أخذاً بالاعتبار القائمة الطويلة من مآخذ المملكة العربية السعودية على القيادة الإيرانية على مدى العقود الماضية، يتساءل كثيرون: لماذا تدعم المملكة الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء حرب قد تنجح في تحجيم خصم لدود؟ وهو سؤال وجيه، ولكن الإجابة عنه معقَّدة.
فبعد نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979، مباشرةً، وعلى مدى عقود، استهدفت طهران أمن المملكة واستقرارها، فأسست حركات إرهابية سعت إلى تأجيج الخلافات الطائفية، وهاجمت المنشآت النفطية، واعتدت على قوات الأمن، بل دعا بعضها إلى انفصال أجزاء من المملكة ووضعها تحت هيمنة إيران.
ولكن تلك المحاولات البائسة فشلت جميعاً، فحافظت السعودية على أمنها واستقرارها، وقفزت مؤشرات التنمية فيها بشكل غير مسبوق، وتضاعف حجم اقتصادها أكثر من عشر مرات، من 112 مليار دولار عام 1979 إلى أكثر من تريليون ومائتي مليار دولار حالياً. أما إيران فاختارت أن تعيش وفق قواعد خلقتها لنفسها، رافضةً المعايير الدولية للعلاقات بين الدول، فأصبحت دولة منبوذة، تنفق ثرواتها على الجماعات الإرهابية والانفصالية، وتُذكي نيران الفتنة والكراهية في دول الجوار.
على الرغم من هذا التاريخ، عارضت السعودية الحرب قبل نشوبها، وتدفع الآن لإنهائها على وجه السرعة. وهو جزء من نهج سعودي بدأ منذ سنوات، أكدت فيه الرياض أولوية الحلول السياسية للقضايا المستعصية، مثل الصراع العربي – الإسرائيلي، وأزمة اليمن، وسعت إلى تصفير الخلافات مع إيران. وما زالت الرياض تؤمن بالحل السياسي، وإن كانت اعتداءات إيران الأخيرة تتطلب شروطاً مرجعية جديدة لذلك الحل.
لقد مرّ أكثر من 100 يوم على بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وما زالت الأهداف التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعيدة المنال، بل يبدو تحقيق بعضها أبعد مما كان قبل الحرب. ومر أكثر من 60 يوماً على إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل (نيسان)، ولكن الحرب مستمرة، بوتيرة أكثر بطئاً.
لقد أصبح مصير الاقتصاد الدولي متوقفاً على إعادة فتح مضيق هرمز، ومعه معيشة ورخاء مليارات من البشر حول العالم، ولكن المضيق مغلق منذ أكثر من مائة يوم، وقد يستمر هذا الإغلاق بعض الوقت بسبب اتساع هوة الخلاف بين الأطراف المتحاربة.
فبالإضافة إلى موقف المملكة المبدئي الداعم للحلول السياسية، فإن الحرب، وإغلاق مضيق هرمز خصوصاً، قد عصفت بالاقتصاد الخليجي والعربي بل بالاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك عشرات الدول الفقيرة والهشة التي قد لا تستطيع الصمود إذا استمر إغلاق المضيق طويلاً.
هذا الصراع يُظهر الترابط الوثيق بين «الإقليمي» و«الدولي»، فالخليج مندمج في النظام الدولي، لأن السلع التي يصدِّرها تُحرِّك الاقتصاد العالمي، كما أن هذا الصراع مثال واضح على التقاطع بين ما يُسمّى بالجغرافيا السياسية، والجغرافيا الاقتصادية، حيث نرى بوضوح أثر العوامل الاقتصادية على الأوضاع السياسية والاستراتيجية.
لقد أثرت الأزمة في اقتصادات دول مجلس التعاون بشكل مباشر. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان صندوق النقد الدولي متفائلاً بتجاوز معدل نمو بعض تلك الدول 6 في المائة خلال عام 2026. أما الآن فإنه بالعكس يتوقع انكماش اقتصادات بعض دول المجلس بمعدل قد يتجاوز 8 في المائة هذا العام، وهو ما لم نشهده منذ عقود في الخليج.
والأثر السلبي على الاقتصاد الخليجي لا يعود فقط إلى انخفاض أو توقف الصادرات، بل هناك الأضرار الجسيمة الناتجة عن الهجمات الإيرانية، وكذلك الأضرار غير المرئية، هي الفرص الضائعة الناجمة عن تأجيل قرارات الاستثمار أو إلغائها.
وأثّر انخفاض الصادرات سلباً في الدخل الحكومي، إلا أن لدى معظم دول مجلس التعاون ثروات تراكمت خلال السنوات الماضية، مما يساعدها على امتصاص الأزمة الحالية والحفاظ على مستوى معيشة ورخاء مواطنيها. ولكن ذلك ليس متاحاً لعشرات الدول حول العالم التي ليس لديها مثل تلك المدخرات.
قبل الأزمة، كان يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو 13 مليون برميل من البترول و140 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وكان الخليج العربي مصدر 20 في المائة من إمدادات العالم من الأسمدة، و46 في المائة من مادة اليوريا وحدها. ولهذا فإن تقلص إمدادات الوقود والأسمدة بدأ ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي عالمياً، وسوف يزداد ذلك سوءاً مع استمرار إغلاق المضيق.
وبالمثل تأثر الإنتاج الصناعي بسبب تقلص صادرات الخليج من المواد الأساسية، مثل الألمنيوم والحديد والكبريت والميثانول. مثلاً، قطر وحدها كانت توفر قبل إغلاق المضيق نحو ثُلث احتياجات العالم من غاز الهيليوم، الضروري للاستخدامات الطبية المتقدمة وصناعة الرقائق الإلكترونية.
ولهذه الأسباب، أعاد صندوق النقد الدولي حساب توقعاته للاقتصاد العالمي، إذ كان في بداية العام يتوقع نمواً بمعدل 3.4 في المائة خلال عام 2026، بسبب بوادر التعافي من الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم.
ولكن بعد حرب إيران وإغلاق هرمز، عاد الصندوق ليخفض توقعاته لنمو الاقتصاد الدولي بنسبة 40 في المائة خلال 2026، في حال إغلاق المضيق إلى نهاية العام. وتوقع ارتفاع التضخم إلى 6 في المائة في المتوسط عالمياً. أي «ركود تضخمي»، وهو وضع كارثي لم نشهده منذ الأزمة المالية العالمية في عامي 2008-2009.
المملكة ليست أكثر الدول تضرراً من إغلاق المضيق، لأن لديها منافذ أخرى، من خلال البحر الأحمر وشبكة الطرق البرية. ولكن يجب أن نتذكر أن الاقتصاد السعودي ينتعش عندما ينمو الاقتصاد الدولي، لأن حجم صادراتها يعتمد على درجة النمو في الطلب العالمي على تلك الصادرات.
ومن ناحية أخرى، فإن دولاً كثيرة تعتمد على الدعم الاقتصادي الذي تقدمه المملكة، ولكنّ تقلُّص إيراداتها بسبب الحرب يؤثر في استمرار ذلك الدعم. ولهذا فإن إعادة فتح المضيق سوف تنعكس إيجاباً على النمو العالمي وعلى صادرات المملكة. ومن ناحية أخرى، وهي الأهم، سوف تتمكن السعودية من استئناف سعيها نحو الاستقرار والازدهار الاقتصادي لها ولدول الجوار.
