وهذه الجبهة هي في الحد الأدنى خرق للسيادة العربية و”قرصنة” إيرانية لقرار الحرب والسلم في دول المنطقة بقوة الفصائل المسلحة في لبنان والعراق واليمن.
عام 1979 قال مسؤول سوفياتي للصحافي الأميركي جون كيلي إن “إيران هي اليوم أخطر مكان في العالم بالنسبة إلينا وإليكم”. لكن الاتحاد السوفياتي انهار وروسيا في شراكة استراتيجية مع طهران، وأميركا في حرب معها. أما خطر المشروع الإقليمي الإيراني فإنه في الدرجة الأولى على العالم العربي.
