شهدت مدينتي الألمانية الصغيرة التي أعيش فيها اكتظاظاً لافتاً بالعَلَم أيام المونديال، وتحديداً قُبيل خروج منتخبها منه. أعلام على الشرفات، على السيارات، وفي المقاهي والواجهات، وكأن المدينة اكتشفت فجأة عَلَمَها الوطني. المفارقة أنني، قبل بضعة أشهر فقط، كنت بالكاد أجد عَلماً ألمانياً واحداً حين احتجتُ إليه حرفياً، لا مجازاً، لإتمام معاملة جواز سفر سوري.

كنت حينها أحاول حجز موعدٍ عبر منصة القنصليات السورية في أوروبا لاستخراج جواز سفر، لكن الأعطال والضغط جعلا الأمر شبه مستحيل. وحين لجأتُ إلى قريب في سوريا، كما تُتيح القوانين، طلب موظف الهجرة والجوازات إجراء مكالمة فيديو معي للتأكد من وجودي خارج البلاد، بشرط أن أقف أمام مبنى حكومي يرفع علم الدولة التي أقيم فيها.

خرجت يومها أُفتِّشُ في المدينة بعينين مُعلَّقتينِ بالأسطح والنوافذ. وجدتُ أعلاماً تركية وكردية وإيطالية، لكن العَلَمَ الألماني ظلَّ غائباً حتى وصلتُ إلى مبنى البلدية، حيث ظهرت أخيراً ثلاثة أعلام متوسطة الحجم، عَلم ألمانيا، وعَلم الولاية، وعَلم الاتحاد الأوروبي. أمّا في موسم المونديال، بدا العلم الألماني في كل مكان، بعد أن كان نادراً حدَّ الغرابة حين احتجت إليه.

من هذه المفارقة بدأ سؤال المقال: ما دلالات حضور العَلَم والرمز بكثافة في المجال العام لدولةٍ ما؟ ولماذا يُصبِح حضوره رسمياً فقط في دولة أخرى؟ ساعدَني العيش بين ثلاث دول، سوريا وتركيا وألمانيا، على ملاحظة ثلاثة أنماط متدرجة في علاقة الدولة بالرمز الوطني: دولة مستقرة ومتقدمة، لديها حساسية تاريخية تجاه الرموز القومية، جعلتها لا تحتاج إلى استعراض دائم للعَلم، ودولة شبه ديمقراطية تُعاني قلقاً مزمناً حول تعريف الهوية الوطنية، ودولة منهارة وخارجة من صراع تحوّلَ فيه العَلَمُ إلى جزء من النزاع على الشرعية.

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولاً تحديد وظيفة العَلَم بوصفه رمزاً سياسياً. فهو ليس مجرد علامة بصرية، بل أداة تُكثِّفُ الهوية والسيادة والشرعية. والأمة، كما يشرح بنديكت أندرسون، جماعة متخيَّلة لا يعرف أفرادها بعضهم بالضرورة، لكنها تتعرّفُ إلى نفسها عبر رموز مشتركة وممارسات مكرّرة. بهذا المعنى، يُحوِّلُ العَلَمُ فكرةً مجردة، هي الوطن، إلى علامة قابلة للتداول في المجال العام، على الوثائق، وفي الطقوس الرسمية والاحتفالية.

غير أن العَلَمَ لا يُنتِج شرعيته بذاته. فقوته  تنشأ من العلاقة بين ما يُمثِّله نظرياً، وما تختبره الجماعة سياسياً واجتماعياً. فحين تستند الدولة إلى مؤسسات فاعلة وعدالة مُدرَكَة وتمثيلٍ سياسيٍّ معقولٍ، يصبح العَلَمُ تجسيداً لانتماء جماعي مستقر. أمّا حين تتراجع المؤسسات أو يتقلص حيّز المواطنة أو تشعر مكونات بذاتها بنقص الاعتراف، فإن العَلَمَ قد يتحوّل من رمز جامع إلى أداة تعويضية، تُستخدَم لتغطية نقص الشرعية أو لإخفاء اختلالات إدارة الدولة.

من هنا يُمكن تمييز معيار أساسي سيحكم المقارنة بين التجارب الثلاث: كلما استندَ الانتماء الوطني إلى مؤسسات وحقوق وتمثيل سياسي، تراجعت حاجة الدولة إلى تضخيم الرمز. وكلما ضعفت هذه الأسس، تضخَّمَ دورُ العَلَم ليؤدي وظيفة تعويضية، وهي إما تأكيدُ وحدةٍ مُتنازَع عليها، أو فُرِضُ تعريف رسمي للهوية، أو احتكار تمثيل الجماعة السياسية باسم الوطن.

تُقدِّم ألمانيا النمطَ الأول، حضوراً للعَلَم محكوماً باستقرار المؤسسات وبذاكرة تاريخية ثقيلة في الوقت نفسه. فبعد النازية والحرب العالمية الثانية، لم يَعُد الرمز الوطني قابلاً للاستخدام البريء أو المُكثَّف، كما في دول أوروبية أخرى. ففي فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا أو بريطانيا، يُمكن للعَلَم أن يظهر بوصفه امتداداً طبيعياً لتاريخ قومي طويل، رغم ما في هذا التاريخ من استعمار وحروب وانقسامات. أمّا في ألمانيا، فقد ظلَّ العَلَم مُحاطاً بحذرٍ أخلاقي خاص، لأن النازية لم تستخدم الرمز الوطني كعلامة انتماء فحسب، بل حَوَّلته إلى أداة تعبئة شمولية وعدوانية. لذلك نشأت بعد الحرب وطنية دستورية أكثر تَحفُّظاً، تجعل الانتماء مرتبطاً بالقانون والمؤسسات وفكرة المواطن، لا بالاحتفاء الدائم بالرموز القومية.

وكان كأس العالم 2006 لحظة مهمة في تطبيع حضور العَلَم الألماني في المجال العام، لكنه ظلَّ حضوراً موسمياً ومشروطاً بسياق رياضي احتفالي. وما أُلاحظه اليوم في مدينتي ينتمي إلى هذا النمط؛ فالعَلَمُ يظهر بكثافة أثناء البطولة، ثم ينحسر بشكل لافت بعد انتهائها. العَلَم هنا لا يتولى مهمة إنتاج الوطنية، بل يُرافق شعوراً بالانتماء يستند إلى مؤسسات مستقرة وتجربة مواطنة يومية.

أمّا النموذج التركي، فيُمثّل انتقالاً من رمزٍ مستقر إلى آخر قلق. ففيها، حيث عشتُ أيضاً، يكتسب العَلَم وظيفة مختلفة. إذ أنها حالة وسطى بين الديمقراطية المستقرة والاستبداد. توجد فيها انتخابات ومؤسسات وحياة سياسية تنافسية، لكنها تحمل توتراً بنيوياً حول تعريف الأمة. يتقاطع في هذا التعريف الإرثُ الجمهوري الكمالي، والقومية التركية، والإسلام السياسي، والذاكرة العثمانية، والهويات الكردية والعلوية والأرمنية. وفي هذا السياق، لا يكون الحضور الكثيف للعَلَم تعبيراً عن الانتماء فقط، بل أداةً لتثبيت تعريف رسمي للأمة في مواجهة تَعدُّد غير مُستوعَب بالكامل.

وترتبط هذه الكثافة بتاريخ تأسيس الجمهورية من بقايا الإمبراطورية العثمانية، وبمشروع بناء دولة قومية مركزية. لذلك يحضر العَلَمُ التركي في المدرسة والشارع والمؤسسة العامة بوصفه علامة على الوحدة والاستمرارية. غير أن النماذج القومية غالباً ما تُعرِّفُ المُواطَنة من الأعلى، ولا تترك مساحة كافية للاعتراف بالتعدُّد، لذلك فهي تُنتِجُ استقراراً خطابياً لا يلغي النزاع الواقعي حول الهوية.

وتتجلى المشكلة بشكلها الصارخ في العلاقة مع المسألة الكردية. فحين يشعر جزء من المواطنين أن لغتهم أو قوميتهم لا تحتل موقعاً متساوياً في السردية الوطنية، لا يعود العَلَمُ المُشترَك كافياً لإنتاج الانتماء. عندها لا يكون رفع عَلَمٍ آخر استفزازاً سياسياً، وإنما تعبيراً عن التهميش، وعن رفض لمواطنة مشروطة بالتخلي عن خصوصية جماعية.

أمّا في سوريا، فننتقلُ من قلق الهوية إلى انهيار الإطار الذي كان يُفترَض أن يُنظِّمها. وهي ليست مثالاً بعيداً في هذا النص، بل البلد الأول في الذاكرة والتجربة. هناك لم يبقَ قلقُ الهوية في مستوى التوتر السياسي، بل انفجر مع انهيار المجال الوطني المشترك. منذ 2011، كثّفَ النظام السابق حضورَ العَلَمَ الرسمي في الشوارع والمؤسسات والأسواق بوصفه إثباتاً للولاء، وليس كراية جامعة. بالمقابل، أعادت المعارضة إحياء عَلم الاستقلال لتأكيد القطيعة مع النظام والتمييز بين الدولة والسلطة.

ثم تعدَّدت الأعلام كنتيجة للفوضى العسكرية، وكدلالة على تَفتُّت المرجعية الوطنية. فإلى جانب عَلَم النظام وعَلَم الثورة، ظهرت رايات إسلامية لدى فصائل مسلحة، ورايات كُردية في مناطق الإدارة الذاتية. وحمل كل عَلَمٍ تصوراً مختلفاً لسوريا المقبلة؛ دولة مركزية أمنية، دولة مدنية تعددية، سلطة دينية، فيدرالية بإدارة ذاتية قومية. بهذا المعنى، لم تكن الأعلام تُميِّزُ الجغرافيا فقط، بل كانت ترسم حدود الخيال السياسي المُتنازَع عليه.

عقب سقوط النظام، فإن الانتقال من عَلمٍ إلى آخر لا يحلُّ بذاته مشكلة الشرعية. فرصيدُ العَلم لا يبقى ثابتاً لمجرد أنه ارتبط بثورة أو بذاكرة تحرُّرية. فقد اعتمدت السلطة الجديدة خلال العام والنصف الماضيين، بدرجة مفرطة، على الرصيد الرمزي لعَلم الثورة وما يُمثّله من قطيعةٍ مع النظام السابق، ووعدٍ باستعادة الدولة. غير أن الأزمات الداخلية، وتراكُم الإهمال في أداء المؤسسات، وتدهور الاقتصاد، وتعثّر مسار العدالة، جميعها أدت إلى تآكل هذا الرصيد على نحو لافت. فالعَلَم الذي يكتسب معناه من وعد سياسي وأخلاقي، يفقد جزءاً من قوته حين لا يجد هذا الوعدُ ترجمةً ملموسة في حياة الناس.

بهذا المعنى، لا تهدف المقارنة إلى مساواة التجارب أو تجاهل اختلافاتها، بل إلى إبراز خَطٍّ ناظم واحد، وهو أن العَلَم لا يستمد قوته من ذاته، بل من العلاقة بين الرمز وأداء الدولة. وهنا تُمثِّلُ سوريا ذروة التباين؛ فقد أثبتت أن تغيير الراية قد يفتح باباً للشرعية، لكنه لا يكفي وحده لبنائها. فالرمز يستطيع أن يُعلِنَ القطيعة مع الماضي، لكنه لا يستطيع تعويضَ غياب العدالة، ولا ملء فراغ المؤسسات، وبالتأكيد لن يُحوِّل السلطة الجديدة إلى دولة ما لم يشعر الناس بأن حياتهم اليومية بدأت تتغيّر فعلاً.

وهنا تظهر معضلة الدولة السورية الجديدة. فقد ورثت من الثورة رصيداً رمزياً ضخماً، كان عَلَمُ الثورة أبرز علاماته وأكثرها قدرة على مخاطبة العالم. ففي المحافل الخارجية، بدا هذا العلم وكأنه شهادة سياسية وأخلاقية للجماعة الحاكمة، ودليل على القطيعة مع ماضيها ومع النظام السابق، وعلى الانتماء إلى ذاكرة الضحايا، وعلى أحقية العهد الجديد في تمثيل سوريا بعد سنوات طويلة من العنف. وكان ظهوره كافياً في أي مؤتمر دولي أو لقاء كي يستحضر، دفعة واحدة، صور المظاهرات الأولى، والهتافات، والساحات، والمعتقلين، والمهجرين، وكل ذلك المخزون العاطفي والسياسي الذي صنعته الثورة السورية في وجدان السوريين والعالم.

لكن الخللَ بدأ حين جرى التعامل مع هذا الرصيد كما لو أنه تفويض مفتوح، لا أمانة ثقيلة. فالثوراتُ عادةً، لا تمنح شرعية لا نهائية لمن يتحدث باسمها، بل تمنحه فرصة مشروطة، بأن يُترجِمَ قيمها إلى مؤسسات، وتطلُّعاتها للعدالة إلى سياسات، وذاكرتها إلى عقد جديد مع الناس. وما حدث داخلياً كان أقرب إلى العكس. فبدل أن يتحوّلَ عَلَمُ الثورة إلى عنوان جامع لدولة تُعيد وصل المجتمع بنفسه، جرى استنزاف رصيده ودفعه تدريجياً إلى الخلف، لمصلحة «هوية بصرية» تُمثّل رمزاً سلطوياً مُستحدَثاً أرادت السلطة الجديدة أن تجعله شارة عهدها وزمانها الخاص. صار الرمز الجديد يحضر على بزّات المسؤولين وواجهات المؤسسات ومظاهر السلطة، بينما بقيت التطلعات التي يُمثّلُها العَلم مُؤجَّلةً وبلا جواب؛ أين العدالة؟ أين الكفاءة؟ أين تحسين حياة الناس؟ أين التمثيل؟ وأين الفرق الفعلي بين دولة الثورة ودولة تكتفي باستثمار ذاكرتها؟

المشكلة، إذن، ليست في أن تتخذ الدولة شعاراً موازياً للعَلَم. كل دولة تقريباً تحتاج إلى شعار رسمي يُمثِّلُ جهازها السيادي والإداري، كما يُمثِّلُ العَلَمُ جماعتها الوطنية وذاكرتها العامة. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الشعار من رمزٍ للدولة إلى علامة على سلطة منفصلة عن المجتمع، وحين يظهر على صدور المسؤولين أكثر مما يظهر أثرُ الدولة في حياة المواطنين، ويصبح جزءاً من المسافة بينهما لا جسراً فوقها. هنا يفقد الرمز وظيفته الجامعة، ويتحول إلى زينة رسمية لعهدٍ يُطالب الناس بالاعتراف به، من دون أن يمنحهم أسباباً يومية لهذا الاعتراف.

ولهذا تبدو المفارقة السورية شديدة القسوة؛ فالسلطةُ الجديدة استدعت عَلَمَ الثورة حين احتاجت إلى شرعية خارجية، لكنها في الداخل لم تَصُن المعنى الذي جعل هذا العَلَمَ قوياً أصلاً. فالعَلَم لم يكن يوماً مجرد ألوان بديلة عن علم النظام، بل كان وعداً سياسياً وأخلاقياً، بألا تعود الدولة جهاز إذلال، وألا تُختصَر البلاد في سلطة، وألّا يبقى المواطن تابعاً ينتظر منّةً من الموظف أو الحاجز أو المسؤول. فإذا عاد المواطن إلى حالة العجز ذاته، والبطالة نفسها، والفساد نفسه، وانسداد الأفق نفسه، فإن المشكلة لن تكون في ضعف التسويق السياسي للعهد الجديد، بل في انهيار الصلة بين رمزه الرسمي وخبرة الناس اليومية.

ومن هنا يُصبح الرصيد الرمزي للثورة قابلاً للارتداد. فالرموزُ التي حملت طاقة اعتراضٍ كبرى لا يمكن تدجينها نهائياً بقرار من السلطة (نهاية الثورة وبداية الدولة). قد تُرفَع في القاعات الرسمية، أو تظهر في المحافل الدولية، ومن الممكن استخدامها في الخطابات لتأكيد الشرعية، ولكنها تَظلُّ محتفظة بذاكرتها الأولى، ذاكرة الشارع والهتاف. لذلك، إذا استمر تدهور الأداء، وتعمّقَ الفشل الاقتصادي، وتعثَّرَ مسار العدالة، واتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع، فقد يعود عَلَمُ الثورة نفسه إلى موقعه الأول، لا كراية مبتذلة للعهد الجديد، بل كرمز للاعتراض عليه. وحين يحدث ذلك، لن تكون السلطة أمام خلاف على رمز، بل أمام استعادة للمعنى المُعارِض الذي حمله هذا العَلَم منذ البداية.

لهذا، فالجواب عن سؤال المقال: إلى أيّهما ننتمي، العَلَم أم الدَّولة؟ هو أننا ننتمي أولاً إلى الدولة، بما تعنيه من عدالة وقانون ومؤسسات وكرامة مُعاشَة يومياً. والعَلَمُ يظلُّ ضرورياً، لكنه لا يخلق شرعية من العدم، ولا يحمي سلطةً من فشلها، ولا يستطيع أن يبقى وفياً للثورة إذا تحوّلت الثورة نفسها إلى رصيد خطابي في الخارج، وزينةٍ سلطوية في الداخل. فالدولةُ العادلة وحدها تمنحُ رموزها معنىً قابلاً للحياة. أمّا حين تتراجع مسارات العدالة، وأداء المؤسسات، والاقتصاد، فإن أيَّ عُقابٍ ٍجديد، مهما علا على الصدور والواجهات، لن يستطيع حماية السلطة من العَلَم نفسه، ولا من طاقة المُعارَضة التي حملها طوال سنوات الثورة.