الميليشيات ليست اختراعاً إيرانياً، لكنّ إيران برعت في “مذهبتها”، ونجحت في استغلال المجتمعات التعدّدية واستكشاف البيئات السياسية الهشّة لتجعل من ميليشياتها وباءً سرطانياً يفتك بالاستقرار ويُهمّش الدول ويُضعف الجيوش الوطنية. وكانت إسرائيل نفسها قامت أساساً بجهود عصابات ميليشيوية ثم استوعبتها في جيش واحد، إلا أنها أعادت أخيراً إحياء هذا النمط العنفي فسلّحت المستوطنين ودعمتهم بحماية الجيش للقيام بالأعمال القذرة ضد السكان الفلسطينيين من دون أن تُنسب إليه. كما أنها جمعت ممتهني التهريب ولصوص المساعدات في غزّة لتشكّل منهم ميليشيا تُستخدم في قتل الغزّيين وترهيبهم والمساهمة بتهجيرهم، كذلك في اشعال اقتتال أهلي مع “حماس” وميليشيات أخرى.
في هذه الدول الثلاث، ورغم اختلاف الظروف، تحالفت الميليشيات ذات الولاء الخارجي مع منظومات الفساد كافة فدمّرت الاقتصاد واحتضنت الإرهاب أو استخدمته، ولم تعد لها مصلحة في وجود دولة. لكنها دول تشهد حالياً محاولات تبدو جدّية للخروج من عقلية الميليشيا وحمولاتها التخريبية، ويجمع بينها حالياً هدفٌ واحد: نزع السلاح المنفلت. فهذه ورشة هائلة لا تختلف كثيراً عن تأسيس/ أو إعادة تأسيس الدولة وما يكتنفه من تحديات داخلية؛ من ضرب الفساد لتصحيح مسار الاقتصاد إلى إصلاح الإدارة وأداء أجهزة الأمن وتوطيد الثقة بالقضاء والمؤسسات… وحين يُصار إلى الحوار لـ”نزع السلاح” بالتفاهم فإن الميليشيات تبتزّ الدولة وتطلب تنازلات لا تستحقّها.
