ملخص
غيرت حرب المسيرات شكل المواجهة مع روسيا ودفعت أوكرانيا نحو نموذج عسكري أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والإنتاج المحلي، لكنها في الوقت نفسه وسعت مشاركة المجتمع وأدخلت الإصلاح العسكري في قلب الصراع السياسي. وأطلقت إقالة ميخايلو فيدوروف احتجاجات ونقاشاً غير مسبوق حول قيادة الحرب والانتخابات والمساءلة الديمقراطية، وسط مخاوف من أن تؤدي الاضطرابات السياسية إلى إبطاء التفوق التقني الذي حققته كييف في ساحة المعركة.
في الـ19 من أغسطس (آب) الجاري، صوت البرلمان الأوكراني بغالبية ساحقة للمصادقة على تعيين وزير الدفاع الجديد، منهياً أسابيع من الغموض في مرحلة حاسمة من الحرب. وعلى مدى أكثر من شهر، نزل الأوكرانيون إلى شوارع كييف ومدن أخرى احتجاجاً على قرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي إقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف. أما خلفه، يفهيني خمارا، فضابط في العمليات الخاصة، اشتهر بقيادته عملية “شبكة العنكبوت”، التي نجحت في استهداف قاذفات استراتيجية روسية في عمق الأراضي الروسية.
لكن التداعيات السياسية لاضطرابات هذا الصيف لم تنته بعد. فقد أدت إقالة فيدوروف، الذي كان كثير من الأوكرانيين يرونه شديد الكفاءة، إلى سلسلة من القرارات التي اتخذها زيلينسكي لإعادة تشكيل الحكومة، والأهم من ذلك، تغيير رؤساء الأجهزة العسكرية وأجهزة إنفاذ القانون. وبعد وقت قصير من إقالة وزير دفاعه، حاول زيلينسكي احتواء الغضب الشعبي بإقالة أولكسندر سيرسكي أيضاً، قائد القوات المسلحة الذي لا يحظى بشعبية. وبذلك، أقدم الرئيس في الوقت نفسه على تغيير الشخصيتين المسؤولتين رسمياً عن دفاع أوكرانيا في مواجهة روسيا: وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة. وزاد حساسية هذه التغييرات أنها جاءت في وقت كانت أوكرانيا تحقق أفضلية في ساحة المعركة.
وتمثل الاحتجاجات الواسعة نفسها مرحلة جديدة في علاقة زيلينسكي بالناخبين. فعلى خلاف أي احتجاجات سابقة منذ بدء الغزو الشامل، تحدى الأوكرانيون الرئيس مباشرة في شأن طريقة إدارته الحرب، وأرسوا بذلك نمطاً جديداً في هذه العلاقة من غير المرجح أن يختفي. وربما كان الأهم أن فيدوروف نشر، عشية تصويت البرلمان على تعيين خلفه، كلمة مصورة مثيرة للجدل أعلن فيها أن أوكرانيا في حاجة إلى “بدء تشغيل النظام من جديد”، ودعا إلى إجراء انتخابات في زمن الحرب. وكانت تلك المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه الدعوة لا عن شخصية أوكرانية بارزة فحسب، بل عن عضو في الدائرة المقربة من زيلينسكي وأحد أقرب حلفائه السابقين. وحتى الآن، استبعد معظم الأوكرانيين هذا الاحتمال، إذ لا يمكن إجراء انتخابات ما دامت البلاد خاضعة للأحكام العرفية.
وفي خضم هذه التطورات، برز أمر آخر بوضوح متزايد. فقد أدى تحول أوكرانيا إلى حرب تتمحور حول المسيرات، في نتيجة غير متوقعة، إلى توسيع دور المجتمع المدني وفتح مجالات جديدة لمشاركته. فقد استلزم تبني استراتيجية دفاعية لا مركزية قائمة على التكنولوجيا صوراً جديدة من التعاون بين العسكريين والمدنيين، ومنحَ عدداً أكبر بكثير من الناس دوراً مباشراً في قضايا الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية. ووضع ذلك بدوره قيادة البلاد أمام واقع جديد.
حرب من نوع مختلف
كان تحول المواجهة العسكرية مع روسيا إلى حرب مسيرات أحد العوامل الحاسمة وراء تطورات هذا الصيف. وقد بدأ هذا التحول يترسخ عام 2024، مسرعاً انتقال أوكرانيا من الاعتماد على الأسلحة التي يوفرها الخارج إلى الإنتاج المحلي، إذ يجري اليوم تجميع نحو 95 في المئة من المسيرات داخل البلاد. وعلى رغم أن أوكرانيا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على مخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية الأميركية للتصدي لهجمات الصواريخ الباليستية، فقد أصبحت أقل اعتماداً بكثير على الأنظمة والمعلومات الاستخباراتية الأجنبية مما كانت عليه في بداية الحرب. وأدى تحول القتال نحو الاعتماد على المسيرات إلى تغيير جوهري في تكتيكات المعارك، والخبرات التي يحتاج إليها الجنود، وطريقة شراء الأسلحة. وجعل بعض المنظومات العسكرية التقليدية، مثل المركبات المدرعة والمدفعية القصيرة المدى، أقل جدوى بصورة متزايدة.
لكن المسيرات في حد ذاتها ليست ما جعل هذا التحول بهذه الأهمية. فللاستفادة الكاملة من إمكانات الحرب بالأنظمة من دون طاقم، أنشأت أوكرانيا بنية رقمية متكاملة تربط المنصات المسيرة بالمعطيات الميدانية والمعلومات الاستخباراتية. وتبنت مستوى غير مسبوق من التنسيق الرقمي، ووسعت اللامركزية في إنتاج الأسلحة والتقنيات الرقمية وشرائها. وكان فيدوروف أحد أبرز مهندسي البنية التحتية لحرب المسيرات. فلم يكن يمتلك فهماً عميقاً لساحة المعركة والأسلحة المستخدمة فيها والبيانات المتدفقة منها فحسب، بل كانت لديه أيضاً القدرة على بناء منظومة رقمية متكاملة لإدارتها وتنسيقها وتطويرها باستمرار.
وعلى رغم أن فيدوروف شغل منصب وزير الدفاع ستة أشهر فحسب، فقد قاد هذا التحول قبل ذلك من موقعه على رأس وزارة التحول الرقمي، وهي هيئة حكومية أنشأها عام 2019 وظل يديرها حتى عام 2026. وبالاستعانة بفريق من المتخصصين، عملت الوزارة على إحلال منصات رقمية أكثر كفاءة محل الإجراءات البيروقراطية التقليدية في أجهزة الحكومة، وكان من أهدافها أيضاً الحد من الفساد. وبعد الغزو الروسي الشامل، أصبح فريق فيدوروف قوة دافعة داخل الحكومة لبرنامج المسيرات الأوكراني. ولأن شراء المسيرات لم يكن خاضعاً في البداية لإجراءات المشتريات الرسمية، استطاعت الوزارة إلى حد كبير إدارة العملية من خلال مبادرتها الخاصة “خط المسيرات”. وفي الوقت نفسه، بدأت إنشاء بنية تحتية رقمية جديدة لإدارة حرب المسيرات.
وكانت بعض هذه القدرات، مثل نظام “دلتا” القائم على الحوسبة السحابية لإدارة العمليات في مختلف أنحاء ساحة المعركة، قد طورتها في وقت سابق مبادرات مدنية يقودها متطوعون. لكن وزارة التحول الرقمي وفرت لها دعماً حكومياً بالغ الأهمية. واستحدثت مكافآت لوحدات الجيش التي تنجح في استخدام المسيرات، ثم وسعتها لاحقاً لتشمل الوحدات التي تشغل الأنظمة البحرية المسيرة والروبوتات الأرضية. ويخشى بعض المحللين العسكريين أن تحول مثل هذه الحوافز الحرب إلى ما يشبه اللعبة، أو أن تبسط الواقع العملياتي أكثر من اللازم. لكن هذه البرامج، بفضل ما توفره من تقييم مستمر للأداء والنتائج، تتيح معلومات استخباراتية قيمة عن ساحة المعركة في الوقت الفعلي، إلى جانب بيانات متطورة لتقييم أداء الأسلحة والوحدات.
وخلال الفترة التي كان فيها فريق فيدوروف يحظى بدعم زيلينسكي، دفع باتجاه سياسات وآليات تمويل جديدة لتسريع التحول الرقمي للجيش. وعمل على تبسيط البيروقراطية العسكرية وتعزيز الشفافية في المشتريات خلال الحرب، وهي عمليات كانت عرضة بدرجة كبيرة للفساد. واليوم، تنتج أكثر من 900 شركة أوكرانية آلاف الطرز والمكونات الخاصة بالمسيرات. ولإدارة هذا القطاع الضخم والمتشعب، استحدثت الوزارة أنظمة جديدة لتنسيق الخدمات اللوجيستية وإجراءات الاعتماد ونشر المسيرات.
وفي المحصلة، كانت لهذه التغييرات آثار كبيرة. فخطوة تلو أخرى، منحت المسيرات القوات المسلحة الأوكرانية قدرات كانت الصواريخ والقوة الجوية توفرها تقليدياً، وساعدتها على إبقاء هذه القدرات فاعلة في ساحة المعركة… وفي عام 2025، حققت أوكرانيا تكافؤاً مع روسيا في المجال الجوي على امتداد خط المواجهة. وبحلول عام 2026، أصبحت المسيرات والصواريخ الأوكرانية قادرة أيضاً على بلوغ مراكز القيادة والسيطرة الروسية، وقطع خطوط الإمداد، وإحباط بعض الهجمات الروسية. وعلى رغم أن موسكو لا تزال تتفوق من حيث الموارد، مستفيدة من عائدات النفط والإنفاق الحكومي الضخم لتمويل حربها، فإن البنية الرقمية الجديدة مكَّنت أوكرانيا من تحقيق نتائج أكبر بموارد أقل، إذ ضاعفت فاعلية بعض الأسلحة من خلال ربط أجهزة الاستشعار والمشغلين ووسائل تنفيذ الهجمات ضمن منظومة واحدة.
أسلحة جديدة وأساليب قديمة
على رغم القيمة التي لا جدال فيها لهذه الابتكارات، فإن كثيراً منها جاء من خارج المؤسسة العسكرية الأوكرانية، وأحياناً في مواجهة مقاومتها. وقد طغى العدد الكبير من المدنيين الذين التحقوا بالجيش بعد عام 2022 على حقيقة أن الجيش الأوكراني دخل الحرب بقوام من الجنود المحترفين، وبعقائد عسكرية وهياكل قيادة موروثة. ومع أن الجيش أنشأ “قوات الأنظمة المسيرة” فرعاً مستقلاً عام 2024، ظلت الألوية الآلية وألوية المشاة والمدرعات تتحمل العبء الأكبر من القتال، فيما دمج كل منها المسيرات في عملياته بوتيرته الخاصة. وكما هي الحال في أي قوة مسلحة وطنية كبيرة، قاوم هيكل القيادة القائم التغيير الشامل. وتبنى كثير من القادة المسيرات باعتبارها أسلحة، كما لو كانت دبابات أو مدافع، من دون أن يدركوا تماماً التغييرات الهيكلية اللازمة للاستفادة منها بفاعلية.
وعلى نحو مماثل، قاومت صناعة الدفاع الأوكرانية الراسخة عملية إعادة الهيكلة، بعدما اعتمدت طويلاً على علاقات وعقود قائمة. وحتى وقت قريب، ظلت عقود المسيرات تشكل قطاعاً محدوداً نسبياً. فعلى رغم أن قيمتها تبلغ مئات الملايين من الدولارات، لا تزال المنظومات التقليدية الباهظة الكلفة، مثل المدفعية وغيرها من الأسلحة التقليدية، تستحوذ على معظم موازنة الدفاع الأوكرانية. لكن هذا التوازن بدأ يتغير خلال العام الماضي، إذ أخذت أولويات الجيش في المشتريات والمصالح المالية المرتبطة بها تتكيف مع واقع الحرب التي باتت تتمحور حول المسيرات، مما أفرز بدوره مقاومة جديدة لهذا التحول.
ومنذ الأيام الأولى لتوليه منصب وزير الدفاع، تعرض فيدوروف وفريقه لحملات تشويه عبر قنوات مجهولة على “تيليغرام”، ربطته بفضائح عسكرية مختلفة وبمزاعم فساد في قطاع المسيرات. ويعزو فيدوروف هذه الهجمات إلى جهات ذات مصالح راسخة، من متعاقدين في قطاع الدفاع وشخصيات نافذة، رأت في تغير أولويات الحرب تهديداً لمصالحها. ويستشهد، مثلاً، بنجاحه في خفض كلفة صفقة لشراء مدفعية قصيرة المدى كانت تفقد جدواها مع اتساع نطاق المناطق التي يمكن استهدافها بالنيران. وقال أيضاً إن زيلينسكي كان يتلقى باستمرار شكاوى تتهم فريق الإصلاح الرقمي بإفساد منظومة كانت تعمل بكفاءة، وعرقلة وصول المعدات الأساس إلى القوات على الجبهة.
وفي الوقت نفسه، ومع توجيه مبالغ كبيرة من التمويل، ولا سيما من شركاء أوكرانيا الدوليين، إلى تكنولوجيا المسيرات، سعت شركات الدفاع الراسخة وشخصيات سياسية نافذة إلى الحصول على نصيب من هذه السوق، وبدأت تنافس بقوة الشركات الناشئة على عقود المسيرات. وأدت هذه التوترات مجتمعة إلى زيادة الضغوط على زيلينسكي لإبطاء وتيرة التحول العسكري، في وقت كان فيدوروف يدفع نحو تسريعه. لكن الرئيس لم يدرك إلى أي حد أصبح الجمهور متمسكاً بأسلوب أوكرانيا الجديد في خوض الحرب، ولا مدى إعجابه بالنتائج اللافتة التي بدأ يحققها.
ضغط من القاعدة
بحلول ربيع عام 2026، كانت شركات الدفاع أبدت تحفظاتها تجاه فيدوروف، فيما كان استياء الجمهور الأوكراني من سيرسكي، القائد العام للقوات المسلحة، يتزايد. وكان سيرسكي حقق انتصارات استراتيجية عدة، من بينها معركة كييف وتحرير منطقة خاركيف خلال العام الأول من الحرب الشاملة. وتبنى استخدام المسيرات في الحرب، فوسع نطاق شرائها ودمجها في العمليات القتالية، وإن جاء ذلك في إطار التطور الأوسع الذي كانت تشهده القوات المسلحة. ومع ذلك، كان كثير من الجنود يرونه قائداً يولي الانضباط أهمية كبيرة، ولا يتردد في التضحية بالأرواح إذا رأى أن ذلك ضروري لتحقيق هدف عسكري.
وداخل الجيش، كثيراً ما اعتز سيرسكي بقربه من خطوط المواجهة، إلى حد أنه كان يتدخل أحياناً في أدق تفاصيل إدارة المعركة. لكن شعوراً متزايداً بدأ ينتشر بين الضباط والجنود بأنه بات يقدم الولاء الشخصي داخل هيكل القيادة على الفاعلية العسكرية. وكان يميل إلى تهميش الضباط الشباب الموهوبين، واستخدام سيطرته على الترقيات والموارد لترسيخ نفوذه. ووفق بعض الجنود والضباط، كانت هذه الممارسات تهدد بتقويض الجاهزية القتالية، بما في ذلك داخل القطاعات الأشد أهمية على الجبهة.
ثم في يونيو (حزيران) الماضي، نشر صحافيون أوكرانيون تحقيقاً صادماً كشف عن مزاعم مروعة حول انتهاكات داخل فوج اقتحام كان يحظى بدعم خاص من سيرسكي. وتضمنت الوقائع أدلة على أعمال عنف وعمليات قتل غير مشروعة داخل الوحدة. وعلى رغم إجراء تحقيق عسكري رسمي بعد ذلك، ظلت الانتقادات الشعبية حادة، وتحدث عسكريون في الخدمة علناً عن القضية. وحمَّل كثرٌ سيرسكي شخصياً مسؤولية السماح بوقوع هذه الانتهاكات.
وفي أعقاب هذه الفضيحة، اتخذ زيلينسكي قراره السيئ التوقيت بإقالة فيدوروف. ورأى كثير من الأوكرانيين في ذلك انحيازاً من الرئيس إلى معارضي الإصلاح. وسرعان ما خرج آلاف الأشخاص إلى شوارع كييف ومدن أخرى. ولاحتواء الغضب الشعبي، سارع زيلينسكي إلى إقالة سيرسكي وتعيين اللواء ميخايلو دراباتيي خلفاً له، وهو اختيار حظي بترحيب واسع. وكان دراباتيي، البالغ 43 سنة، التحق بالجيش عام 2014 قائداً لكتيبة، ثم تدرج في صفوفه وشارك في عدد من المعارك الحاسمة. ويُعرف بتبنيه أساليب جديدة، من بينها ساحة المعركة الرقمية التي روج لها فيدوروف، وبدعمه الضباط الواعدين، واستعداده لتحدي قادة الجيش عند الضرورة، وتأييده العمليات التي تحد من الخسائر البشرية، وهي أولوية يوليها الأوكرانيون أهمية كبيرة.
وفي غضون ذلك، عين زيلينسكي خمارا خلفاً لفيدوروف. وكان خمارا، وهو في أواخر الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات من عمره، قد خدم منذ عام 2011 في وحدة “ألفا” للقوات الخاصة التابعة لجهاز الأمن الأوكراني، وتمتع بسجل مهني ناصع. وقبل توليه المنصب، كان عليه أن يترك الخدمة العسكرية الفعلية ويصبح مدنياً بصورة رسمية، إذ يشترط القانون أن يتولى وزارة الدفاع شخص مدني. لكن هذه التغييرات لم تنهِ التوتر القائم بين وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة. فبموجب القانون، يفترض أن يرشح وزير الدفاع القائد العام إلى الرئيس، إلا أن زيلينسكي اختار هذه المرة أيضاً القائد بنفسه عملياً، مما رسخ لدى هيئة الأركان شعوراً بأنها تتبع للرئيس، لا لوزير الدفاع.
هل بدأ الزخم يتراجع؟
أما السؤال الأكبر فهو كيف سينعكس هذا الاضطراب السياسي على مسار الحرب. فقد أقيل فيدوروف في وقت بدأت الإصلاحات التي كان يدفع بها تساعد أوكرانيا على قلب مسار الحرب لمصلحتها في مواجهة روسيا. وبحلول ربيع عام 2026، بدأت الضربات الأوكرانية بعيدة المدى بالمسيرات تقوض إحدى أكبر المزايا الاستراتيجية لروسيا، وهي قطاعها النفطي. كذلك واصلت كييف تعطيل خطوط الإمداد الروسية في الجنوب، ولا سيما في شبه جزيرة القرم، تزامناً مع استهداف مصافي النفط في أنحاء الجزء الأوروبي من روسيا، بما في ذلك موسكو وسانت بطرسبورغ. لكن كثراً يتساءلون عما إذا كانت إقالة فيدوروف ستبطئ هذا التقدم.
وفي روسيا، احتفى معلقون مؤيدون للحرب علناً بقرار زيلينسكي، ورأوا فيه تخلياً عن أحد أبرز مهندسي التحديث العسكري الأوكراني. وبعد ساعات من إقالة فيدوروف، عرض عليه ممثلون عن حكومات أجنبية وشركات تكنولوجيا دولية عدة مناصب، من بينهم وزير الدفاع الإيطالي والرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” أليكس كارب، لكنه رفضها. وعرض عليه زيلينسكي أيضاً مناصب بديلة في كييف، غير أن فيدوروف رفضها جميعاً لأنها لم تكن تمنحه سوى صلاحيات محدودة في اتخاذ القرار. ومع ذلك، يبدو شبه مؤكد أنه سيشغل، عاجلاً أم آجلاً، موقعاً مهماً في الحكومة أو قطاع الدفاع.
وعلى رغم أن زيلينسكي اختار خلفاً لفيدوروف وسيرسكي شخصيات منفتحة على الابتكار، فإن مستقبل منظومة الحرب الرقمية في أوكرانيا لا يزال غير محسوم. فخمارا يتولى منصبه من دون فريق عمل راسخ، خلافاً لفيدوروف الذي اصطحب معه إلى وزارة الدفاع الفريق الذي بناه سابقاً في وزارة التحول الرقمي. وحتى الآن، لم يغادر سوى عدد قليل من خبراء الرقمنة الذين جاء بهم فيدوروف إلى الوزارة، لكن آخرين كثراً قد يُدفعون إلى المغادرة. كما أن دعوته إلى إجراء انتخابات أعطت مؤشراً إلى انتقاله إلى صفوف المعارضة، وأثارت تساؤلات حول احتمال تدهور علاقته بزيلينسكي، وما قد يعنيه ذلك للمقربين منه الذين لا يزالون يشغلون مناصب رسمية.
صممت البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها أوكرانيا في ساحة المعركة بحيث يمكن تطويرها سريعاً لمواكبة متطلبات القتال المتغيرة. ويمكن لهذه المنظومة أن تستمر من دون فيدوروف أو فريقه، لكن السؤال هو ما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على سرعة التطوير اللازمة للبقاء في موقع متقدم على روسيا. أما الخطر المباشر فهو فقدان الزخم.
الديمقراطية على المحك
لا تزال الثقافة الديمقراطية التي ترسخت في أوكرانيا عام 2014، وكانت وراء احتجاجات هذا الصيف، إحدى أهم نقاط القوة العسكرية للبلاد. فكثير من أبرز أوجه التطور العسكري جاء من القاعدة، بمبادرات من جنود وقادة، وكذلك من رواد أعمال مدنيين. ودفعت مئات المبادرات الخاصة قدماً بالتكنولوجيا والبرمجيات والتصنيع والخدمات اللوجيستية، على نحو أحدث تحولاً كبيراً في طريقة خوض أوكرانيا الحرب. وباتت وحدات عسكرية كثيرة، إلى جانب رواد أعمال ومهندسين وناشطين مدنيين، منخرطة في هذه المنظومة إلى حد يجعل من الصعب على قرار سياسي واحد تفكيكها. غير أن الاضطراب الحالي قد يضعف قدرة أوكرانيا على مواصلة تطوير حلول وابتكارات جديدة في ساحة المعركة، في وقت لا يزال مسار الحرب برمته غير محسوم.
أما زيلينسكي، فلم يعد في الإمكان تدارك الضرر السياسي الذي خلفته قراراته هذا الصيف. فقد ظل معظم الأوكرانيين ملتفين حول الرئيس في مواجهة الضغوط الخارجية، بما في ذلك بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025. ومع ذلك، أظهر زيلينسكي أكثر من مرة أنه بات بعيداً من توجهات الأوكرانيين العاديين. وقبل عام، أثارت محاولته تقليص دور هيئات مكافحة الفساد احتجاجات واسعة وأضعفت الثقة بقيادته بصورة كبيرة. ثم جاءت إقالة فيدوروف لتكرس هذا الانطباع.
وحتى هذا الصيف، كان فيدوروف يتجنب الأضواء ويقدم نفسه باعتباره إدارياً أكثر منه سياسياً. لكن قرار زيلينسكي المفاجئ بإقالته، لأسباب لا يزال الرأي العام يجهلها، جعله بين عشية وضحاها واحداً من أكثر الشخصيات شعبية في أوكرانيا. ثم جاءت دعوته إلى إجراء انتخابات لتزيد حدة المواجهة السياسية. ففي كلمته المصورة، تحدث فيدوروف مجدداً، من دون تسمية أحد، عن جهات نافذة ذات مصالح راسخة تدخلت في شؤون الحكومة والدفاع وقاومت التغييرات التي تحتاج إليها أوكرانيا للحفاظ على تفوقها العسكري. وأكد أيضاً أنه، في ظل عدم وجود نهاية تلوح في الأفق للحرب، تحتاج البلاد إلى نقاش أوسع حول المساءلة السياسية وصنع القرار. وفي توضيح لاحق لكلمته، التي بدت في البداية غامضة ومفاجئة، تعهد الوزير السابق بعرض الترتيبات التقنية والأمنية اللازمة للتصويت في زمن الحرب، ولا سيما بالنسبة إلى الجنود واللاجئين وسكان المناطق القريبة من الجبهة، بما يتيح نقاشاً واقعياً حول إمكانية إجراء الانتخابات.
ويحظر القانون إجراء الانتخابات في ظل الأحكام العرفية. وحتى الآن، لم تشكك في شرعية أوكرانيا السياسية بسبب غياب الانتخابات سوى قوى خارجية، وتحديداً روسيا والولايات المتحدة. وكان معظم الأوكرانيين يرون أن التصويت في زمن الحرب خطر وغير عملي، خشية أن يؤدي تنظيم الانتخابات إلى تحويل الانتباه والأموال والجهود بعيداً من الجبهة. لكن زيلينسكي يدخل عامه السابع في الرئاسة، في ظل دستور يسمح بولايتين متتاليتين مدة كل منهما خمسة أعوام. وبعد سلسلة من القرارات المهمة التي لم تحظَ بشعبية، بات يعطي انطباعاً متزايداً بأنه فقد القدرة على قراءة مزاج البلاد. وقد لا يؤدي إعلان فيدوروف إلى تغيير فوري، لكنه فتح نقاشاً قد تمتد تداعياته لأشهر أو حتى أعوام.
وحتى الآن، كان الاعتقاد السائد في شأن الانتخابات أن الأوكرانيين سيعرفون بأنفسهم متى تحين لحظتها: ففي مجتمع فاعل وصريح في التعبير عن آرائه، حتى في زمن الحرب، سيأتي وقت يطالب فيه الناس أنفسهم بالمساءلة الديمقراطية. لكن دعوة فيدوروف إلى الانتخابات لا تعني أنه سيكسب تلقائياً مزيداً من التأييد إذا قرر الترشح. فقد نفرت دعوته إلى التصويت في زمن الحرب بعض الشخصيات العامة والسياسيين الذين ساندوه عندما كان وزيراً للدفاع. ويرى هؤلاء أن تحركه الحالي أقرب إلى تحدٍ سياسي صريح لزيلينسكي منه إلى دعوة للمساءلة، وأنه قد يصرف الانتباه عن الإصلاحات التي كان فيدوروف نفسه يدافع عنها. ومع احتمال استمرار الحرب في المستقبل المنظور، بات السؤال الملح هو إلى أي حد ينبغي إشراك الشعب مباشرة في تقرير مسارها: كيف تُخاض، وبأي وسائل، ووفق أي استراتيجية، وما الرؤية الأوسع التي ينبغي أن توجه دفاع البلاد؟
مع تنامي الاعتماد على المسيرات في الحرب، اتسعت دائرة المشاركين في صياغة الاستراتيجية العسكرية، إذ بات ممثلو المجتمع المدني والمبتكرون في مجال التكنولوجيا، إلى جانب أفراد الوحدات العسكرية على الجبهة، يمتلكون خبرة أكبر وقدرة أوسع على التأثير في القرارات العسكرية. وأدى ذلك إلى زيادة انخراط المجتمع في شؤون الحرب أكثر من أي وقت مضى. وفي المقابل، بات على قادة البلاد أن يحسبوا حساب فئات جديدة ومؤثرة وأن يخضعوا للمساءلة أمامها، وهي فئات قد تطالب مستقبلاً بدور أكبر في تحديد مسار الحرب.
ناتاليا غومينوك صحافية أوكرانية، وتشغل منصب الرئيسة التنفيذية لـ”مختبر صحافة المصلحة العامة”، وهي مؤلفة كتاب مرتقب بعنوان “ثورة المسيرات: كيف غير الأوكرانيون طريقة خوض الحروب”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 26 أغسطس (آب) 2026
