سيروان سعد… جريدة المدى
يعيش الشارع العراقي اليوم على وقع طبول حرب غير تقليدية، حرب لا تُخاض بالرصاص في ساحات المعارك، بل بالملفات والوثائق داخل أروقة المحاكم وبوابات السجون. الحملة الشرسة التي يقودها رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي لمكافحة الفساد، لم تعد مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى قضية رأي عام تمس القوت اليومي للمواطن العراقي البسيط الذي أنهكته الأزمات. بين وعود التغيير الجذري وخيبات الأمل المتراكمة منذ عقدين، يطرح العراقيون الأسئلة الأكثر إلحاحاً وعمقاً: إلى أين ستصل هذه المقصلة؟ ومن سيُساق إليها في النهاية؟
التشريح المالي للحملة: أرقام فلكية في مهب الاسترداد
لم تعد عمليات مكافحة الفساد تقتصر على ملاحقة الرشاوى الصغيرة، بل انتقلت إلى مواجهة “السرقات المبرمجة والهيكلية” التي تستهدف عصب الدولة المالي.
الأموال التي تم إحباط سرقتها مؤخراً: تمكنت الأجهزة الرقابية، بإشراف مباشر من حكومة الزيدي، من إحباط محاولات اختلاس وسحب غير قانوني مرعبة تجاوزت المليار دولار (ما يعادل أكثر من تريليون ونصف دينار عراقي) كانت قيد التنفيذ في مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين.
الملفات النفطية والتعاقدية: جرى فتح الصندوق الأسود لوزارة النفط، وأسفرت الحملة عن اعتقال مسؤولين كبار، من بينهم مدير عام المصافي، على خلفية هدر وتلاعب بعقود ضخمة لتهريب المشتقات والتلاعب بأسعار التجهيز.
أين تذهب هذه الأموال المستردة؟ خلافاً لما كان يحدث سابقاً من تدوير الأموال في حسابات غامضة، أُلزمت الجهات القضائية والرقابية بتحويل كل دينار ودولار مسترد مباشرة إلى خزينة الدولة المركزية (حساب وزارة المالية). الهدف المعلن هو تحويل هذه الأموال إلى “مصل مالي” لإنعاش الموازنة الاستثمارية الميتة، وتمويل قطاعات الصحة والتعليم، وسد الثغرات العميقة في رواتب القطاع العام.
لكن المأساة تكمن في المقارنة؛ فالمبالغ المستردة أو المحمية حتى الآن، رغم ضخامتها، لا تشكل سوى 1% من إجمالي الأموال المنهوبة منذ عام 2003، والتي تقدرها أوساط برلمانية ودولية ما بين 150 إلى 300 مليار دولار طارت إلى عواصم العالم عبر شركات وهمية وعقارات فارهة.
السيناريو المقلق: هل تلامس الحملة “الرؤوس الكبيرة” أم تقف عند حدود “الأكباش”؟
هذا هو السؤال المتداول الذي يشغل المقاهي والبيوت في بغداد والبصرة والموصل. هل يمتلك الزيدي القدرة السياسية والغطاء الدستوري لكسر “الفيتو” المفروض على حيتان الصف الأول؟
فرضية “زلزال الإطاحة بالرؤس الكبار»:
تستند هذه الفرضية إلى الآليات الجديدة التي استحدثتها الحكومة، وعلى رأسها “المجلس المشترك لمكافحة الفساد” الذي يضم النزاهة والادعاء العام وديوان الرقابة المالية والأمن الوطني. التحركات الأخيرة لا تستهدف الأشخاص بناءً على ولائهم الحزبي فقط، بل تلاحق “الشبكات المتداخلة”. إذا استمر هذا الزخم دون تراجع، فإن الحملة مجبرة بنيوياً على الاصطدام برؤساء كتل سياسية وزعماء أحزاب، لأن المدراء العامين والمعتقلين الحاليين ليسوا سوى “أدوات تنفيذية” لزعامات سياسية تتلقى العمولات الكبرى. فتح ملفات “عقود الحكومات السابقة” يعني تلقائياً وضع قادة الصف الأول في دائرة الاتهام.
فرضية “الزوبعة والتسوية السياسية” (المخاوف الشعبية):
في المقابل، يرى طيف واسع من الشارع العراقي والمراقبين أن النظام السياسي في العراق مبني على “التوافقية والمحاصصة” (شيلني وأشيلك). وفقاً لهذا المنظور، هناك مخاوف حقيقية من أن تكون الحملة الحالية مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى أو “ذر رماد في العيون” لتهدئة الشارع الغاضب.
يخشى المواطن أن تنتهي القضية بالتضحية بـ”صغار الحيتان” وموظفي الدرجات الخاصة كأكباش فداء، بينما تُعقد خلف الكواليس “صفقات تسوية” تضمن عدم مساس الخطوط الحمراء لزعماء الأحزاب الكبيرة، خوفاً من أن يؤدي انهيار أي رأس كبير إلى انهيار المعبد السياسي بأكمله فوق رؤوس الجميع.
الأثر الاقتصادي: طوق نجاة أم مسكن مؤقت لأزمة خانقة؟
يمر العراق بأزمة اقتصادية مركبة، حيث تعاني الدولة من شحة خطيرة في السيولة النقدية بالعملة المحلية والأجنبية، واضطرار البنك المركزي لتدارس خيارات معقدة مثل طباعة الدينار، او حذف اصفار مما يهدد بتضخم يحرق جيوب الفقراء. في ظل هذا المشهد، تحمل الحملة أثراً اقتصادياً مزدوجاً:
إنقاذ الموازنة من النزيف المستمر: العقود الحكومية والمشاريع الاستثمارية تلتهم سنوياً ما يقارب 30% إلى 40% من الموازنة العامة، وأغلبها يذهب كـ”قومسيون” وعمولات للأحزاب. إيقاف هذا الهدر عبر المراجعة الصارمة التي تقوم بها الحكومة يعني توفير تريليونات الدنانير التي يمكن استخدامها كبديل عن الاقتراض أو طباعة العملة، مما يحمي القيمة الشرائية للدينار العراقي.
صدمة إيجابية للسوق والاستثمار: تحجيم الفساد في دوائر الدولة والمصارف يبعث برسالة طمأنينة إلى الشركات العالمية والمستثمرين الأجانب والمحليين بأن البيئة العراقية لم تعد “غابة للمبتزين”. هذا التحول، إذا استقر، كفيل بتحريك العجلة الاقتصادية الراكدة، وخلق فرص عمل حقيقية بعيداً عن التعيينات الحكومية المترهلة.
إن حملة الزيدي لم تعد تحتمل الوقوف في المنطقة الرمادية. الشارع العراقي اليوم واقـع بين مطرقة الحاجة الاقتصادية وسندان الشك السياسي؛ فإما أن تدق هذه الحملة أبواب القصور المنيعة لزعماء الفساد وتدخل التاريخ كـ”ثورة بيضاء” لاستعادة الدولة، أو أن تتحول إلى تصفية حسابات مؤقتة، تخرج منها الحيتان الكبيرة أكثر توحشاً، ليظل المواطن وحده من يدفع الفاتورة.