ملخص
أدى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب المفاجئ بحظر شبكات “سي أن أن” و”أم أس ناو”، وموقع “بوليتيكو” من البيت الأبيض إلى اضطرابات كبيرة، وتساؤلات كثيرة بين النخبة السياسية والإعلامية والقانونية في الولايات المتحدة، نظراً لكونه إجراءً لم يسبق أن اتخذه رئيس أميركي آخر في العصر الحديث. فما تداعيات هذا الحظر، ولماذا اختار ترمب الإعلان عنه الآن، وكيف سينعكس على حرية الإعلام، وما التحديات القانونية التي تواجهه، وهل سبق للرؤساء الأميركيين تاريخياً اتخاذ إجراءات مماثلة؟
أحدث قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحظر شبكتين تلفزيونيتين هما “سي أن أن” و”أم أس ناو” (أم أس أن بي سي سابقاً)، إضافة إلى موقع “بوليتيكو من دخول البيت الأبيض، وسحب تصاريح الاعتماد الصحافي الدائمة الخاصة بهم، مبرراً ذلك بنشرهم الأخبار الزائفة، صدمة مدوية في الأوساط الإعلامية والسياسية والقانونية في أرجاء أميركا.
وعلى الرغم من أن الصدامات بين الرؤساء الأميركيين والمؤسسات الإخبارية تعود إلى عهد تأسيس الولايات المتحدة قبل 250 عاماً، فإن عمليات الحظر الشاملة أو الرسمية التي تمنع مؤسسات إعلامية محددة من دخول البيت الأبيض، تعد أمراً نادراً للغاية، بل وغير مسبوق في العصر الحديث على هذا النطاق، إذ عادة ما تواجه هذه الإجراءات المتشددة تحديات قانونية ودستورية وتفشل في تحقيق أهدافها.
تضامن إعلامي
تسبب القرار بسرعة في بادرة تضامن غير مسبوقة تمثلت في مقاطعة إعلامية واسعة النطاق أثرت بشدة على قدرة إدارة ترمب على إيصال رسالتها، إذ رفضت الشبكات التلفزيونية الكبرى الخمس التي تشكل ما يسمى بالمجموعة التلفزيونية المشتركة الموحدة، استبدال طاقم “سي أن أن” من المجموعة، وبدلاً من ذلك، علقت هذه الشبكات تغطيتها المصورة للفعاليات الرئاسية، التي تُعرف باسم “تي في بوول”.
ولمَن لا يدركون آلية العمل في “المجموعة التلفزيونية المشتركة الموحدة” لتغطية الرئيس “تي في بوول”، فإنها تتألف من خمس شبكات وطنية كبرى هي “أي بي سي”، و”سي بي أس”، و”أن بي سي”، و”سي أن أن”، و”فوكس نيوز”، حيث تنسق هذه الشبكات في ما بينها جدولاً تناوبياً لكل منها لتوفير لقطات فيديو مصورة للرئيس بصورة يومية مما يقلص من التكاليف، حيث يتبادل الأعضاء هذه اللقطات في ما بينهم ومع الشبكات التابعة لهم التي تغطي كل أرجاء الولايات المتحدة، ويتم أيضاً بيعها لمؤسسات إخبارية أخرى، إذ يوجد حالياً نحو 12 جهة مشتركة في خدمة البث الخاصة بهذه المجموعة.
اعتبرت الشبكات الخمس المشاركة في المجموعة أن للجمهور مصلحة حيوية في تلقي معلومات دقيقة ومستقلة حول حكومته، ولا ينبغي لأي إدارة أن تفرض قيوداً على مؤسسة إخبارية لمجرد اعتراضها على أسلوب تغطيتها للأحداث، وهكذا لن ترافق الرئيس الأميركي أي كاميرات تابعة لشبكات تلفزيونية ضخمة عند مغادرته مكتبه أو ممارسته أنشطته الرئاسية المعتادة، وانضمت شبكة “سي-سبان” وشبكة الإذاعة العامة الوطنية “أن بي آر” إلى المقاطعة، كما امتد هذا التعتيم ليشمل صحفاً كبرى مثل “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”، التي بدأت بالامتناع عن نشر حتى الصور الفوتوغرافية للرئيس احتجاجاً على القرار.
ضربة للبيت الأبيض
بالنسبة للرئيس ترمب، الذي يتوق دائماً إلى الاهتمام الإعلامي، شكّلت هذه المقاطعة ضربة قوية لكبريائه، فعندما حضر الإثنين، مراسم افتتاح موقع مهبط المروحيات الجديد في البيت الأبيض، كانت الكاميرات الوحيدة الموجودة هناك تابعة لوسائل إعلام من خارج المجموعة المعتادة للتغطية، بل اتسم الموقف بالارتباك، إذ اضطرت قناة “نيوزماكس” اليمينية الموالية لترمب إلى قطع تغطيتها لأن صوت الرئيس لم يكن مسموعاً بسبب عدم وجود ميكروفون لكاميرات “المجموعة التلفزيونية المشتركة” هناك، وهو ما يعد مثالاً على أن الأمر قد أتى بنتائج عكسية.
ووفقاً لتقارير داخلية، فاجأ قرار الحظر، مستشاري ترمب أنفسهم، إذ أبدى كبار مسؤولي الإدارة استياءهم، معتبرين أن هذه الخطوة لا تسهم في تحسين التغطية الصحافية، بل ولّدت بدلاً من ذلك أجواء مشحونة للغاية داخل أروقة البيت الأبيض، وبدلاً من وقف التقارير النقدية، أدى الحظر فعلياً إلى توحيد الشبكات الإعلامية المتنافسة، وعزل الأنشطة العامة اليومية للرئيس بصرياً وسمعياً عن الجمهور الأميركي.
لماذا الآن؟
عندما أعلن ترمب قرار الحظر، كان رد الفعل الفوري هو التساؤل: ما الذي أثار غضبه، وما الأمر الذي أزعجه ليدفعه إلى رد الفعل هذا؟ لكن صحيفة “وول ستريت جورنال”، أوضحت أن ترمب استشاط غضباً بعد أن عرضت عليه مساعدته المقربة، ناتالي هارپ، مقاطع لمذيعين في شبكة “أم أس ناو” ينتقدون إدارته. كما ذكرت كيتلين كولينز وكيفن ليبتاك، من شبكة “سي أن أن”، أن ناتالي هارپ عرضت على ترمب رسوماً بيانية تظهر تغطية سلبية من موقع “بوليتيكو” مما أثار غضب ترمب بشدة، وأدى إلى فرض الحظر.
ومع ذلك، من المعروف أن لترمب تاريخ في افتعال مشكلات مع وسائل الإعلام بطرق قد تصرف الانتباه عن قضايا أخرى، إذ يُعرف عنه تعمد الدخول في مواجهات مع الإعلام، ربما لإدراكه أن هذه المواجهات ستتصدر عناوين الأخبار وتصبح حديث الساعة، بدلاً من القضايا المهمة التي تسعى وسائل الإعلام إلى مناقشتها.
ولهذا رجحت هيئة تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” أن ترمب البارع في التلاعب باهتمام الرأي العام، ربما هاجم المؤسسات الثلاث لصرف الأنظار عن إخفاقات سياساته، مثل الحرب مع إيران، والرسوم الجمركية، والتضخم، وغيرها من القضايا التي طبعت فترته الرئاسية.
ويتفق الخبير الاستراتيجي الجمهوري فورد أوكونيل في أن أسلوب ترمب القائم على إغراق الساحة بالأخبار، يمكن تفسيره كمحاولة لإرباك الديمقراطيين وزعزعة رسالتهم السياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث يدفع الديمقراطيين لاستنزاف كل طاقتهم، وغالباً ما يؤدي إلى تشتيت انتباههم، ودفعهم إلى التحرك بعشوائية وتخبط، والقيام بردود فعل مبالغ فيها أو غير مدروسة، مما يؤدي في النهاية إلى فقدانهم جوهر رسالتهم السياسية.
وفي حين يفسر بعض الجمهوريين تحركات الرئيس على أنها وسيلة لحشد قاعدته الجماهيرية الصلبة، في الوقت الذي يسعى الحزب إلى زيادة نسبة المشاركة في انتخابات التجديد النصفي، يجادل آخرون بأن سيل العناوين المثيرة للجدل، وإن كانت تصرف الانتباه عن أحداث أخرى، لا تقدم سوى القليل من الدعم للحزب الجمهوري قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي، وعلى سبيل المثال، يرى الخبير الاستراتيجي الجمهوري روب ستوتزمان، أن حظر ترمب لوسائل إعلامية، يفتقر إلى الانضباط، ويذكر الناخبين مجدداً بأنه لا يركز على المهمة الوحيدة الموكلة إليه وهي خفض تكاليف المعيشة التي تعد القضية الأبرز باستمرار في استطلاعات الرأي، في وقت تتسع ساحة المعركة الانتخابية في مجلس الشيوخ وتتزايد المخاوف من فقدان الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلس النواب.
حرية الإعلام على المحك
عندما قرر ترمب في بداية دورته الرئاسية الثانية تغيير اسم “خليج المكسيك” إلى “خليج أميركا”، أقدمت إدارته على استبعاد وكالة “أسوشيتد برس” من المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض لأنها لم تساير هذا الأمر في تغطيتها، وبدلاً من التضامن مع الوكالة والانسحاب احتجاجاً، آثرت بقية وسائل الإعلام غض الطرف بصورة جماعية.
لكنهم استعادوا نزاهتهم الآن، فالجميع يدركون أن الخطيئة الوحيدة التي ارتكبتها المؤسسات الإعلامية الثلاث المستبعدة هي ممارسة عملها في نقل الأخبار، وأن الهجمات على الصحافة والإعلام ربما تتصاعد إذا صمتت وسائل الإعلام ولم تتوحد في مجابهة السلطة التنفيذية في البيت الأبيض.
ووصف عديد من المعلقين وأعضاء الجسم الصحافي قرار ترمب الأخير بحظر المؤسسات الإخبارية الثلاث بأنه انتهاك للتعديل الأول للدستور، كما قالت جاكي هاينريش، رئيسة “رابطة مراسلي البيت الأبيض”، بل إن جوناثان تورلي، أستاذ القانون في جامعة جورج واشنطن وهو مؤيد قوي للجمهوريين، أوضح عبر منصة “إكس” أن الحظر سيمثل اعتداءً على مبادئ حرية الصحافة الراسخة.
وكما جادل تورلي وآخرون كثر خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن قرار الحظر الذي اتخذه ترمب يعد، على الأرجح، غير دستوري بموجب التعديل الأول للدستور، الذي ينص على أنه “لا يجوز للكونغرس سن أي قانون يقيد حرية التعبير أو حرية الصحافة”. وأوضح فرانك لومونتي، مدير مركز “بريشنر” لحرية المعلومات في جامعة فلوريدا، أن التعديل الأول للدستور يضمن لجميع الأميركيين حرية التحدث والنشر من دون تدخل حكومي.
ويبدو أن الحظر الجديد أثار القلق لدى القائمين على وسائل الإعلام الأميركية لسببين، فهو يواصل محاولات ترمب عرقلة التدفق الحر للمعلومات في المجتمع الأميركي، ويعكس تجاهله التام للقانون، وبينما تعد هذه الخطوة الأخيرة امتداداً لتهديدات ترمب للصحافة الحرة، إلا أنها تظل أمراً حيوياً للشعوب التي تحكم نفسها بنفسها، فهي تتيح للمواطنين تقييم الواقع في ظل نظامهم الديمقراطي، وتسمح بتعدد الأصوات الإعلامية وازدهارها، كما أنها تخضع أصحاب النفوذ للمساءلة.
محاولات متكررة
ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها ترمب منع صحافيين من دخول البيت الأبيض، فخلال ولايته الأولى، سعى إلى منع جيم أكوستا، مراسل “سي أن أن”، من الدخول عبر إلغاء تصريحه الصحافي عقب مؤتمر صحافي اتسم بالتوتر حول انتخابات التجديد النصفي لعام 2018.
وفي ذلك النزاع، سارعت “سي أن أن” إلى رفع دعوى قضائية، وجادلت بأنه إذا تُركت تصرفات البيت الأبيض من دون اعتراض، فإنها ستنتج تأثيراً تخويفياً خطراً على أي صحافي يغطي أخبار المسؤولين المنتخبين.
وصدرت أيضاً ردود فعل من منظمات صحافية، إذ أدانت كل من “لجنة حماية الصحافيين”، و”رابطة أخبار الراديو والتلفزيون الرقمية”، وحتى زملاء أكوستا في موقع “ذا ديلي كالر” وهو موقع إخباري يميل إلى اليمين، قرار الحظر الذي فرضه البيت الأبيض.
وأصدرت محكمة فيدرالية أمراً قضائياً موقتاً لمصلحة “سي أن أن”، يقضي بإعادة تفعيل التصريح الصحافي لأكوستا، وفي وقت لاحق، أعادت إدارة ترمب تفعيل تصاريح أكوستا، وأسقطت “سي أن أن” دعواها القضائية.
وفي نفس العام أيضاً، استبعد البيت الأبيض مراسلة شبكة “سي أن أن” من حضور فعالية للإعلان عن اتفاق تجاري دولي مع رئيسة المفوضية الأوروبية، في خطوة بدت وكأنها إجراء انتقامياً بعدما وجهت المراسلة أسئلة غير مرغوب فيها للرئيس دونالد ترمب أثناء ظهوره في المكتب البيضاوي، الأمر الذي عده عديد من المراقبين تصعيداً لعداء إدارة ترمب تجاه الصحافيين.
سوابق مماثلة
على الرغم من ندرة حالات الحظر الكامل لمؤسسات إخبارية من البيت الأبيض، فإن إدارات سابقة استخدمت السلطة التنفيذية أو الإجراءات القانونية أو الاستبعاد الانتقائي لتقييد عمل الصحافيين والمؤسسات الإخبارية، ففي عام 2009، حاولت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما استبعاد شبكة “فوكس نيوز” من نظام التناوب ضمن عمل “المجموعة التلفزيونية المشتركة الموحدة” لتغطية مقابلة مع مسؤول في وزارة الخزانة، غير أن الشبكات التلفزيونية الكبرى الأخرى رفضت المشاركة ما لم يتم إشراك “فوكس نيوز”، مما أجبر الإدارة على التراجع.
وفي سبعينيات القرن الماضي، استهدف الرئيس ريتشارد نيكسون مراراً وصول الصحافة للمعلومات، حيث احتفظ بقائمة سرية لمن وصفهم بالأعداء من الصحافيين، ومنع مراسلين محددين (مثل كاتبة العمود في صحيفة “واشنطن بوست” ماري ماكغروري) من حضور فعاليات البيت الأبيض، ووجه الوكالات الفيدرالية لتقييد الوصول إلى المعلومات.
وخلال الحرب العالمية الأولى، استخدم الرئيس وودرو ويلسون في عامي 1917 و1918 قانون التجسس وقانون التحريض على الفتنة، لقمع الصحف المعارضة للحرب، ومنع توزيع منشورات معينة عبر خدمة البريد الأميركية.
وفي ستينيات القرن الـ19 وخلال الحرب الأهلية الأميركية، علقت إدارة الرئيس أبراهام لينكولن عمل مؤسسات إخبارية، وقطعت خطوط التلغراف، وسجنت رؤساء تحرير نشروا محتوى ينتقد الحكومة أو يعتبر غير موالٍ لها.
وفي عام 1798 وقع الرئيس جون آدامز خلال السنوات الأولى للجمهورية الأميركية الوليدة على قانوني الأجانب والتحريض على الفتنة، اللذين استخدمتهما إدارته لاعتقال وسجن محرري الصحف الذين انتقدوا قراراته السياسية.
صراع قانوني
وفي حين رفعت المؤسسات الإخبارية المحظورة دعوى قضائية مشتركة كبرى ضد إدارة ترمب، متهمة إياها بانتهاك صريح للتعديل الأول للدستور وممارسة تمييز صارخ على أساس وجهة النظر، يشير خبراء قانونيون إلى أن قول ترمب الصريح إنه حظر هذه المؤسسات بسبب تغطيتها السلبية، يجعل موقف الحظر ضعيفاً جداً أمام القضاء، ويخلق صداعاً قانونياً متفاقماً للإدارة.
لكن البيت الأبيض أصدر بياناً رسمياً أوضح فيه أن إتاحة الوصول إلى البيت الأبيض تعد امتيازاً، وليست حقاً مكتسباً، وأن الرئيس ترمب أبعد الوسائل الإعلامية الثلاث عن البيت الأبيض لأنها أمضت أعواماً في نشر تقارير كاذبة، مشيراً إلى أن التعديل الأول للدستور يحمي حقهم بالنشر، لكنه لا يمنحهم الحق في الحصول على تصريح دخول دائم أو مقعد في قاعة المؤتمرات الصحافية، أو مكان ضمن المجموعة الصحافية المرافقة للرئيس.
لكن هناك أكثر من حق دستوري واحد معني بهذه القضايا، إذ استند القاضي الذي أعاد بطاقة الاعتماد الصحافي لأكوستا عام 2018، في حكمه بشكل أساس، إلى حقوق المراسل المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة المنصوص عليها في التعديل الخامس للدستور، وليس إلى التعديل الأول.
ووفقاً لأستاذ للقانون الدستوري في جامعة كوينيبياك، واين أنغر، فإن “مسألة تمتع الصحافة بحق دستوري في دخول البيت الأبيض تبدو أقل وضوحاً، رغم أن الرؤساء السابقين احترموا وأقروا بحق الصحافة في الوصول إلى السلطة التنفيذية”.
وفي حين أن عديداً من قضايا المحكمة العليا مثل قضية “صحف ريتشموند ضد فيرجينيا” تمنح الصحافة بوضوح تام حق الوصول إلى المحاكمات الجنائية، إلا أنه لا يوجد سابقة قضائية للمحكمة العليا تقر صراحة بحق دستوري واضح في دخول البيت الأبيض.
حقان دستوريان
في قضية تعود لعام 1977، وهي قضية “شيريل ضد نايت” رفض البيت الأبيض منح روبرت شيريل، مراسل مجلة “ذا نيشن” في واشنطن، بطاقة اعتماد صحافي، وذلك بعد أن كان يحمل مثل هذه البطاقات لسنوات عديدة، وجاء الرفض بناء على توصية من جهاز الخدمة السرية بعدم منحه إياها، في حين رفض الجهاز الكشف عن مبرراته لذلك.
رفع شيريل دعوى قضائية، وخلصت محكمة الاستئناف في دائرة العاصمة إلى أن جهاز الخدمة السرية لا يمكنه رفض منح بطاقة اعتماد صحافي للبيت الأبيض ما لم تكن هناك معايير محددة تُقيَّم الطلبات بناء عليها، كما ألزمت المحكمة البيت الأبيض بأن يوفر للصحافة إشعاراً بالأسس الواقعية للرفض، وفرصة للرد على هذه الأسس، وبياناً نهائياً مكتوباً بأسباب رفض منح البطاقة الصحافية.
ورأت المحكمة أن هذه المتطلبات، أي الإشعار وإتاحة الفرصة لدحض أسباب الرفض، محمية بموجب ضمانتين دستوريتين تتكاملان معاً: ضمانات حرية الصحافة في التعديل الأول، وضمانات التعديل الخامس التي تحمي الأفراد من الحرمان التعسفي من الحياة أو الحرية أو الممتلكات من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.
بعبارة أخرى، قبل أن تتمكن الحكومة الفيدرالية من حرمان أي فرد من حياته أو حريته أو ممتلكاته، يتعين عليها أن تضمن له اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، وهي عملية الغرض منها منع الإجراءات الحكومية التعسفية.
الإجراءات القانونية السليمة
هناك عدد من القرارات السابقة للمحكمة العليا التي قد تكون محورية في الدعوى القضائية الحالية التي رفعها الصحافيون في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2026، ومن بينها قضية “ماثيوز ضد إلدريدج” لعام 1976، حيث أكدت المحكمة العليا أن مفهوم “الإجراءات القانونية السليمة” يتسم بالمرونة ويعتمد على مدى أهمية الحرية أو المصلحة المتعلقة بالملكية محل النزاع، ومع ذلك، أوضح القضاة بصورة عامة أن هذه الإجراءات تقتضي من الحكومة إخطار الفرد ومنحه فرصة لعرض قضيته قبل اتخاذ أي إجراء يؤدي إلى حرمانه من حقه.
وفي قضية “شيريل ضد نايت” لعام 1977، قضت المحكمة بأن رفض منح تصريح صحافي يمس مصلحة تتعلق بالحرية التي يكفلها التعديل الأول للدستور. وذكرت المحكمة أن هذه المصلحة تعد بلا شك حرية لا يجوز حرمان الفرد منها من دون اتباع الإجراءات القانونية السليمة المنصوص عليها في التعديل الخامس.
وهذه الجزئية الدقيقة، أي التفاعل المشترك بين التعديلين الأول والخامس، هي ما يغفل عنه معظم المعلقين والنقاد عند تناولهم لقرار الحظر الأخير، إذ إن هذه المؤسسات الإعلامية المحظورة، تركز في دعواها القضائية الرامية لوقف قرار ترمب، على حجة مفادها أن إدارة ترمب انتهكت حقها في الإجراءات القانونية السليمة المكفول بموجب التعديل الخامس.
وقد جادل أستاذ قانون الإعلام “لومونتي” في عام 2018 بأنه حتى لو لم يكن حضور فعالية في البيت الأبيض حقاً مكفولاً دستورياً، فإن ذلك لا يعني أن الحكومة تتمتع بحرية سلب هذا الحق كنوع من العقاب.
وبناء على التقارير العلنية، يتضح أن إدارة ترمب لم تقدم لشبكات “سي أن أن” و”أم أس ناو” أو موقع “بوليتيكو” إخطاراً كتابياً يوضح أسباب إلغاء تصاريحهم الصحافية، كما أنها بالتأكيد لم تمنح هذه المؤسسات فرصة لدحض ادعاء ترمب الذي يفتقر إلى الأدلة بأنها تنشر قصصاً مختلقة وأكاذيب.
هل تنتصر وسائل الإعلام؟
ولأن قضية حظر وسائل الإعلام الأخيرة أُسندت إلى القاضي نفسه الذي عينه ترمب والذي أصدر الحكم في قضية “أكوستا” الخاصة بشبكة “سي أن أن”، واستناداً إلى سابقة قضية “أكوستا”، فمن المتوقع أن يأمر القاضي الفيدرالي بإعادة التصاريح الصحافية للمؤسسات الإعلامية بصورة فورية وموقتة، وذلك ريثما يحاول ترمب إثبات دستورية إجراءاته، وهي إجراءات يرى البعض أنها تفتقر إلى الدستورية.
الإقصاء الانتقامي ينتهك القانون
بحسب لومونتي فإن الحق الذي يكفله التعديل الأول للدستور في الوصول إلى المسؤولين الحكوميين والسجلات والفعاليات هو حق يكتنفه قدر مفاجئ من الغموض وعدم اليقين، إذ يضمن التعديل الأول لجميع الأميركيين حرية التحدث والنشر من دون تدخل حكومي، وقد فسرت المحكمة العليا هذا التعديل تفسيراً واسعاً يحظر على الحكومة تقييد المتحدث أو معاقبته بناء على محتوى رسالته.
وفي حين يتمتع الصحافيون بحق راسخ وواضح بموجب التعديل الأول في نشر الأخبار التي جمعوها، حتى في الحالات القصوى، مثل تسريب وثائق مسروقة من البنتاغون، إلا أنه ليس من الواضح بالقدر نفسه ما إذا كان التعديل الأول يحمي الحق في جمع الأخبار من الأساس.
لكن رغم ما أقرته المحكمة العليا في حكمها الصادر عام 1972 في قضية “برانزبورغ” بأن الصحافيين لا يملكون الحق في المطالبة بامتيازات وصول تفوق ما يتاح لعامة الناس، فإن الصحافيين يتمتعون بحق عدم التعرض لإجراءات انتقامية ضدهم، بغض النظر عن شكل ذلك الانتقام.
حتى وإن لم يكن حضور فعالية في البيت الأبيض حقاً مكفولاً دستورياً، فهذا لا يعني أن الحكومة حرة في حرمان الصحافيين منه كنوع من العقاب، إذ لا يمكن للحكومة سحب امتياز حتى وإن كان خاضعاً بصورة كاملة لتقديرها، إذا كان الدافع وراء ذلك هو معاقبة المتحدث بسبب آرائه.
