ملخص
في حال وجود نيات حقيقية وجدية لدى الطرفين، فقد يشكل لقاء نيويورك مدخلاً لفرصة تاريخية، بخاصة لطهران، التي من المفترض أن تستغلها وتوظفها في إعادة النظر والتفكير في مستقبلها السياسي بآليات مختلفة عن السابق، إلا أن السؤال يبقى: هل وصلت طهران لمثل هذه القناعة وبقدرتها على القيام بإعادة نظر شاملة وأساسية حول تعاملها مع محطيها والعالم؟
التحول الأبرز الذي أنتجه اللقاء الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، بين وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي والمندوب السامي للإدارة الأميركية ستيف ويتكوف، على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، هو أن عقدة اللقاء المباشر بين الطرفين قد سقطت، وأن الجانب الإيراني لم يعد يجد حرجاً أو عائقاً أمام عقد مفاوضات وحوارات مباشره مع الجانب الأميركي.
لقاء عراقجي – ويتكوف، بحضور مساعد الشؤون القانونية كاظم غريب أبادي وجاريد كوشنر، انتهى إلى نتائج جيدة كثيراً، بحسب تعبير ويتكوف، في حين نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن عراقجي أن الوفد الإيراني أعاد التأكيد أمام الجانب الأميركي على شروط إيران لأي اتفاق محتمل، والتي لا تخرج كثيراً عما جاء في مذكرة التفاهم التي سبق التوقيع عليها بعد مفاوضات إسلام آباد وجنيف.
وفور إعلان حصول اللقاء بين الوفدين الأميركي والإيراني، انخفضت أسعار خام النفط بصورة واضحة، في أول رد فعل من أسواق الطاقة العالمية، مما يشكل هدفاً بحد ذاته بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يتخوف من تأثير ارتفاع الأسعار في مسار معركة انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
الوفد الإيراني الذي ذهب إلى نيويورك، لم يخاطر في عقد لقاء مع الجانب الأميركي، من دون أن يكون قد حصل مسبقاً على ضوء أخضر من القيادة العليا لمرشد النظام، وموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، وبالتالي فإن هذه الخطوة كانت نتيجة توافق داخلي بين مراكز القرار العسكرية والسياسية والأمنية، لتفعيل المسار الدبلوماسي في هذه المرحلة، وأسهمت المؤشرات الاقتصادية السلبية في تسهيل اتخاذ مثل هذا القرار، بخاصة بعد دخول إستراتيجية الحصار “المنبوذ الاقتصادي” مستوى جديداً، يعزل إيران عن التواصل الجوي مع العالم.
وإذا ما كان ترمب وإدارته استطاعا إحداث خرق مبدئي في جدار التصعيد العسكري والأمني، من خلال لقاء نيويورك بين ويتكوف وعراقجي، وفتح كوة أمل في إنهاء تعطيل وإقفال الممرات المائية، في مضيقي هرمز وباب المندب، فإن الجانب الإيراني لن يتعامل مع الخطوة الأميركية بكثير من الثقة، على رغم انفتاحه على أي مسار يؤدي أو ينتهي إلى اتفاق دائم وشامل ونهائي، يعيد دمجه في المجتمع الدولي سياسياً واقتصادياً وتجارياً وأمنياً، من دون أي شروط أو عوائق، إلا أن طهران محكومة بذاكرتها القريبة وتجاربها العملية في عمليتي تفاوض خاضتهما عامي 2025 و2026، وانتهتا بشن واشنطن وتل أبيب هجمات جوية، قتلت مرشد النظام وعدداً كبيراً من قيادات الصف الأول، السياسية والعسكرية والأمنية والعملية النووية.
طرفا الأزمة والتفاوض لم يعودا لطاولة التفاوض والحوار نتيجة تعديلات أجرياها على شروطهما وموافقهما، المعلنة سابقاً حول رؤيتهما للحل، ويتضح ذلك من المواقف المعلنة، فالجانب الإيراني وضع أمام الطرف الأميركي الشروط السبعة التي سبق أن أشار إليها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، والتي لا تخرج عن السياق العام لبنود مذكرة التفاهم التي سبق أن وقّع عليها الرئيسان الأميركي ترمب والإيراني مسعود بزشكيان، في حين أن الجانب الأميركي لا يزال متمسكاً، على لسان ترمب، بلغة التهديد والوعيد والحصار والتدمير، وفرض المطالب السابقة المتعلقة بالموضوع النووي والنفوذ الإقليمي.
إيران التي تسعى إلى الخروج من معادلة “لا حرب – لا سلم”، والانتقال إلى اتفاق واضح ينهي حال الحرب معها، ومع جميع القوى المتحالفة والموالية لها في المنطقة، يبدو أنها لن تبادر إلى أية خطوة قبل التحقق من جدية الطرف الأميركي في تنفيذ خطوات مسبقة، تتعلق بفك الحصار البحري وتحرير الأموال والأرصدة المجمدة، ورفع العقوبات عن قطاع الطاقة وعائداته، قبل الانتقال إلى خطوة فتح مضيق هرمز، والالتزام بتسهيل عبور ناقلات الطاقة والتجارة، بخاصة أن منظومة السلطة، وعلى رغم رغبتها الكبيرة في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، لكنها لا تُسقط من حساباتها وتوقعاتها أن يقوم ترمب بالانقلاب على الاتفاق، والعودة لخيار الحرب، بناء على نتائج الانتخابات النصفية، سواء بالانتصار أو الخسارة.
يبدو أن كلا الطرفين، في واشنطن وطهران، يعتقدان بوضوح أن الوقت لم يحن بعد لعقد اتفاق نهائي، ينهي الصراع بينهما ويؤسس لمرحلة من تطبيع العلاقات، وبالتالي فإن ما يسعيان إليه هو اتفاق مرحلي يناسب كثيراً إدارة ترمب، ولا يلبي طموحات طهران للخروج من حال انعدام الوزن والتوزان، لأن الاتفاق الدائم من المفترض ألا يتضمن أية ذريعة تسمح لأي الطرفين بالسعي إلى نقضه أو الانقلاب عليه.
وعلى رغم وصف ويتكوف مفاوضاته ونقاشاته المطولة مع عراقجي بالإيجابية والجيدة جداً، وأنها تؤسس لجلسة أخرى لاستكمال البحث، لكن عدم وجود أي تسريبات واضحة حولها، باستثناء ما حاولت طهران الإشارة إليه عن تمسكها بالشروط السبعة لمحسن رضائي، باعتباره ممثلاً عن منظومة القرار، يعني أن مسار التوصل إلى اتفاق دائم لا يزال بعيداً أو غير واضح، فالاتفاق النهائي من المفترض ألا يقتصر فقط على المطالب الأميركية في مقابل المطالب الإيرانية، لأن المنطق الجيوسياسي وساحة الصراع لا تقتصر على واشنطن وطهران فقط، بل تعني وتشمل لاعبين آخرين في الإقليم، والجوار الجغرافي والسياسي لإيران، وهم الأكثر تأثراً سلباً وإيجاباً بأي نزاع أو اتفاق قد يحصل بين الطرفين، ولذلك فإن من الطبيعي لنجاح أي اتفاق، وتحوله إلى حقيقة دائمة قابلة للحياة، أن يتحول إلى مكان تجد فيه هذه الدول وهؤلاء المؤثرون حيزاً ودوراً في سياقه، بخاصة الدول الخليجية، بما تعنيه من مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، تجب مراعاتها وأخذها بالاعتبار عينه، لأن أي شعور قد يتشكل لدى هذه الدول بعدم الأخذ بمصالحها، وتهميش دورها، والتقليل من أهميته، لن يسهم في تسهيل استدامة أي اتفاق، وأن ما تحاول أن تكرسه طهران بفصل حوارها مع واشنطن حول الإقليم، عن حوارها مع الدول الخليجية، وأن باستطاعتها معالجة هواجس ومخاوف هذه الدول من خلال الحوار الثنائي، قد يؤدي إلى أزمة جديدة من انعدام الثقة العربية والخليجية في الطموحات الإيرانية داخل الإقليم.
لقاء نيويورك، في حال وجود نيات حقيقية وجدية لدى الطرفين، قد يشكل مدخلاً لفرصة تاريخية، بخاصة لطهران التي من المفترض أن تستغلها وتوظفها في إعادة النظر والتفكير في مستقبلها السياسي، بآليات مختلفة عن السابق، إلا أن السؤال يبقى: هل وصلت طهران لمثل هذه القناعة، وبقدرتها على القيام بإعادة نظر شاملة وأساسية حول تعاملها مع محطيها والعالم؟
