ملخص
في كتابها ” الذكاء الاصطناعي… وخلق الإنسان كائناً فائق القدرة” الصادر حديثاً في باريس عن “دار هيرمان” (2026)، تطرح الفيلسوفة الفرنسية غابرييل هالبيرن سؤالاً يتجاوز النقاش المألوف حول مستقبل الذكاء الاصطناعي واحتمال أن تحلّ الآلة محل الإنسان. فالمسألة في نظرها لا تتمثل أساساً في هذا، وإنما في احتمال أن تحلّ الآلة محل الصورة التي كوّنها الإنسان عن كائن ضابط الكل، قادر على كل شيء.
ينطلق الكتاب من ملاحظة ربما تبدو، للوهلة الأولى، ساخرة أو استفزازية، لكنها سرعان ما تتحول إلى أطروحة فلسفية وأنثروبولوجية عميقة، قوامها أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على الإنسان في مجالات عدة. فهو يستطيع استحضار كمّ هائل من المعلومات وكتابة نصوص بلغات عدة في ثوانٍ، وإنتاج صور بسرعة مذهلة، والإجابة في كل وقت عن كل سؤال قد يخطر على بال إنسان. لذلك ترى هالبيرن أن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني ليست دقيقة، فهما لا ينتميان إلى المستوى نفسه من القدرات، وأن المقارنة الأكثر إثارة هي تلك التي يمكن إقامتها بين الذكاء الاصطناعي والصورة التقليدية التي كوّنها الإنسان عن القدرة الفائقة.
فالآلة تبدو، على نحو رمزي، وكأنها تقترب من بعض الصفات الخارقة التي طالما نُسبت إلى القدرة الفائقة، كالمعرفة الكلانية والحضور الدائم والقدرة المطلقة على كل شيء.
هنا تتبلور أطروحة الكتاب الأساسية ومفادها بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، إنه مرآة تكشف عن حاجات الإنسان وتطلعاته ومخاوفه، أي إنه إسقاط لأمانيه ورغباته وما يتمناه لنفسه من الكمالات، بالتالي، فهو صورة عن القدرة الفائقة من منظور أنثروبولوجي، مما يؤكد قول سارتر إن الإنسان يرغب في تجاوز نقصه وبلوغ اكتماله، لذا يسعى إلى أن يصير “إلهاً” أي الوصول إلى حال من الامتلاء المطلق.
دلالات دينية
وتستند هالبيرن في بناء أطروحتها هذه إلى استقصاء أجرته على عينة واسعة من مستخدمي روبوتات الدردشة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوليد المحتوى كـ”تشات جي بي تي” و”كلود” و”غوغل” و”جيميني” وغيرها، فلاحظت عند الحديث عن هذه التكنولوجيات أن عدداً كبيراً من المستخدمين يلجأ في الحديث عنها إلى مفردات ذات دلالات دينية، واصفاً إياها بعبارات من قبيل “القوة” و”المعرفة المطلقة” و”القدرة على كل شيء” و”الحضور الدائم في كل زمان ومكان”. كذلك، تكشف إجاباتهم عن انتظارات خلاصية أو كارثية، وعن أحلام وأسئلة وجودية أُسقطت على التكنولوجيا الجديدة.
وتكتسب هذه الملاحظات دلالتها الكاملة حين تربطها هالبيرن بأزمة الثقة التي يعيشها الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين. فقد أضعف تاريخ القرن الـ20، بما شهده من حروب ومجازر، قدرة الإنسان على الإيمان بإنسانيته وبإنسانية الآخر. وإذا كان البشر اختبروا، وفق التعبير الذي تستخدمه المفكِرة، “صمت الآلهة”، فإنهم ربما بدأوا، من حيث لا يدرون، باختراع كائن جديد لا يصمت أبداً، يجيب فوراً عن تساؤلاتهم، ويستجيب لمطالبهم في كل زمان ومكان.
لكن أكثر أفكار الكتاب إثارة للجدل تتمثل في وصف هالبيرن الذكاء الاصطناعي بأنه “مفصّل على مقاس كل فرد”. فالحلم الإنساني القديم لا يتعلق فقط بالعثور على إجابة لكل سؤال، وإنما بالعثور على إجابة شخصية، تتلاءم مع مستوى الفرد وحاجاته وانتظاراته. فالطفل يتمنى والدين يفهمانه جيداً، والتلميذ أستاذاً يتكيف كلياً مع قدراته، والمؤمن إلهاً يستجيب لحاجاته الخاصة. والذكاء الاصطناعي يقدم، بفضل قدرته العالية على التكيف مع المستخدم، نسخة تكنولوجية تحقق هذا الحلم. فهو لا يطلب من الإنسان أن يتكيف معه، بل يبدو، على العكس، وكأنه هو الذي يتكيف مع الإنسان.
لكن هذا “الكائن الجديد” يختلف جذرياً عن مفهوم الله في الأديان السماوية. فالذكاء الاصطناعي لا يفرض على مستخدميه عقائد وشرائع وأحكام وقواعد تنظم حياتهم، ولا يطلب منهم إقامة الشعائر والعبادات وتأدية الفرائض وفق طقوس معينة، ولا يقوم على الإيمان بالمقدس وعلى الاعتراف بحدود لا يستطيع الإنسان تجاوزها. إنه من هذه الزاوية يختلف كلياً عن الذكاء الاصطناعي، لأن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا تبدو خالية من هذه الحدود. لكن هالبيرن تلفت النظر إلى نشوء طقس جديد، وإن لم يتخذ شكل الطقس الديني التقليدي، قوامه لجوء الإنسان، ما إن يواجهه سؤال، إلى الآلة، ثم دخوله معها في دورة متكررة من الأسئلة والأجوبة.
وقد يتحول هذا النمط من الاستخدام إلى نوع من الاعتماد الدائم على هذه المنصات حتى الإدمان عليها، من دون أن يشعر المستخدم بأنه يمارس “طقساً دينياً” في مفارقة قوامها أن الآلة التي بدت أداة للحرية بدأت تتحول تدريجاً إلى وسيط لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنه، لا بل إلى نوع من الاستعباد.
سؤال الاخلاق
ومن أكثر جوانب الكتاب أهمية انتقال هالبيرن من سؤال التكنولوجيا إلى سؤال الأخلاق. فالذكاء الاصطناعي، حين يبدو أكثر صبراً وتعاطفاً واستعداداً للاستماع من الطبيب أو الأستاذ أو الوالد أو الصديق، لا يكشف فقط عن قدراته التقنية، وإنما يكشف في الوقت عينه عن مواطن ضعف الإنسان. فإذا أصبحت الآلة أكثر قدرة على الاستماع من المقرّبين، وأكثر صبراً من المعلم، وأكثر استعداداً للتعاطف من الطبيب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز التكنولوجيا ذاتها صائراً، هل لا يزال الإنسان قادراً على عيش إنسانيته؟
إن هذا السؤال الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة المعرفة، دفع هالبيرن إلى استحضار النزوع الإنساني القديم إلى امتلاك المعرفة، كما يتجلى في سفر التكوين، ورؤية الذكاء الاصطناعي بوصفه وعداً غير مسبوق بإتاحة هذه المعرفة للجميع. لكن هذا الوعد ينطوي على مفارقة عميقة قوامها أن إمكان معرفة كل شيء تقريباً قد يترافق مع فقدان الآخر الذي كان شريكاً في طلب المعرفة. ففي كثير من الأحيان، كانت المعرفة مغامرة جماعية تقوم على الحوار والنقاش والمشاركة. أما اليوم، فبدأت بالتحول إلى تجربة فردية منعزلة، يتلقى فيها الإنسان الإجابة من آلة بدلاً من أن يخوض مسار البحث عنها مع آخرين.
ويتجاوز هذا السؤال حدود البحث في مستقبل المدرسة والجامعة، أو في سبل توظيف الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، ليبلغ صميم العلاقة الإنسانية التي يقوم عليها انتقال المعرفة وتداولها. فالقضية لا تنحصر في تحديد من يملك المعلومة أو من يستطيع الوصول إليها بأسرع السبل وأكثرها يسراً، بل تتصل في جوهرها بمصير المعرفة ذاتها، هل ستظل فعلاً إنسانياً مشتركاً يتأسس على التفاعل والتبادل، أم ستتحول إلى خدمة تكنولوجية يستهلكها الفرد بصورة منفردة؟
لا تقود هذه التحليلات هالبيرن إلى موقف رافض للتكنولوجيا في حد ذاتها بقدر ما تكشف عن إشكالية أعمق تتمثل في اتساع الفجوة بين وتيرة التقدم التكنولوجي من جهة، ومستوى التقدم الأخلاقي والإنساني من جهة أخرى.
فقد نجح الإنسان في غزو الفضاء، بينما استمرت الحروب، وتقدمت العلوم، في وقت ازدادت عزلة البشر ووحدتهم. لذا تحذر المفكِرة من تحول المعرفة العلمية إلى ما يشبه “الدين”، فتصبح المعرفة غاية في ذاتها، منفصلة عن القدرة على التفكير فيها وتوجيهها وأنسنتها. ولعل إحدى أهم أفكار الكتاب تكمن في دفاع كاتبته عن ضرورة الإبقاء على مساحة من الغموض والمجهول في الحياة. فالإنسان يحتاج إلى ما لا يستطيع اختزاله أو امتلاكه بصورة كاملة. والله والعالم والآخر ينبغي أن يحتفظوا، في نظرها، بجزء من السر الذي يحمي الحرية الإنسانية من وهم السيطرة المطلقة. فليس كل ما يمكن معرفته ينبغي بالضرورة أن يتحول إلى شيء يمكن امتلاكه والتحكم فيه.
سؤال الخضوع
في نهاية المطاف، يضع كتاب غابرييل هالبيرن القارئ أمام سؤال حاسم، هل سيجعل الإنسان الذكاء الاصطناعي في خدمته، أم سيضع إنسانيته في خدمة الذكاء الاصطناعي؟ ولئن كان كل استخدام للتكنولوجيا هو، في جانب منه، خيار أخلاقي، فإنه في حال استخدمها الإنسان وفضّلها على سؤال صديق أو زميل، فإنه لا يستخدم أداة وحسب، وإنما يعيد تشكيل علاقاته بالآخر، كما يعيد تشكيل ممارسته للاستقلال والحوار.
وتزداد خطورة هذا التحول حين تشير المعطيات التي تستند إليها هالبيرن إلى أن نسبة كبيرة من البالغين يفضلون طرح الأسئلة على الذكاء الاصطناعي بدلاً من طرحها على زملائهم، لأن الآلة لا تسخر منهم، ولا تحاكمهم، ولا تجعلهم يشعرون بالجهل. لذا تصبح منصات الذكاء الاصطناعي المختلفة أكثر جاذبية من الإنسان، لأنها لا تطلب من مستخدميها مواجهة نظرة الآخرين وأحكامهم.
هكذا، لا يقدم كتاب هالبيرن دراسة تكنولوجية عن الذكاء الاصطناعي وبرمجة خوارزمياته، وإنما يقدم تحليلاً ونقداً فلسفياً للإنسان الذي يقف وراء هذه التكنولوجيات. فالآلة ليست الموضوع الحقيقي للكتاب، الإنسان هو موضوعه الأعمق.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يكشف، في العمق، عن توقنا إلى المعرفة وحاجتنا إلى الثقة وحلمنا بعالم يُصاغ على مقاس رغباتنا، بقدر ما يكشف عن خوفنا من الآخر وعن عجزنا المتزايد عن الإصغاء والتكيف، فإن لفظة “الإله” الواردة في الكتاب لا تعني أن الإنسان قد استحضر، داخل التكنولوجيا، كياناً لاهوتياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما تشير إلى أنه أعاد إنتاج صورة كائن لا ينقطع عن مخاطبته، ولا يتردد في الإجابة عن أسئلته، ولا يطالبه في المقابل بشيء سوى دفع بدل الاشتراك.
في الختام، وبعد قراءة الكتاب، يظل سؤال لا سبيل لتجاهله، ماذا يبقى من الإنسان حين يسلّم إلى الآلة وظائف التفكير والمعرفة والقرار والإصغاء والتعاطف، بل حتى مهمة بناء العلاقات الإنسانية؟
لعل التحدي الحقيقي لا يكمن في أن نمنع الذكاء الاصطناعي من التقدم، بقدر ما يكمن في أن نمنع الإنسان من التراجع. فالتقدم التكنولوجي لا يستحق أن يُسمّى تقدماً إنسانياً إلا إذا قادنا إلى إعادة اكتشاف إنسانيتنا وتعميقها، لا إلى تفويضها، خطوة بعد أخرى، إلى آلة تبدو، في مفارقة شديدة الدلالة، أكثر إنسانية منا.
