
برزت عشرات الأعمال الموسوعية والمؤلفات الضخمة المتنوعة عبر التاريخ لكنها باتت منسية اليوم (بشير مصطفى – اندبندنت عربية)
ملخص
تراجع الاهتمام بالموسوعات والقواميس إلى حد كبير، فما كان في يوم من الأيام ينبوعاً للمعرفة ومساعداً للباحثين أو حتى طلاب المدارس والجامعات في سبر أغوار الحقيقة، تحوَل إلى عبء على أرباب المنزل بسبب حاجته إلى مساحة واسعة واهتمام مستمر.
إلى “التتخيتة”، وهي كلمة لبنانية تعني غرفة الأغراض القديمة، يصحبنا باسم ليطلعنا على “أعداد موسوعة بريتانيكا” التي واظبت العائلة على اقتناء طبعاتها المحدثة لأكثر من عقد من الزمن، إلى جانب مجلدات باللغة الإنجليزية، فهي كانت المرجع الذي يلجأ إليه أفراد الأسرة بسبب ما تحتضنه بين دفاتها من معلومات عميقة وموثوقة.
ويقول “بعدما قررت العائلة تغيير الديكور، نظرت إلى تلك المجلدات الضخمة بوصفها عثرة، لأنها تحتاج إلى مساحة كبيرة من الواجهة، وتتطلب جهداً دائماً لتنظيفها ونفض الغبار عنها، ناهيك عن وجود وسائل مختلفة للمعرفة بين يدي طلاب اليوم”، مؤكداً “عرضناها للبيع، ولكن لم نجد لها مشترياً، حتى المكتبات قالوا لنا إنه يمكننا التبرع بها أو بيعها بثمن بخس، عندها قررنا الاحتفاظ بها في صناديق كرتونية علَنا نلجأ إليها في يوم من الأيام”.
مجموعات للبيع على “واتساب”
هذا المشهد ليس استثناء أو غريباً عن المشهد العام في لبنان، فها هو محمد أحمد يعرض على مجموعته الخاصة ببيع الكتب على “واتساب” قواميس لغوية ضخمة لقاء 100 ألف ليرة لبنانية أي قرابة الدولار الأميركي الواحد ولكن من دون أن يجد شارياً لها، يوضح أن “المعاناة نفسها تنسحب على الموسوعات، نعرضها بأبخس الأسعار ولا نجد لها راغباً، وبأثمان لا تُساوي ثمن الورق والحبر والتجليد من دون أن نأتي على جهد المؤلفين”.
ويعتبر محمد أن ما يجري هو صورة عن مشهد ثقافي عام، وتراجع مكانة الكتب والمجلدات العملاقة مقابل إقبال متزايد على المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تسلب الناس أوقات فراغها، موضحاً أن “الاهتمام بالموسوعات في تراجع مستمر، والطلب يقتصر على بعض الكتب النادرة أو المؤلفات الفلسفية”. ويكتمل المشهد مع أولياء أمور الطلاب الذين عاشوا عصراً وسيطاً بين عصرين.
يقول زاهر “لقد عايشت الزمن القديم، عندما كان الاهتمام بالموسوعات والقواميس متقدماً في تسعينيات القرن الماضي، وكانت المعلمات يطلبن منا إعداد أبحاث بالاستناد إلى الموسوعات العلمية والقواميس الضخمة، وكنا نقضي أيام عطلة نهاية الأسبوع في جمع المعلومات عن الشخصيات التاريخية والأعلام والمخترعين، ومن ثم انتقلنا بعد عام 2000 تقريباً للبحث الجزئي عبر “غوغل” والدخول إلى متصفح “ويكيبيديا”، وكان المدرسون يخضعوننا لسيل من الأسئلة للتأكد من إنجازنا للبحث بجهودنا الخاصة، واليوم نجد أبناءنا يبتعدون كل البعد عن الكتب، وعندما نقترح عليهم العودة إلى بعض القواميس، يجيبون بشيء من التهكم، وأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمتلك القدرة على تقديم الإجابة عن أي موضوع خلال ثوان وبأقل مجهود من الطالب والباحث”.
موسوعات الماضي المجيد
ارتبطت الموسوعات والقواميس بالمعرفة المعمقة والشاملة، وتاريخياً شكلت صورة على تقدم الشعوب وازدهار البحث العلمي منذ عهد بيت الحكمة في بغداد إبان عهد الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد، وصولاً إلى فلاسفة النهضة في أوروبا وظهور “الآنسيكلوبيدي” (الموسوعة باللغة الفرنسية) في فرنسا على يد فلاسفة الأنوار، وبروز نموذج “البريتانيكا” في المملكة المتحدة والمستمرة في الصدور من عام 1768 ولغاية يومنا هذا.
يشير مخائيل خوري في كتاب “العلوم عند العرب في بدايتها وتطورها” إلى أن المأمون اهتم كثيراً بالترجمة والتأليف و”بنى بيت الحكمة وجهزها بمكتبة كبيرة، وأنشأ فيها حلقة للمناقشة ومعهداً للترجمة. وقد استقدم إلى بيت الحكمة أبرَع المترجمين، ووكل أمرهم إلى شيخ المترجمين حنين بن اسحق”، فيما تشير بعض الروايات إلى أنه “كان يدفع وزن الكتاب ذهباً من أجل تشجيع البحث العلمي”. فيما يشير الكاتب محمد عبدالرحمن مرحبا في مؤلفه “من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية” إلى “إنفاق الخلافة العباسية بسخاء على البحث العلمي، وكان من شروط عقد الصلح بينه وبين الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكتبات الأستانة”.
وشكل هذا السلوك امتداداً لاهتمام واسع بالمؤلفات العظيمة في ظل الحضارة العربية الإسلامية من العهد الأموي إلى الدول التي أعقبتهم، ومن بغداد إلى دمشق والقاهرة والمغرب العربي والأندلس. حيث قدم العرب إسهامات عظيمة بدءاً بالخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب أول معجم عربي مرتب حسب مخارج الحروف والمعروف بـ”كتاب العين”، ومن ثم جاء الجوهري وألف “تهذيب اللغة” و”الصحاح”، قبل أن يضع ابن منظور قاموسه الضخم “لسان العرب”، وتأليف الفيروزآبادي “للقاموس المحيط”.
عشرات الأعمال الموسوعية
وبين هذا وذاك برزت عشرات الأعمال الموسوعية والمؤلفات الضخمة المتنوعة في مجالات التفاسير وعلوم الفقه والنحت والحديث واللغة والأدب والتاريخ وغيرها كثير من المواضيع وحقول البحث.
وانتقلت تلك العدوى الإيجابية عبر العصور، حيث أفاض العرب في التأليف والشروحات والبيان في موازاة جهود غربية وإسهامات عالمية متنوعة. ولكن مع نهاية القرن الـ20 وبداية القرن الـ21، بدأت مرحلة التحوُل، وانتقلت من حقبة المختصرات إلى “البديل الرقمي” وبروز المصادر المفتوحة للمعلومات في مقدمها “الموسوعة التشاركية – الويكيبيديا”.
ويشير الباحث لوتشيانو فلوريدي، مؤلف كتاب “الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني”، إلى إنه “لم تتطور وسائل تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الخاصة بالتسجيل والنقل إلى القدرة على معالجة وتجهيز البيانات إلا بعد عدة آلاف من السنين خلال القرون القليلة بين يوهان غوتنبرغ (مكتشف المطبعة في أواسط القرن الـ15) وآلان تورنغ واضع الحجر الأساس لعلوم الحاسوب الحديثة في الربع الثاني من الـ20، والجيل الحالي هو وحده الذي يشهد التحولات الجذرية التي أحدثتها تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، هذه التحولات التي ترسم حداً فاصلاً جديداً بين التأريخ والتأريخ المُفرط” أي الانتقال من مرحلة التأليف الرصين والبطيء إلى حقبة فيض المعلومات حيث تسود تكنولوجيات المعلومات والاتصالات والرقمنة.
وقد لاحظ الباحث الفرنسي ريمي ريفيل صاحب كتاب “الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟” تأثير تلك الثورة في سلوك وعمل المؤلفين مع الانتقال من “كاتب الورق” إلى “كاتب الشبكة”، في موازاة بروز ظاهرة استعراض الهواة مواهبهم عبر الشبكة مباشرة وبالمجان من دون مرور بالمصفاة كيفما كان نوعها. وعليه، شكلت الشبكة انتقالاً لعملية التأليف والنشر والتوصيف والتفصيل من بين دفتي الكتب والمجلدات إلى النشر عبر الشبكة والالتزام بأدبياتها وأخلاقياتها السطحية والمختصرة والمرنة والقابلة للتعديل والتنقيح والتطوير أو حتى الحذف.
مراجع علمية أصيلة وذات موثوقية
يجزم الدكتور مصطفى الحلوة، نائب رئيس الاتحاد الفلسفي العربي، بضرورة الحفاظ والتعامل مع الموسوعات بوصفها مراجع علمية أصيلة وذات موثوقية، قائلاً “لا شكّ في أنّ المؤلفات والمصادر الموسوعيّة، وكذلك الموسوعات، من لغوية (قواميس ومعاجم) وتاريخية وأدبية وعلمية صِرفة، تشهد تبدّلاً دراماتيكياً في تعاطينا معها وطريقة استخدامها، لم يعدد استعمالها يدوياً، أي عبر العودة إليها بصيغتها الورقية، بل عبر استخدامها بواسطة الإنترنت”.
يشدد الحلوة على الرابط بين الموسوعات والباحثين، حيث إنّ كثيراً من المشتغلين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الصِرفة، على رغم قدرتهم في الوصول إلى المصادر المرقمنة، لا يزالون على علاقة بالمصادر والموسوعات بصيغتها الورقية، يقتنونها في مكتباتهم الخاصة، لما للكتاب الورقي من هالة وحضور لجهة الشكل ولجهة الملمس، ولكونه يشكّل “قطعة” جديرة بالاقتناء، لا سيما الطبعات القديمة، إذ تغدو لها قيمة مضافة، شأنها شأن القطع الأثرية. ويرى أن لها قيمة معنوية وأدبية كبيرة، قائلاً “تصوّر أنّ أحدهم يمتلك أحد المصادر الموسوعيّة، طُبع في مطبعة بولاق (مصر) مطلع القرن الـ19، أو في الربع الأخير من هذا القرن، أو جُمع في المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين ببيروت، هل يتخلّى عنه؟ أو يكتفي به، على رغم وجوده رقمياً؟”
يعتقد الحلوة أن “ثمة علاقة ’عاطفية‘ مع الكتاب الورقي، ينبغي أن نأخذها بالاعتبار، لا سيما لدى الجيل القديم، الذي يقدّر الكتاب الورقي كما لدى كثر بين الجيل القديم والجيل المنفتح على الجديد”، مضيفاً “ما يسري على الأفراد، من أصحاب المكتبات الخاصة، يسري على المكتبات العامة، فعلى سبيل المثال، هل يُطلب إلى ’المكتبة الوطنية‘ في باريس إفراغ رفوفها وخزائنها من الكتب الموسوعية والموسوعات التي تمتلكها، على رغم وجودها رقمياً؟”.
يخلص الدكتور الحلوة إلى أن “التطوّر من سُنن التاريخ، سواء كان هذا التطوّر ذا طابع إيجابي أو طابع سلبي والمجتمعات البشرية قادرة على التكيّف واستيعاب كل جديد، قد تعاند في بداية الأمر، والشواهد من التاريخ، في مختلف المجالات، أكثر من أن تُعدّ وتُحصى”.
نهاية الموسوعة
على أرض الواقع، لاحظ أصحاب المكتبات تراجعاً في الطلب على الموسوعات والمجلدات والكتب الضخمة أو حتى القواميس، ويشير علي شحادة، صاحب مكتبة الإمام في طرابلس شمال لبنان، إلى أنه “بدءاً من عام 2015، تراجع الطلب كثيراً على الموسوعات والقواميس، ومختلف أشكال الكتب الورقية”، معتبراً أن “الكتاب يتراجع مرحلياً ولكن لا يموت”. ويلاحظ وجود عوامل عدة أسهمت في تراجع مكانة المؤلفات العظيمة، من جهة هناك تراجع في جهود القراءة والكتابة، وانتقالها من جهد عام إلى هواية لدى الخاصة من الناس، ولعبت المدارس دوراً سلبياً عندما قررت وقف إعطاء الكتاب للطالب واستبداله بالكمبيوتر اللوحي، وقد نجم عنه تراجع في التلقي وبروز فجوة معرفية بصورة جزئية، مضيفاً أن “هذا الواقع انتقل إلى الجامعات، وعوضاً من صناعة باحث يغوص في المراجع والموسوعات، بات يرسل إليه ملف رقمي مختصر للدراسة والحفظ والترداد السطحي. وعليه، تراجع الاهتمام بالموسوعات والمعلومات المعمقة والموسعة. ناهيك عن عجز دور النشر عن طباعة تلك الموسوعات بسبب حاجتها إلى استثمار مالي كبير”.
نحو حقبة جديدة
ارتبط ظهور الموسوعات والقواميس بالبحث العلمي الرصين والمعرفة المعمقة، وقد سادت خلال مرحلة عصر النهضة وسعي الشعوب نحو الأنوار وإبراز مكانتها المهيمنة على مستوى المشهد الثقافي العالمي. يؤكد الدكتور محمد حسين الرفاعي، أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، أن “التَّساؤل عن الموسوعة اليوم يتعلَّق بالتساؤل عن الحاجة إلى المعرفة الموسوعية، أو المعرفة الأفقية على نحو دقيق. نتساءل أي معرفة نريد أو نحتاج، وأي معرفة يمكنها أن تخدمنا؟ عن المعرفة الموسوعية، والمعرفة العِلميَّة المتخصصة، والمعرفة الفلسفيَّة التي تتخصص بموضوع أو إشكاليَّة بعينها، علينا أن نتساءل إذاً”. موضحاً أن “الفارق بين المعارف الموسوعية وغيرها، أي بين المعرفة قَبلَ عصر الحداثة، والمعرفة في عصر الحداثة، بين معرفة كُلِّيّة موسوعية وشاملة تسعى إلى أن تعرف شيئاً عن كل شيء تقريباً، ومعرفة متخصصة تسعى إلى أن تعرف كل شيء عن شيء بعينه. غير أن التعارض بينهما ليس حتمياً فالمعرفة الكُلِّيَّة تمنحنا الأفق الذي يجعل التخصص مفهوماً في سياقه الإنساني والتاريخي، وحتى السياسي والثقافي، بينما يمنح التخصصُ المعرفةَ الموسوعيةَ دقتها العلمية ويمنعها من التحول إلى عموميات فضفاضة.
يعتقد الرفاعي أنه “في عصر الحداثة، أدى تراكم العلوم وتفرُّع التخصصات إلى تراجع الحلم الموسوعي الشامل، إذ بدا أن اتساع المعرفة يفوق قدرة الفرد الواحد على الإحاطة بها. ومن ثَمَّ جاء نقد الحداثة وما بعد الحداثة ليكشف عن أن ادعاء الكُلِّيَّة والشمولية والوحدات، التي يمكن أن نفهمهما بوصفها كانت قد تجسدت في السرديات الكبرى قد يخفي أصواتاً وتجاربَ ومعارفَ جرى تهميشها، أو دُفعت إلى الهامش.
ولذلك، إذا أردنا فهم الموسوعة المعاصرة اليوم، يمكن أن نقول إنها تتوفَّر على إمكان أن تكون أكثر وعياً بتعدُّد المنظورات، وبحاجة المعرفة إلى أن تكون منفتحة على اختلاف الثقافات واللغات والتجارب، والمواضيع البين- مَنْهَجيَّة من غير أن تتخلى عن معايير الدقة والبرهان”، مضيفاً “أما في عصر الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني، أي عصر المعرفة المُنتجة آليّاً- تكنولوجياً- رقمياً فقد تحولت الموسوعة من كتاب ثابت إلى شبكة متحركة، تُحدَّث لحظة بلحظة، وتُنتجها مؤسسات وخوارزميات وجماعات مستخدمين، محترفين أو مبتدئين لا فرق”.
وتابع “عالم الذكاء الاصطناعي، الذي سوف يغيِّر، لا محالة، مفهوم العالم، والعالمية في حياتنا، إنَّما هو يقوم بالأساس على قدرته الهائلة في أن يتصل، في أقل من ثوان، بموسوعات عالَمية كلاسيكية، وفي الوقت نفسه، هو يتوفر على إمكان تطويرها وتحديثها في كل مرَّة. بَيْدَ أنَّ وفرة المعلومات لا تساوي المعرف، إذ تبرز تساؤلات جديدة حول انحياز الخوارزميات، ومُلكيَّة البيانات- والمعلومات، ومصادر الإجابات، وقدرة الإنسان على التحقق، والتأكُّد، والتصديق، والنقد، والنقد المضاد”.
الموسوعة حاجة
على رغم تراجع الموسوعات في ظل الثورة الرقمية، فإن اهتماماً متزايداً يبرز في بعض الدول العربية. ويشير الدكتور محمد الرفاعي إلى تجارب عربية خلاقة على المستوى المعرفي، لافتاً إلى أنه “يمكن أن تغدو الحاجة ملحَّة إلى موسوعة فكرية وفلسفية وعلمية، متى وعينا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكون عوناً لنا، ومساعداً لإعادة كتابة موسوعاتنا الخاصَّة التي تتسم بالعالمية، وبمعارفنا التي تريد أن تُصبِح عالَميَّة. لا تكتفي مشاريع من هذا النوع بعرض المعلومة، بل تعلِّم قارئها كيف يتساءل، وكيف يميِّز، وكيف يربط بين المعرفة والمسؤولية، بين الخُصوصيَّة والعالمية، ولكن أيضاً الأمانة العِلميَّة والأخلاقية. أستطيع أن أشير، مثلاً إلى العمل الموسوعي- المعجمي الضخم الذي تقوم به مجموعة كبيرة من الباحثين والفلاسفة والمفكرين العرب في ’مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة‘، و’سعوديبيديا‘، و’مجمع اللُّغة العربيَّة بالشارقة‘ الذي أنجز ولا يزال ينجز ’المعجم التاريخي للغة العربية‘، و’موسوعة الشعر الفرنسي (المترجمة)‘، و’المعجم الرقمي المتخصص‘ الدليل الرقمي لمصطلحات الثقافة، أو مشروع ’مائة كتاب وكتاب‘، ومبادرة ’المكتبة العربية الرقمية‘”.
وقال “هذه مشاريع بدأت في الأعوام الأخيرة، ومستمرة إلى يومنا هذا. إذا طرحنا التَّساؤل ما الحاجة إليها اليوم؟ أي في عصر تجيب أدوات الذكاء الاصطناعي عن كل شيء تقريباً؟ تكون الإجابة هكذا: الحاجة لهذه الموسوعات هي الحاجة لكي نكون عالميِّين”.
ويعبر الرفاعي عن تصور توفيقي مستقبلي دامج بين جهود الإنسان والروبوت، مفترضاً أن “المستقبل لن يكون محرك بحث يمنحنا روابط تشاركية، بل سيكون نسيجاً معرفياً هجيناً، يخلط بين معارف عادية ومعارف علميَّة وفلسفية، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بالتجميع، والتلخيص، والتخصيص الفوري، بينما يظل الإشراف والتدقيق والتحكيم الفلسفي والأخلاقي بيد مجتمعات من العلماء والخبراء البشر لضمان الأمان المعرفي.
إعادة النظر بالموسوعة
من جهته، يعتقد الكاتب ناصر جروس صاحب مكتبة جروس للنشر في لبنان أن “الذي يتراجع هو الشكل التقليدي الجامد للموسوعة، لا الحاجة إلى المعرفة الموسوعية الموثقة”، قائلاً “لا أعتقد أن الاهتمام بالموسوعات والقواميس قد انتهى، لكن طريقة التعامل معها تغيّرت بصورة جذرية. لقد تراجع بالتأكيد الاعتماد على الموسوعة الورقية التقليدية بوصفها المصدر الأول والسريع للمعلومة، لأن التطبيقات والمنصات الرقمية ومحركات البحث، واليوم الذكاء الاصطناعي، توفر المعلومة خلال ثوانٍ”. من هنا، يرى جروس “أن التحدي اليوم ليس في التخلي عن الموسوعات والقواميس، بل في تطوير مفهومها. لم يعد كافياً أن نصدر مجلدات ضخمة ونعتبر أن العمل انتهى، بل المطلوب أن يجتمع الكتاب المطبوع، بما يحمله من قيمة علمية وثقافية وتوثيقية، مع قاعدة معلومات رقمية قابلة للبحث والتحديث”، معتبراً أن “المشكلة ليست في الكتاب الورقي بحد ذاته، وإنما في أن القارئ لم يعد بحاجة إلى شراء مجلدات عدة لكي يحصل على معلومة أولية يستطيع الوصول إليها خلال ثوانٍ عبر هاتفه”.
وقال “هذه القيمة، برأيي، تقوم على عناصر عدة، التوثيق، والتحقق من المصادر، واختيار المعلومات الأساسية، وربطها بسياقها، وتقديم الصور والوثائق والخرائط والجداول، ثم إتاحة تحديث المادة رقمياً عند ظهور معلومات جديدة”. ويخلص جروس إلى أنه “يمكن أن يبقى هناك إصدار ورقي، لكن لا ينبغي أن يكون منعزلاً عن العالم الرقمي. قد يحمل الكتاب مثلاً رمزاً رقمياً يتيح للقارئ الوصول إلى مواد إضافية، أو تحديثات، أو تسجيلات، أو أرشيف صور ووثائق، أو نسخة إلكترونية قابلة للبحث. أما القواميس، فيجب أيضاً أن تتجاوز مجرد تقديم معنى الكلمة. القارئ اليوم يحتاج إلى النطق، والاستعمال، والأمثلة، وأصل الكلمة، وتطور معناها، والفروق الدقيقة بينها وبين الكلمات المشابهة، وربما إلى مواد صوتية ومرئية أيضاً. لذلك أرى أن مستقبل الموسوعات والقواميس ليس في منافسة الإنترنت، لأن هذه معركة خاسرة، بل في تقديم معرفة أكثر دقة وتنظيماً وموثوقية منه، وفي الجمع بين الكتاب المطبوع والمنصة الرقمية”.