ساطع نورالدين. كاتب وباحث لبناني
تكاد محافظ النبطية تختزل الحرب برمتها، وإن كانت لا تعطي فكرة واضحة حتى الآن عما إذا كان العدو الإسرائيلي، ينوي الإنتقال من المذابح المروعة ومحو المعالم الحضرية، كما فعل في مدن وقرى جنوب الخط الأصفر، الى ما هو أسوأ من تغيير الديموغرافيا اللبنانية، حيث يصبح الاحتلال البعيد المدى، مقدمة لفرض السيادة الإسرائيلية، على غرار ما جرى في هضبة الجولان السورية المحتلة.. طالما أنه ليس هناك مقاومة، وليس هناك مفاوضة، بل صرخة تتردد بين الحين والآخر في الوديان الجنوبية.
بديهي طبعاً أن يخفي العدو أسراره العسكرية والسياسية، لاسيما عندما يحرص على ترك الانطباع بأن حربه اللبنانية الرابعة او الخامسة، ما زالت في مراحلها الأولى، ولا يمكن التكهن في ما إذا كانت قواته ستمضي قدما نحو النبطية نفسها أم أنها ستتحرك في جزين..أم في إتجاه صور. الثابت الوحيد حتى الآن هو أن هذه القوات تعمل في محافظة النبطية، على إيقاع الحملة الانتخابية الإسرائيلية وإستطلاعاتها اليومية المربكة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من دون أي إرتباط بالحرب الأميركية الإيرانية في مياه الخليج، أو بالحرب الإيرانية السعودية في مياه البحر الأحمر.
في المقابل ثمة ما يمكن وصفه بأنه وضوحٌ مستجدٌ في الرؤية اللبنانية للحرب الإسرائيلية على النبطية: وبناء على الاستنتاج ان حزب الله، إحتجب عن الصورة في تلك المحافظة، وضاعت مقاومته، تحت وطأة الضربات الإسرائيلية العنيفة، بات يمكن القول ان الحزب على وشك الخروج التام من معادلة الجبهة الجنوبية وموازينها الحرجة، ولم يعد يمتلك من “قرار الحرب والسلم” الذي إحتفظ به وصادره طوال ربع قرن مضى، سوى القليل الذي لا ينفع إلا للذكرى.. من دون أن يعني ذلك أن الجيش اللبناني بات قادراً على استرداد ذلك القرار وإحتكاره، بقوة القانون والشرعية والدستور، أو أن هناك قوى جنوبية أخرى مؤهلة أو مرشحة لمثل هذه المهمة الوطنية الجليلة.
صحيح أن الجيش إتخذ خطوة الى الامام، وإتخذ حزب الله خطوات الى الوراء، لكن الأهم من ذلك أن الصرخة الشعبية الصادرة من محافظة النبطية بالذات، صارت أقوى من أي وقت مضى، في دعوتها الجيش الى انجاز المهمة التي طال إنتظارها، حتى ولو تطلب الامر استخدام السلاح، سيما وأن صورة الحزب اقتربت في الوعي الشعبي العام في الجنوب، من تجربة المقاومة الفلسطينية البائسة التي جلبت الويلات على الجنوبيين طوال ثلاثة عقود سبقت تأسيس “حزب الله” على عقيدة قتالية مشابهة.
نداء النبطية الثاني، الصادر بالأمس عن عدد قياسي من أبناء المحافظة، هو خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، سواء في مخاطبته الدولة والجيش مباشرة ودعوتهما لإنهاء ذلك السلوك الشاذ، الأمني والسياسي، الذي يعتمده حزب الله، وسد فراغ السلطة المتمادي في الجنوب، الذي يفسح المجال للاستباحة الإسرائيلية..وهو ما ترافق مع ما يعادل التمرد الشعبي الأقوى والاشد وضوحاً على الحزب، “الذي لا يقاوم، ولا يدافع منذ نحو عامين أو أكثر”، لكنه فقط يتسبب بالاذى والضرر الشديد للجنوبيين. كما ارتفعت الأصوات الجنوبية أكثر فأكثر ضد إيران بالذات بشكل علني ومباشر، لم يسبق له مثيل.
النداء الثاني وحده لن يحمي النبطية ومحافظتها، لكنه بالتأكيد لم ولن يعرّض الموقعين عليه للمخاطر والتهديدات التي تلقوها إثر توقيع النداء الأول في 29 أيار مايو الماضي: “حزب الله” يخسر الحرب والأرض و”البيئة”، ويمكن للدولة والجيش وحدهما أن يشهدا على هذه الخسارة، وأن يقفلا نهائياً ذلك الفصل من تاريخ العذاب الجنوبي المديد.
بيروت في 10 / 9 / 2026