أوليفييه دوزون
ترجمة :عدوية الهلالي… جريدة المدى
صدر كتاب ديفيد بافيريز “ما بعد الفوضى” عن دار نوفيس في الأول من تشرين الأول 2026، وهو ليس مجرد كتاب آخر عن “نهاية العولمة”. بل هو بمثابة قنبلة جيواقتصادية مدوية في وجه سذاجة أوروبا. رسالته واضحة: لقد أعاد العالم تشكيل نفسه، وواشنطن وبكين منخرطتان في صراع لا هوادة فيه، وما زالت أوروبا تعتقد أنها قادرة على تجاوز هذه الأزمة من خلال التنظيم والضرائب والأمل.
نهاية الأوهام
يرى ديفيد بافيريز ان عام 2025 كان نقطة تحول تاريخية. فالعقيدة التجارية الأمريكية التي أُعلن عنها في 2 نيسان 2025، والتي يفسرها على أنها حرب عملات بقدر ما هي حرب تعريفات جمركية، والمسيرة الصينية في 3أيلول 2025 في ميدان تيانانمن، ستشكلان نهاية نظام عالمي قائم على الترابط السلمي. ويرفض المؤلف مفهوم التعددية القطبية المريح، ويتحدث عن إعادة عولمة لا قطبية: فالولايات المتحدة والصين ما زالتا عملاقتين، لكن لا يمكن لأي منهما أن يجسد نموذجًا عالميًا أو يضمن استقرار النظام الدولي. لذا، فإن الفوضى ليست مجرد صدفة، بل هي الإطار الجديد للمنافسة العالمية.
واشنطن، بكين: نموذجان في أزمة
ويقدم ديفيد بافيريز رؤيةً حاسمةً للقوتين العظميين. فبحسب رأيه، تعوّل الولايات المتحدة على فقاعة مالية يغذيها الذكاء الاصطناعي، بينما تُقيّد الصين نفسها في اقتصاد حرب يُضعف جاذبيتها وقدرتها على استقطاب الآخرين.
لكن هذا التماثل لا ينبغي أن يكون مُضللاً. فالمسألة ليست من “يفوز” غدًا، بل إدراك أن التنافس الصيني الأمريكي يُشكّل الآن قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والعملات وسلاسل التوريد والاستراتيجيات الصناعية. ومن يعتقد أنه يستطيع البقاء على الحياد سيكون أول من يدفع الثمن.
هنا يتحول المقال إلى إدانة لبروكسل، وبشكل أوسع، لأوروبا تكنوقراطية معينة.،إذ يندد ديفيد بافيريز باتحاد عاش لعقود كـ”مسافر متطفل”: محميًا من أمريكا، ومُزوَّدًا من الصين، ومُثرى بالعولمة، لكنه عاجز عن بناء قوته الخاصة. وكونه يوصف ب”الغزو الغريب” لايعني كونه عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. إذ يجب على الشركات تقليل اعتمادها على مصادر خارجية؛ ويجب على الدولة العودة إلى استراتيجية صناعية حقيقية؛ ويجب على المجتمع قبول “ميثاق عكسي”، حيث يخدم كل جيل الجيل الذي يليه.
كتاب يثير النقاش
يمكن مناقشة تشخيصات ديفيد بافيريز، لا سيما تحليله الواضح جدًا للفقاعة الأمريكية أو الاستراتيجية الصينية. وقد يُؤسف أيضًا أن “الغزو” الأوروبي يبقى أحيانًا أقرب إلى تعويذة منه إلى برنامج: فمن يقرر، وبأي وسائل، وضد أي مصالح وطنية ؟
لكنّ المقال يتميّز بطرحه السؤال الذي يُفضّل نخبنا تجنّبه: هل يُمكن لأوروبا التي لم تعد تُنتج، ولم تعد تحمي حدودها التكنولوجية، وتُفوّض أمنها، أن تتحدّث عن الاستقلال؟ إجابة ديفيد بافيريز هي قطعًا لا.وهكذا يُعد كتاب “ما بعد الفوضى” كتابٌ قيّم لأنه يرفض التعبيرات المُلطّفة. فهو يُذكّرنا بأنّ الحرية الأوروبية، وهي ميزة تنافسية حقيقية في مواجهة كلٍّ من بكين وواشنطن، لا تُصان بالمراسيم، بل بالقوة والإنتاج والإرادة السياسية. صحيح أن أوروبا تمر بفترة من الشك. ففي الستينيات والسبعينيات، شهدت سنوات من السلام والازدهار والنمو الاقتصادي. ولكن هناك مشكلة البطالة، التي لم تتمكن الدول الأوروبية، بما فيها الدول الأكثر ليبرالية كالمملكة المتحدة وإسبانيا، من حلها، على عكس الولايات المتحدة.
,اليوم، يجب على دول الاتحاد الأوروبي إجراء إصلاحات. لم يعد بإمكاننا التفكير في قضايا التوظيف كما كنا سابقًا، لأننا نعيش في ظل نظام اقتصادي معولم. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، دخل مليارا رجل وامرأة سوق العمل العالمي. وتجد بعض الشركات عمالة أرخص بكثير، وغالبًا ما تكون ماهرة، في دول مثل الهند أو الصين.لذا، إذا كان هناك شك في أوروبا، فذلك لأن العالم معقد وصعب، وتفتقر الحكومات إلى الشجاعة لشرح ذلك أو لتنفيذ الإصلاحات اللازمة. واذا لم تتجاوز أوروبا هذه الأزمة بمشروع قوي، فسوف تُهمَّش في التاريخ”.
يقوم هذا المشروع على فكرتين بسيطتين. أولًا، يجب على الاتحاد الأوروبي معالجة شؤون دوله الطرفية، وتحديدًا أوكرانيا وتركيا والمغرب العربي…ويجب على أوروبا خلق ديناميكية تكامل مع دولها الطرفية من خلال مزيج من النمو داخل الاتحاد، والاستثمار من الشمال إلى الجنوب، والهجرة من الجنوب إلى الشمال. كما أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتحول إلى اتحاد فيدرالي. وفي الواقع، توجد بالفعل بعض عناصر الاتحاد الفيدرالي، مثل العملة الموحدة والسياسة الخارجية المشتركة. وتكمن المشكلة في أن طرح هذا الأمر يثير استياءً واسعاً،ومع ذلك،إذا لم تُعزز أوروبا مكانتها، فسوف تُهمّش في التاريخ.
اليوم، لم تعد أوروبا تُهيمن على العالم كما كانت عليه الحال بين القرن السادس عشر وبداية القرن العشرين حيث يُصنع التاريخ في أماكن أخرى: في آسيا، في أمريكا اللاتينية، وقريبًا في أفريقيا.لكن لا يجب أن نتشاءم. فلابد أن هناك رصيدًا فكريًا هائلًا لا يزال موجودًا، وأنه في وقت ما، سيظهر رجال ونساء قادرون على تفسير هذا الواقع.