ينظر كُتّاب كُثر إلى مصطلح “حبسة الكتابة” أو “قفلة الكاتب” بوصفه عارضًا مؤقتًا، مثل ضربة شمس مباغتة أو حالة زكام. فالحبس/ الحبسة، كما يظنّ هؤلاء، محكومية محددة، سيعقبها قرار إفراج مؤكد، ما يتيح للسجين بأن يفرد جناحيه خارج قضبان القفص ليحلّق عاليًا بعاصفة من الكلمات.
ولكن مهلًا، ماذا لو حاولنا نسف هذا المصطلح من جذوره، ونكران وجوده في الأصل؟ ما يسمى “حبسة الكتابة” له معنى واحد فقط، هو فقدان الأمل بالتقاط فكرة مشعّة يمكن البناء عليها لإنجاز مشروع إبداعي جديد، وتجاهل أهمية المخاض الطويل في تقليب الفكرة وحراثتها جيدًا وفحصها موشوريًا، وتاليًا، لن تنمو في حقل الخيال سوى الأعشاب الضّارة. ما عدا ذلك هو حمل كاذب، وفي أفضل الأحوال ولادة قيصرية لجنين غير مكتمل، وجسد بلا طحال (يعمل الطحال على مراقبة جودة خلايا الدم الحمراء وإخلاء الخلايا التالفة من مجرى الدم). في مواجهة هذه المعضلة، يغامر بعض الكتّاب باللجوء إلى تمرينات يومية على الكتابة وتسويد الصفحات عشوائيًا، وذلك استجابة لنصائح ورش الكتابة في المقام الأول، وذلك بخلع أنياب الصفحة البيضاء وحقنها بجرعات من سيولة الحبر المجاني، إلّا أن ما يحتاجه الكاتب عمليًا، هو رنين خاتم الفضة فوق رخام أرض المخيّلة، وإلّا سنقع على نصٍ نافل لا يعوّل عليه، طالما أنه لم يصنع منعطفًا جماليًا في صوغ التجربة، وقفزة إضافية في الأرشيف الإبداعي لصاحبه.
أصحاب الواحدة
في الأنطولوجيا الشعرية العربية سنتعرّف على “أصحاب الواحدة”، أولئك الذين اشتهروا بقصيدة مفردة أو بشطرٍ من بيت وحسب، وهذا لا يعني في العمق أن هذا الشاعر أو ذاك وقع في فخاخ حبسة الكتابة، إنما على الأرجح أنه تعثّر في تجاوز منجزه السابق بسبب عطب تخييلي أصاب مفاصل قصائده اللاحقة بعلّة التكرار والمراوحة في المكان. في هذا المسلك لم يستطع ابن زريق البغدادي مثلًا بأن يكتب قصيدة تتفوق على قصيدته “اليتيمة” التي مطلعها “لا تعذليه فإن العذل يولعه”، كما لم يتوقف أبو البقاء الرندي عن الكتابة بعد مرثيته للأندلس “لكلّ شيء إذا ما تم نقصان”، ولن يتهيأ لأبي فراس الحمداني أن يتجاوز “أراك عصي الدمع شيمتك الصبر”، وستجف أرض الخيال لدى بدر شاكر السياب بالمقارنة مع قصيدته “أنشودة المطر”، وذلك لصعوبة قدح الشعلة باللهب نفسه، وإذا بالحبسة تماثل الحضور لجهة الجفاف والسيولة السطحية نظرًا لتعدد الأسباب.
محنة خوان رولفو
على المقلب الآخر، لا نظن أن الروائي المكسيكي خوان رولفو الأب الروحي للواقعية السحرية، وصاحب الرواية اليتيمة “بيدرو بارامو” (1955)، قد أصابه فيروس حبسة الكتابة، إنما لقناعته بأنه لن يضيف ما هو أهم من هذه الرواية إلى مشتله الأدبي لجهة الكثافة والهندسة الصارمة في بناء العمارة السردية، بالإضافة إلى إحساسه بالغبن والإحباط والخذلان. ففي سؤاله عن أسباب صمته الروائي أجاب محتجًا: “اليوم، حتى مدخّني الماريغوانا ينشرون كتبًا، وأنا أُفضّل أن أبقى صامتًا”. هكذا أُهملت هذه الرواية نقديًا وقت صدورها إلى أن أعاد غابرييل غارسيا ماركيز الاعتبار إلى هذا النص المدهش بقوله: “إن استقصائي العميق لعمل خوان رولفو كان هو ما أظهر لي في النهاية الطريق الصحيح لمواصلة كتابتي، ولم أكن لأبني صرح ’مائة عام من العزلة’ لولا قراءة بيدرو بارامو”.
| لا نظن أن الروائي المكسيكي خوان رولفو، الأب الروحي للواقعية السحرية، وصاحب الرواية اليتيمة “بيدرو بارامو” (1955)، قد أصابه فيروس حبسة الكتابة، إنما لقناعته بأنه لن يضيف ما هو أهم من هذه الرواية إلى مشتله الأدبي |
التجربة الحيّة أولًا وأخيرًا
ينكر وليم فوكنر خرافة حبسة الكتابة معوّلًا على التجربة الحيّة، وتحطيم حاجز الصفحة البيضاء بالجلوس إلى المكتب بانتظام وانضباط، قائلًا: “أنا أكتب فقط عندما أكون ملهمًا، ولحسن حظي فإن الإلهام يضربني كل يوم في تمام الساعة التاسعة صباحًا”. هكذا كتب روايته “بينما أرقد محتضرة” في أثناء عمله الليلي في محطة لتوليد الكهرباء وسط ضجيج المحرّكات!
من جهتها اكتفت مارغريت ميتشل برواية واحدة هي “ذهب مع الريح”، ليس لانطفاء مخيلتها بل لصدمة النجاح الساحق لروايتها وانشغالها بعقود الترجمة وحقوق المؤلف وأعباء الشهرة، خصوصًا بعد تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي في هوليوود، ثم موتها المفاجئ بحادث سيارة. وستنال إميلي برونتي المصير نفسه، إذ باغتها مرض السل وهي في الثلاثين من عمرها، بعد سنة من نشر روايتها النفيسة “مرتفعات وذرينغ”.
وكتبت الروائية المصرية عنايات الزيات روايتها الوحيدة “الحب والصمت” في أسوأ ظروفها النفسية، كما أنها واجهت تجاهلًا وعدم اكتراث أكثر من دار نشر لمخطوطها الروائي المؤجل، فقرّرت الانتحار عام 1963، لتصدر الرواية بعد أربع سنوات على رحيلها بما يشبه الاكتشاف. وفي عام 1997، انتحرت مواطنتها أروى صالح، إذ ألقت بنفسها من شرفة الطابق العاشر استجابة لخيبات متراكمة أفرزها مجتمع ذكوري مريض أقصاها جانبًا، وهو ما كشفت عنه في روايتها الوحيدة “المبتسرون”.
ليست حبسة الكتابة إذًا قدرًا لا بدّ منه، فتأخر التقاط الفكرة أو الانزلاق إلى الدرك الأسفل، يتعلّق بعدم نضوج الثمرة في الشجرة العالية للكتابة، أكثر منه جفافًا مؤقتًا في المخيّلة. في هذا السياق، يقول الروائي الأميركي كولسون وايتهيد: “لعل الفكرة تأتيني في أثناء الاستحمام، إلا أنني سأكتشفها في النهاية”، ويعاضده الروائي غاري شتيجارت بقوله: “لم أعانِ من حبسة الكاتب قط، لدي محتوى يخرج من مسامي، هل تريد ستمائة كلمة حول إنتاج الذرة في جبال الأنديز؟ حسنًا، سوف أسلمك إياها يوم الجمعة المقبل، فكم ستدفع للكلمة الواحدة؟”.
تهمل الآراء التي يؤمن أصحابها بحبسة الكتابة جانبًا مهمًا في عملية التأليف، هذا الجانب يتمثّل بالقراءة كرافد أساسي في تأثيث النص بما ينقصه، وهذا ما تنبّه إليه الكاتبة الفنزويلية كارمن ماريا ماتشادو بقولها: “أؤمن بشدة أن الكاتب بحاجة إلى القراءة، حيث أن القراءة هي التي تمنع قفلة الكاتب أو تجعله قادرًا على تخطيها، لا يمكنك الاستمرار في الكتابة إذا ما كنت لا تملأ خزان وقودك بأي شيء تود قراءته”. تكمن المشكلة، إذًا، في عدم الامتلاء أو في القربة المثقوبة للأفكار، فحين يداهمك المخاض الحقيقي، وتختمر الفكرة في رأسك، ستسيل الكلمات من دون توقّف، شرط أن يكون الملاط متينًا في تشييد العمارة التخييلية.
المجد للمشائين في اصطياد الفكرة المشعّة
دعك من نصيحة أغاثا كريستي بضرورة الاسترخاء في حوض الاستحمام وقضم تفاحة للقبض على الحبكة، فثمار شجرة كاملة من التفاح لن تنقذك بغياب الفكرة المشعّة، كما ليس ضروريًا أن تنصت إلى فرجينيا وولف التي تنصح بالجلوس إلى النافذة وتأمل جريان النهر أمامك وأنت تتناول شاي العصر. ولن تداهمك الفكرة في يوم محدّد من السنة، كما تفعل إيزابيل الليندي، إذ تبدأ كتابة رواياتها في 8 يناير/ كانون الثاني من كل عام بعزلة تامة محاطة بالزهور والبخور والشموع لاستحضار أرواح شخصياتها! ربما سينصح آخرون بتناول عصير الطماطم بالفلفل الحار قبل الانقضاض على الوليمة، من يعلم؟ الآن، لنفترض أنك أخضعت كل هذه النصائح للتشريح العملي، فهل تظن أنك ستحطّم قضبان القفص وجيوبك خاوية من الأفكار التي تخرجك من البئر الجاف؟
في تجاوز مصطلح حبسة الكتابة المزعوم، ربما كانت نصيحة هاروكي موراكامي في كتابه “ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الركض”، هي الأكثر إشراقًا في هذا الشأن، وتتلخص في رياضة الجري إلى مسافات طويلة كوقود للصفاء الذهني وتأمل الذات بقصد اصطياد الأفكار المدهشة، فالمجد للمشائين قراءةً وكتابة، وإلا لن تحصد سوى الشحوم الضّارة. في مديح المشائين يقول بول أوستر: “أتساءل عن عدد الصنادل التي انتعلها دانتي وبُليتْ، بينما كان يكتب ’الكوميديا الإلهية’”.
أمام أكداس المؤلفات الهزيلة التي تلفظها المطابع يوميًا بالآلاف، كان علينا أن نعترف بلا تردّد: “آه، لو أن حبسة الكتابة أصابت هؤلاء إلى الأبد”.