
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض، مجرد محطة دبلوماسية في مسار العلاقة المتصاعدة بين دمشق والرياض. فخلف الصور الرسمية وعبارات التعاون، تظهر تدريجياً ملامح مسار أكثر حساسية، عنوانه الأمن والقوة العسكرية السورية.
وقال مصدر مطلع على كواليس الزيارة لـِ “المدن”، إن سوريا أرسلت نحو ألف و500 مقاتل إلى السعودية منذ نحو أسبوع؛ أي قبل زيارة الشرع الأخيرة إلى الرياض. ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت هذه القوة مخصّصة لمهام دفاعية داخل الأراضي السعودية، أم أنها تمثل مرحلة أولى من ترتيبات يمكن أن تتوسع لاحقاً باتجاه اليمن.
من التنسيق الأمني إلى القوة السورية
وقبل يومين، تحدث تقرير لموقع “أكسيوس” عن مباحثات سعودية-سورية بشأن إمكانية إرسال قوات سورية إلى اليمن، وطرح أرقاماً تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف جندي، في وقت نقلت وكالة “رويترز” أن الخيارات التي نوقشت تشمل دعماً دفاعياً للسعودية أو مشاركة سورية في عمليات داخل اليمن.
وقد تكون الرياض ودمشق أمام عملية اختبار تدريجية: إرسال قوة محدودة أولاً، وتحديد مهمتها، اختبار قدرتها على العمل ضمن ترتيبات سعودية، ثم اتخاذ قرار بشأن توسيع المشاركة، وهذا يفسر أيضاً لماذا قد تكون مهمة القوة داخل السعودية أكثر منطقية في المرحلة الأولى.
وإذا كانت السعودية تملك قدرات جوية ودفاعية ولوجستية، فإن ما يمكن أن تقدمه دمشق مختلف: الخبرة البشرية في الحرب البرية. فالقوات السورية الجديدة تضم مقاتلين وقادة خاضوا سنوات طويلة من الحرب، وراكموا خبرات في القتال داخل المدن، وإدارة الوحدات، وتأمين المواقع، والتعامل مع خطوط تماس معقدة. لذلك، قد لا تكون قيمة المقاتل السوري في عدد الرصاصات التي يحملها، بل في الخبرة التي يحملها معه.
أهمية الانتشار داخل السعودية أكثر من اليمن
الهدف السعودي هو حماية أراضي المملكة في ظل تصاعد الهجمات الحوثية، فإرسال قوة سورية إلى السعودية قد يكون أكثر فائدة وأقل كلفة سياسياً من زجّها مباشرة في الأراضي اليمنية.
قوة سورية محدودة يمكن أن تتولى مهام حماية أو إسناد أو انتشار في مواقع محددة، فيما تحتفظ القوات السعودية بقدرتها على التركيز على العمليات الأخرى. كما أن هذا السيناريو يسمح لدمشق بتقديم دعم عسكري للرياض دون أن تتحول فوراً إلى طرف مباشر في الحرب اليمنية.
لكن انتقال القوة إلى اليمن، سيكون قراراً مختلفاً تماماً، فعندها لن يكون الأمر مجرد “دعم أمني للسعودية”، وإنما مشاركة سورية في حرب خارج الحدود.
لقاء المطيري ـ خطاب
وأفاد المصدر المطلع “المدن”، بأنه كانت هناك زيارة سرية للواء السعودي نواف المطيري إلى دمشق، في 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، التقى خلالها وزير الداخلية السورية أنس خطاب، في إطار اتصالات أمنية بين الجانبين.
فوزارة الداخلية السورية ليست وزارة الدفاع، لكن الملفات التي تقع على تقاطع الأمن الداخلي والحدود ومكافحة الإرهاب وحماية المنشآت وانتقال الأشخاص، تجعلها لاعباً أساسياً في أي ترتيبات تتعلق بالقوى البشرية السورية الموجودة خارج البلاد.
كما أن أنس خطاب، بوصفه وزيراً للداخلية، يشكل إحدى القنوات الرئيسية في منظومة التنسيق الأمني السوري مع الدول العربية.
الرياض تسعى لتوسيع منظومتها الأمنية
تعمل الرياض على إعادة ترتيب منظومتها الأمنية الإقليمية في ظل تعدد مصادر التهديد، من اليمن إلى العراق، ومن البحر الأحمر إلى الملفات المرتبطة بإيران. وفي هذا السياق، يصبح انضمام دمشق إلى شبكة أمنية عربية جديدة ذا قيمة مختلفة.
فالجيش السوري الجديد يملك موقعاً جغرافياً مهماً، وقوة بشرية كبيرة، وخبرة قتالية، فيما تمتلك السعودية الموارد والإمكانات والتأثير السياسي والاقتصادي وقد تكون هذه المعادلة هي التي تدعم دخول سوريا إلى “حلف مكة”.
كما أن السعودية لا تحتاج من سوريا إلى كل شيء، ففي المجال التقني والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، تمتلك الرياض خيارات أخرى، وتركيا تستطيع تقديم قدرات متقدمة في هذه المجالات.
أما دمشق، فما يمكن أن تقدمه بصورة مختلفة هو العنصر البشري والخبرة البرية وهذا يجعل الأدوار المحتملة قابلة للتقسيم: تركيا في المجال التقني والدفاعي، والسعودية في التمويل والقيادة والإسناد، وسوريا في القوة البشرية والخبرة البرية، وإذا جرى تطوير هذه المعادلة، فإنها ستكون أبعد من صفقة مقاتلين.