تتمتع الإدارة الأمريكية الحالية بقدر من المثالب تحسدها عليها العديد من بلدان العالم الثالث، لكن الواضح كثيراً وللعين المجردة أن من يعاني مع المفاوضات الراهنة المتعثرة دائماً بين تلك الإدارة والسلطات الإيرانية، ويتقدم ويتراجع مراراً وفي وقت واحد هو الطرف الثاني، الذي يبدو وكأنه مزدوج القيادة بين طرفين أحدهما يحاول النجاح في مهمته، والثاني يعرقلها ويمشي خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء.
ومن دون أي شك، فإن الطرف المعرقل/ الرافض/ المتمنع هو ذلك الجناح الأكثر تطرفاً في تلك «الإدارة» الإيرانية، ولعل سنده وعماده في الحرس الثوري ومؤسسة خاتم الأنبياء والنواة المتحجرة للنظام!
فما علاقة التطرف بذلك الموقف المخرب باستمرار للعملية السياسية وللسلم عموماً أو للحلول السلمية؟!
مررنا بذلك في منطقتنا سابقاً، ومنذ المرحلة التي كانت ذروتها في العام 1948 ورأينا أخرى شبيهة بأشكال جديدة بعد حرب يونيو/حزيران 1967. في المرحلة الأولى كان الصراع مع «اليهود»، الذين تحركهم «بروتوكولات حكماء صهيون» ولا بد من إبادتهم، منعهم من السيطرة على فلسطين، وتوسيع تلك السيطرة لاحقاً. وفي المرحلة الثانية أصبح» الرفض» منظماً أكثر: مع القوى التي تمارس العمل المسلح لتحرير فلسطين، انطلقت من إيديولوجيا إسلامية مقاتلة أو من ماركسية أو قومية عربية، فتشكلت حركة فتح من أفراد وطنيين فلسطينيين مر العديد منهم على الجماعات الإسلامية وبعض القومية الأخرى، وقوى ثالثة معظمها يساري أو ماركسي جمعتها لاحقاً «جبهة الرفض الفلسطينية»، التي آلت على نفسها أن تقول «لا للحل السلمي» كما قالت أنشودة معروفة يومها، وفيلم وثائقي للراحل مصطفى أبو علي.
شخصياً كنت في شبابي أو فتوتي أقرب كثيراً إلى جبهة الرفض، التي كان جزء منها مرتبطاً بحزب البعث قبل انقلاب حافظ الأسد في العام 1970، وأصبحت هدفاً للحزب نفسه بعد ذلك وبعد تغير تركيبته وبنيته.
في عام 1938 أيضاً، حصل تفاوض بين بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، نتج عنه «معاهدة ميونيخ» التي كانت تسوية تسمح بضم منطقة السوديت التشيكية – ويعيش فيها مواطنون من أصول ألمانية – إلى ألمانيا. وكانت محاولة لاحتواء الأخيرة وإجهاض حرب عالمية جديدة تتجمع سحبها بانتظام. ومتفق عليه حالياً أن انغماس حكومة هتلر آنذاك في عملية التسوية تلك كانت مجرد غطاء لاستكمال الاستعداد للحرب.
من ذلك قد يبدو أن المتطرفين لا يلجؤون للتفاوض إلا لكسب الوقت للتحضير لنسف أي اتفاق، أو لاسترداد القوى واستكمالها للانقضاض على الخصوم من جديد، وتلك ظاهرة تبدو عجيبة أحياناً وطبيعية في أحيان أخرى.
الحرب الأمريكية (الإسرائيلية) مع إيران تتنقل بشكل مخيف ما بين الحرارة القصوى والبرودة المؤقتة، وليس معروفاً متى يمكن – إن كان ممكننا – أن يذهب الطرفان إلى التسويات العملية والفعلية.
ربما كان للرفض الذي يمارسه المتطرف منطلقاً إيديولوجياً صلباً وإيماناً عنيفاً بدوره يدفعه إلى الرفض الدائم، لكن هناك اجتهادات أخرى:
يرفض المتطرفون التفاوض لأن أطرهم الأيديولوجية تتعامل مع القضايا الجوهرية باعتبارها حتميات أخلاقية مطلقة تقوم على مبدأ «الربح والخسارة المطلقة» (أي أن مكسب طرف يعني بالضرورة خسارة الطرف الآخر)، وليس باعتبارها مشكلات سياسية قابلة للحل. ويُنظر إلى تقديم التنازلات على أنه خيانة للقيم الأساسية، مما يجعل الصراع العنيف أو المقاومة المتصلبة المسارين الوحيدين المقبولين لتحقيق أهدافهم.
كما قد يرى المتطرفون أن أي تنازل هو علامة على الضعف تؤدي إلى ضياع القيادة من أيديهم. وبما أن الدخول في العملية السياسية قد يؤدي إلى تصدْع قواعد الدعم والقوة الخاصة بها لذلك لا بد من النصر الحاسم الشامل و»الموت لأمريكا» و» الموت لإسرائيل». خلاف ذلك قد تنتهي الأمور إلى خسارة الوحدة وبداية التفسخ والانقسامات.
وهم أيضاً متعلقون بجوهرانية – جندرية غالباً في عمقها – تؤمن بأن لعبة الحصيلة الصفرية حقيقة ثابتة، فإما أن نموت نحن ونخسر كل شيء أو الخصوم الذين يجب أن يخسروا كل شيء أيضاً: لا معنى هنا لحياة الطرفين مع ربح ملائم لكل منهما. هنا تكون التسوية «خيانة»، وليست أداة لتقدم يشمل الجميع.
وانطلاقاً من تجريد الخصوم من شرعية وجودهم وانعدام صفة الإنسانية لديهم (خنازير)، ولأن التفاوض يحتاج إلى الاعتراف بالآخر وحقه في الوجود والسلطة يتعارض مع أهدافهم المبدئية.
تلك النواحي الجوهرانية في «فلسفتهم» تجعلهم ينقلون العنف من حقل التكتيك إلى الاستراتيجية، ليصبح هدفاً بذاته يعمل على إعادة توليد العنف وإثارة ردود فعل مشابهة «انتقامية»، وتعطيل إمكانية ظهور وتمكن جماعات معتدلة موازية أو معارضة.
تصل الإيديولوجيات المتشددة إلى أنها تستمد شرعيتها من ذات عليا أو من التاريخ أو من سلطة أسمى، وانطلاقاً من ذلك التفويض والتوريد، لا يمكن لأطراف تحمل تلك العقلية أن تفاوض وتصل إلى التنازل عن تلك الروابط «السامية».
حالياً، يكاد بعضنا يجزم بأن السلطة الحالية في قبضة المتطرفين – وهذا ظلم لإمكانيات الشعب في إيران – وخصوصاً بعد الزلزال الذي أصابها بفقدان قيادات هامة وواسعة، ونمو نفوذ الجماعات الأكثر تماسكاً إيديولوجياً وتعبوياً وعزلة عن المجتمع «العادي». وتعتمد المعادلة المتفائلة في هذه الحالة على أتساع قاعدة «العقلانيين» و»العاديين» من أصحاب المصلحة بالحياة والحفاظ على استمراريتها.
يعتقد معظم الناس أن الانتحار حرام ومصير من يُقدم عليه الخلود في الجحيم، لكن المتطرفين من بينهم يقومون بكل ما يمكن أن يُفسر على أنه انتحار طوعي مُتَعمد. وهم لا ينفردون به على الإطلاق، بل يجرون معه شعباً كاملاً كبيراً من أكبر شعوب المنطقة وأكثرها عمقاً في التاريخ والحضارة. هنا لا يكون ترامب وحده من يهدد بمحو تلك الحضارة في لحظة هوجاء، بل أهل تلك الحضارة وولاة أمر شعبها، أو شعوبها.
المفاوضات الحالية تشتبك مع موجات الحرب، وهي ليست نووية بمقدار ما تعالج عملية وقف الحرب ذاتها. انتقلت من مرحلة غير مباشرة مع تخييم ويتكوف وكوشنر في عمان الوسيطة مع عراقجي، وانصبت يومها على مطلب «صفر تخصيب»، اعتبرته إيران « حقاً غير قابل للتصرف». ثم قطعت الحرب تلك المرحلة وانقطع التفاوض، وكان لها حديث «غير مرجم» على قول ابن أبي سلمى، الذي استغربت منه استنكار الرجم بالغيب والغيبية الصماء، وكنت مخطئاً!
في نيسان/ابريل الماضي، تمت العودة إلى الطاولة الباكستانية، التي استضافها شريف ووزير خارجيته – وداخليته – وأشرف على مطبخها قائد الجيش. وابتدأ استخدام مضيق هرمز في العملية منذ النقاط الإيرانية العشر. وبعد عدة أسابيع من تحيات وتَشاتُم، تم التوصل إلى مذكرة التفاهم التي كانت من 14 نقطة تم من خلالها فتح إيران لمضيق هرمز وإنهاء الولايات المتحدة لحصارها البحري.
وفي التنفيذ هنا عادت إيران أو متشددوها وأدركت أنها تنازلت في نقطة قوتها- أو قنبلتها الذرية في مسألة مضيق هرمز، وعادت الحرب على دفعات يومية، وقصف عن بعد بالقذائف النارية والكلامية… لترسل بعدها إيران مبعوثاً إلى إسلام آباد مع رسائل ونقاط جديدة.
وخيّم على الأجواء اكتشاف تعدد الرأي في إيران، وبقاء التيار المتشدد الأقوى حتى الآن، إلا حين يصرخ من الألم، في مركز السلطة وقرارها.
وتستمر حكاية الحرب والسلام، ما بين إدارة يقودها ترامب من جهة، وقيادة في الطرف المقابل يقودها شبح من خلف ستار… وأشباح أخرى للموت الذي يتم توليدها بالشراكة بين الشعبوية والتطرف. ولكن، يبقى من اللافت كثيراً، ذلك الموقف الذي يريد الاتفاق يوماً، ويستعجل رفضه أو نقضه في اليوم التالي!
كاتب سوري