
..هاني الفراش – واشنطن… موقع الحرة
تضع استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على باب المندب، في حال تأكدها، إيران أمام منعطف حرج، بعدما دأبت على توظيف هذا الممر الملاحي الحيوي، بالإضافة إلى مضيق هرمز، للتحكم في أسعار الطاقة العالمية.
كما تجئ في توقيت صعب لطهران، تشدد فيه الولايات المتحدة حصارها على موانئها واقتصادها، مع تكثيف حشودها العسكرية في المنطقة استعدادا على ما يبدو إلى استئناف الضربات.
وأعلنت الحكومة اليمنية، الاثنين، استعادة مدينة المخا، المطلة على المضيق، بالإضافة إلى مواقع استراتيجية على الساحل الغربي.
كما تحدثت مصادر عسكرية عن تراجع قوات جماعة الحوثي من باب المندب ومطار ذوباب، مع استمرار القوات الحكومية في التقدم باتجاه الخوخة.
لكن الجماعة، المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، نفت في المقابل تقدم القوات الحكومية، ووصفت تصريحاتها بأنها “غير صحيحة على الإطلاق”.
ويقول معهد دراسات الحرب في واشنطن إن الهجوم واسع النطاق الذي أعلنته الحكومة بدعم سعودي في الرابع من أكتوبر يهدف، قبل أي شيء، إلى تأمين الساحل المحاذي للمضيق.
وحسب تقرير للمعهد، وصلت القوات الحكومية بالفعل إلى مطار ذوباب، على بعد نحو 54 كيلومتراً من المخا، وسط مؤشرات على انهيار خطوط الحوثيين من جزيرة ميون شمالا.
وقبل يومين من العملية، صرح مسؤولون غربيون وإقليميون لـ”رويترز”، بأن السعودية تخطط لتنسيق وتوفير دعم جوي للقوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية في هجوم يستهدف استعادة أراضٍ على ساحل البحر الأحمر كان الحوثيون سيطروا عليها خلال الفترة ما بين 9 و11 سبتمبر.
وألمحت المصادر إلى أن الهدف الرئيسي للسعودية يتمثل في إنهاء سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على المضيق، قبل الدخول في أي مفاوضات معهم.
وبينما تشير الأوضاع الميدانية الراهنة إلى اقتراب عودة باب المندب إلى قبضة الحكومة اليمنية، تظل السيطرة الميدانية الكاملة عليه مرتبطة بقدرة تلك القوات على تثبيت خطوطها الدفاعية ومنع الحوثيين من شن هجمات مضادة.
وبالنسبة لطهران، فإن أبعاد هذه التطورات تتجاوز حدود المواجهات العسكرية، إذ تهدد سيطرة حليفها الحوثي على باب المندب.
وتقول سارا إيمرسون، رئيسة شركة “تحليلات أمن الطاقة” في تصريحات لـ”الحرة”، إن فتح باب المندب يسمح للسعودية بإرسال الخام إلى الشرق الأقصى عبر البحر الأحمر، بما يقلص زمن الرحلة إلى ما يصل إلى 25 يوماً، ويخفض تكاليف الشحن والسعر النهائي للنفط.
وفي المقابل فإن إيران تفقد أوراق ضغطها، خصوصاً في ظل الحصار المفروض على موانئها وعجزها عن التصدير من مضيق هرمز، وبالتالي جني إيرادات مالية.
وترى إلين والد، زميلة مركز الطاقة العالمي بالمجلس الأطلسي، في تصريحات لـ”الحر ة” أنه إذا عجزت إيران، عبر حلفائها الحوثيين، على تهديد الملاحة في باب المندب، فلن يبقى أمامها (للضغط على أسواق النفط العالمية) سوى عرقلة تدفقات الطاقة عبر هرمز.
لكن تلك القدرة تراجعت أيضا عما كانت عليه في بداية الحرب نتيجة متغيرات عدة، أبرزها الضغوط العسكرية الأميركية.
ومع تراجع الحوثيين على ساحل البحر الأحمر، تعيد الرياض بناء قدرتها على تصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، بعد الخسائر المادية الأخيرة التي منيت بها.
وقال وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، في تصريحات نقلتها رويترز، الثلاثاء، إن تدفقات النفط عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى ينبع بلغت 5.8 مليون برميل يومياً.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند وضعها في سياق ما كشفته بيانات “كبلر”، فبين 17 سبتمبر والرابع من أكتوبر، بلغت الشحنات المؤكدة من مينائي ينبع وضباء نحو 45 مليون برميل، مع استمرار عمليات التحميل رغم المخاطر الأمنية الإقليمية.
ولا يتوقف الأمر عند السعودية. إذ أظهرت بيانات كبلر أن صادرات الخام من دول الخليج، باستثناء إيران، عادت في سبتمبر إلى مستويات ما قبل الحرب، بواقع 16.5 مليون برميل يومياً على الأقل.
كما أصبح نحو 40 في المئة من شحنات الخام تغادر المنطقة من دون المرور عبر هرمز، مقارنة بنحو 17 في المئة قبل الحرب، بفضل الاعتماد بصورة أكبر على خطوط الأنابيب.
ويعني ذلك أن الحرب، التي أرادت إيران خلالها استخدام المضائق البحرية كسلاح ضغط، قد دفعت في المقابل دول الخليج إلى استغلال طرق بديلة تقلل اعتمادها عليها.
هرمز.. مغلق نظريا ومفتوح عمليا
لكن القول إن إيران تفقد نفوذها لا يعني، في الوقت نفسه، أنها فقدت قدرتها على الإضرار بالسوق.
وتقول والد إن الخام يتدفق عبر هرمز، لكن بطريقة أكثر خطورة وكلفة مما كان عليه قبل الحرب.
وطالما احتفظت طهران بقدرتها على تهديد البنية التحتية للطاقة لدى جيرانها، وسلامة السفن في الخليج، فإنها ستظل قادرة على إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
ومن هذه الزاوية، فإن نفوذ إيران لم يختف، وإنما تغيرت طبيعته.
وتحتفظ طهران، وفق إيمرسون، بأوراق ضغط أخرى مثل استمرار الهجمات على الملاحة، أو استهداف البنية التحتية للطاقة على اليابسة.
لكن مايكل نايتس، زميل معهد واشنطن، رئيس قسم المنتجات في شركة “هورايزن إنغيج” يقدم تحليلا أكثر خطورة لما يجري على السواحل اليمنية.
وفي رأيه، لا يعني تراجع سيطرة الحوثيين على باب المندب عودة حركة الشحن الطبيعية لأن وجودهم في أي جزء من الساحل أو الجزر المطلة على البحر الأحمر يبقي خطر الهجمات قائما.
كما أن استعادة حركة التجارة المعتادة تتطلب تطهير الساحل، والسهل الساحلي بالكامل، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وبعدما استنفدت طهران إلى حد كبير خيارات التصعيد المتاحة أمامها، بينما لاتزال صادراتها النفطية محاصرة، فقد يصبح الخيار الأخطر أمامها، وفق نايتس، الانتقال من محاولة تعطيل تدفقات الطاقة، إلى استهداف قدرات إنتاج النفط والغاز في الخليج وإلحاق أضرار دائمة بها.
ويعني هذا أن تراجع النفوذ الإيراني في هرمز وباب المندب قد لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الخطر، بل ربما إلى تغير نوعه.
وتذكر أبريل آلي، الزميلة الأقدم في معهد واشنطن، بأن الحوثيين أثبتوا بالفعل قدرتهم على عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، دون الحاجة إلى السيطرة الفعلية على أراض تطل عليه.